اللواء الدكتور ياسين سويد خبير عسكري لبناني وعربي
معروف، متخصص في الشأن الصهيوني، وله عدة كتب ومؤلفات في العِلم العسكري. شارك
في العديد من المؤتمرات والندوات. وهو من قادة رفض التطبيع مع العدو الصهيوني.
هذا الحوار هو للإطلالة على الأداء العسكري للمقاومة في فلسطين.
- كيف تقيمون أداء فصائل المقاومة
الفلسطينية خلال أربع سنوات من الانتفاضة؟
• إن أداء المقاومة خلال الأربع سنوات الماضية وفقاً للشروط والأوضاع التي توجد
بها ممتاز. إلا أن هذا الأداء كان بحاجة إلى نوع من التنسيق بين فصائل المقاومة
أكثر مما هو عليه اليوم. ذلك أن السنوات الأربعة التي مرّت على قيام الانتفاضة
كانت كافية لتوحيد فصائل المقاومة أو على الأقل تعميق التنسيق فيما بينها،
خصوصاً أن الظروف التي تعمل بها المقاومة تختلف اختلافاً جذرياً عن الظروف التي
عملت بها المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان. إن أية مقاومة تحتاج إلى ثلاثة
شروط كي تنجح: أولاً: الأرض أو البحر الذي تسبح فيه، ثانياً: العمق التكتيكي،
ثالثاً: العمق الاستراتيجي.
وإذا حاولنا تطبيق هذ الشروط على المقاومة الفلسطينية وجدنا أن هذه المقاومة قد
بذلت جهداً كبيراً لكي توفّر هذه الشروط، رغم أن طبيعة الأرض والجوار التي تعمل
فيهما لا توفر لها ذلك، الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة مقطعة
بالمستوطنات الصهيونية، إلى درجة أن التواصل بين مختلف القرى والبلدات والمدن
الفلسطينية أضحى من الصعب توفيره، ممّا يعيق عمل المقاومة بالشكل المطلوب. ثمّ
إن الجوار لا يؤمّن للمقاومة العمق التكتيكي والاستراتيجي اللازم. وبينما كانت
المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان تسبح في بحرها، وتستند إلى عمق تكتيكي هو
الجيش والشعب اللبناني، وإلى عمق استراتيجي هو سوريا وإيران، نجد أن المقاومة
الفلسطينية محاصرة بين نارين نار العدو من الأمام ونار الشقيق من الخلف. فنحن
نرى المجاهد الفلسطيني يُقتل على الحدود ونرى الأنفاق توصد في وجهه. وحين تقدّم
الولايات المتحدة للعدوّ الصهيوني على مرأى من الجيران ومسمعهم كلّ أنواع
السلاح، نرى الجيران العرب يتبجّحون أنهم لن يسمحوا بتمرير أية قطعة سلاح إلى
المقاتلين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. هذا بالإضافة إلى أن العرب
جميعاً والمسلمين تركوا الفلسطينيين يقاتلون الآلات الوحشية الصهيونية وهم
عزّل.
- من الناحية العلمية العسكرية هل تستطيع المقاومة في ظل
هذا الحصار تطوير أدائها العسكري؟
• لكي نحدّد سبل تطوير الأداء العسكري للمقاومة علينا أن نحدّد المثالب التي
تقع فيها المقاومة. يتطلّب العمل المقاوم قبل كلّ شيء السرّية المطلقة، التعاون
المطلق بين كلّ الفصائل، السعي الحثيث للحصول على السلاح الملائم في وجه سلاح
العدوّ. إن هذه الشروط الثلاث ليست متوفّرة بالكامل في العمل الفلسطيني
المقاوم.
فمن حيث السرّية تفاجأ بأن العدوّ الصهيوني يستطيع أن يكتشف مواقع وحركات ربّما
لم يكن ممكن اكتشافها لولا وجود عملاء، ونشير بذلك إلى عمليّات الاغتيال التي
تجري ليل نهار، مما يدلّ على أن هناك من يعطي للعدوّ الصهيوني الإشارات اللازمة
لإنجاز عملية الاغتيال. وتتطلّب مواجهة ظاهرة العملاء تكاتف جميع القوى
والفصائل والسلطة لمواجهة هذا الداء الذي بدأ ينخر في جسمنا.
إن تعاون الفصائل الفلسطينية لإنجاز عمليات المقاومة والتنسيق فيما بينها هو
أكثر من ضرورة، بل إنه واجب قومي وديني، خصوصاً في زمن الردّة العربية التي
نشهدها اليوم.
ولا يُعقل أن تبقى المقاومة رغم مرور أربع سنوات على قيامها محتاجة للسلاح
الضروري للدفاع عن نفسها. كيف يمكن أن نقابل دبابة بالحجر ولا نستطيع اقتناص
طائرة الأباتشي بأي نوع من الأسلحة المضادّة للطائرات؟. طبعاً نعرف أن ذلك يكاد
يكون مستحيلاً وأن مسؤولية هذا التقصير تعود على الجوار العربي، إلا أنه من
الممكن أن نجد السبل الملائمة للحصول على السلاح المناسب في وجه الدبابات
وطائرات الأباتشي.
- هل يمكن تطوير الصواريخ التي بحوزة المقاومة من مواد
موجودة في السوق المحلي؟
• هذا يعود إلى عبقرية المقاومة، وهذا ممكن إذا كان هناك فكر عسكري تصنيعي
والمواد اللازمة لهذا التصنيع. فهناك صواريخ يُمكن تطوير أدائها لتزداد المسافة
وتزداد قوة التفجير. ويمكن أن يكون جلب مواد التصنيع العسكري للداخل الفلسطيني
أسهل من جلب بندقية أو قذيفة هاون. ورغم أن هناك من تفاخر مؤخراً بتدمير 53
نفقاً توصل أسلحة للفلسطينيين، إلا أن تطوّر أداء المقاومة يبشّر بخير.
- بالنسبة للصواريخ، هناك من يرى أن هذه الصواريخ تحقق نوعاً من التوازن
–المعنوي على الأقل- مع الكيان الصهيوني، وهناك من يرى عكس ذلك تماماً، فما هو
تقييمكم لهذه الصواريخ؟
• حتى اليوم لا تعطي الصواريخ الفائدة المرجوّة منها لأنها تطلق عشوائياً.
عندما تُطلق صاروخاً على مستوطنة صهيونية وتحدّد الهدف الذي يؤدّي إلى إيقاع
خسائر مادية أو بشرية في المستوطنة عندها يكون للصاروخ أهمية. ومن المستحسن
–حسب رأيي- أن تُطلق الصواريخ على مراكز عسكرية صهيونية: الحواجز، مواقع تجمّع
الدبّابات والعسكريين إلخ... المهم أنه عندما تُطلق صاروخاً تطلقه وفقاً
لإحداثيات محدّدة، حتى يسقط في الهدف، وإلا تكون فاعليته ضعيفة.
- لكن فاعليته السياسية والمعنوية...
• حتى فاعليته السياسية والمعنوية.
- الصواريخ ما زالت في بدايتها، فهل تستطيع تحقيق الهدف؟
• إن لم نستطع تحديد الإحداثيات والمسافات فلا داعي للاستخدام.
- العمليات الاستشهادية هل تُعتبر سلاحاً فعالاً؟
• العمليات الاستشهادية هي أولاً عمليات شرعية وقانونية وسلاح فعّال ضدّ العدو
الصهيوني وذلك للأسباب التالية:
أولاً: لماذا يفجّر الفدائي الفلسطيني نفسه لو كان لديه سلاح، أعطوا الفلسطيني
السلاح اللازم كي تمنعوه من تفجير نفسه. ثانياً: إذا أردنا تصنيف هذا الفلسطيني
بالإرهابي فماذا نقول عن جول جمّال الذي فجّر طائرته. وإذا كان ما تقوم به
المنظمات الفلسطينية عملاً إرهابياً فمن المنطقي أن نضع جورج واشنطن الذي قاوم
الإنكليز وشارل ديغول الذي قاوم الاحتلال النازي لفرنسا على قائمة الإرهابيين
في التاريخ. ومن ناحية ثالثة فإن الخسائر الاقتصادية والاستراتيجية للكيان
الصهيوني من جراء العمليات الاستشهادية أكبر من أن تحصى.
- نشهد في الفترة الأخيرة تراجعاً في عدد عمليات
المقاومة خصوصاً منذ نيسان/أبريل 2002، كيف تقرأون هذا التراجع؟
• أولاً هو تراجع طبيعي يحدث لأي مقاومة، من أجل مراجعة تكتيكاتها العسكرية
وخططها الهجومية والدفاعية. ثانياً علينا أن نعذر المقاومة لأنها تعمل في أجواء
صعبة جداً. ففي كل تواريخ المقاومات في العالم من فيتنام إلى الجزائر وغيرها لم
تكن المقاومة تعمل في هذه الظروف الصعبة والقاسية التي تعمل بها المقاومة
الفلسطينية. فلكل مقاومة في التاريخ ((هانوي)) تدعمها. للفيتناميين كانت هانوي،
وللجزائريين كانت هناك دول عربية تأويهم وتدعمهم، ماذا للفلسطينيين؟ لا شيء، بل
خصوم على مختلف الجبهات.
- هل استطاعت (إسرائيل) تحقيق أهدافها العسكرية من جراء
القصف والتدمير والاغتيالات؟
• إن كنا نتحدّث عن الأهداف العسكرية من حيث القضاء على المقاومة فهي لم تستطع
تحقيق هذا الهدف، وإن كنّا نتحدّث عن الأهداف السياسية فهي تحقق جزءاً كبيراً
منها شيئاً فشيئاً، فهي ليست بحاجة لغزة ولا تعتبرها من أهدافها التاريخية،
بينما تقضم الضفة الغربية شبراً فشبراً. ولن يكون الجدار العازل آخر طموحات
شارون. ولن يسمح شارون بقيام دولة فلسطينية فيما تبقى من الضفة الغربية.
ولإبطال المشروع الصهيوني يجب على العرب والمسلمين أن يقفوا خلف المقاومة ولا
يقولوا لها: اذهبي أنت وربك فقاتلا فإنّا ها هنا قاعدون.
- برأيكم إذاً أن ضغط المقاومة، مهما اشتدّ، لن يجبر
شارون على الانسحاب من الضفة الغربية؟
• وأكثر من ذلك، أتصوّر أن المناورة التي قام بها شارون بالفترة الأخيرة والتي
ادّعى فيها أن هناك متطرّفين يهوداً سوف يدمّرون المسجد الأقصى المبارك، أعتقد
أن ذلك لجسّ نبض العرب والمسلمين ولتهيئة الأجواء لتنفيذ مخطّط قيام الهيكل
المزعوم.
|