أ. د. محمد أبو غدير الخبير في
الشؤون الصهيونية:
العنف الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين يعود لأسباب دينية وثقافية صهيونية
(إسرائيل) تضخّم التهديد الفلسطيني لتبرّر العنف ضدّ المدنيين
الإسرائيليون استخدموا سياسة الاستعلاء والاستضعاف لقتل الآخرين
أكد أ. د. محمد أبو غدير الخبير في الدراسات الصهيونية وأستاذ الدراسات العبرية
في جامعة الأزهر، أن العنف لم يكن أداة طارئة يستعملها المشروع الصهيوني، بل هو
جزء أساس يعود لخصائص هذا المشروع، حيث مارس إرهاباً منظماً ضد الشعب
الفلسطيني، ثم توسع في استعمال العنف بعد إعلان الدولة 1948، مما يعبر عن صفة
أصيلة ليست طارئة في طبيعة الفكر الصهيوني والدور السياسي، ففي الفكر تبرز فكرة
الشعب المختار، وفي الدور السياسي يظهر دور الكيان الصهيوني في خدمة
الاستراتيجيات الغربية.
وحول طبيعة هذا العنف وعوامل تصاعده بمستويات غير مسبوقة ضد الشعب الفلسطيني من
عمليات قتل وحصار وتدمير واغتيال كان هذا الحوار.
- هل يتميز العنف الصهيوني عن سائر أشكال العنف والإرهاب
في عالمنا المعاصر؟
• بالطبع يظل هذا العنف ذا جذور خاصة تمنحه بعض السمات المميزة فأولاً:
الصهيونية حركة استيطانية تقوم على إخلاء فلسطين من شعبها، وهذا لا يكون إلا
بوسائل العنف، وثانياً أن العقيدة الصهيونية تجعل الآخرين مباحين تماماً فتهدر
حقوقهم، وبالتالي تجعل استعمال العنف والإرهاب تجاههم أمراً مقبولاً، والدليل
على ذلك فتوى الحاخامات الأخيرة التي تجيز للجيش الإسرائيلي قتل الفلسطينيين.
- ما هي خلفيات وأسباب ذلك؟
• إسباغ القداسة على الذات واستباحة حقوق الآخرين يقودنا إلى الحديث عن
الخلفيات العقدية لهذا العنف.
يقول الأديب إبراهام بيت يهوشع: إنه من الظلم القول بأن الدوافع الدينية كانت
المحرك الأساس للهجرات الصهيونية بدليل أنه أتيحت لليهود على مر ألف عام الحضور
لفلسطين، ولم يكونوا يريدون ذلك.. كنا نجوب العالم كله ونرفض المجيء إلى
فلسطين.
وهذا يعني أن الدافع الديني كان يستخدم كذريعة فقط لإقامة (إسرائيل) لكي تكون
القلعة العسكرية التي تشق العالم العربي والإسلامي نصفين، وتخدم المصالح
الاستراتيجية الغربية.
ثم تطور استعمال الخلفية الدينية في التعامل مع الشعب الفلسطيني والدول
العربية، وخصوصاً في استدعاء نصوص العهد القديم التي تحفل بالعنف والمجازر ضد
الكنعانيين على يد بني (إسرائيل) حتى إنهم يقولون: لولا الصراع والعنف ضد
الفلسطينيين والعرب لما قامت (إسرائيل) ولولا الصراع مع الكنعانيين لما دخل بنو
(إسرائيل) الأرض المقدسة.
فالحديث عن الحرب والدماء داخل العهد القديم كثير، ويمكنك أن تعرف ذلك بنفسك
بالبحث عن كلمات مثل قتل وذبح وكلمات أخرى مثل سلام في قاموس مفردات العهد
القديم، وستخرج بنتائج واضحة ومفارقات كبيرة!
- وهل تفسر الدوافع العقدية بمفردها هذا العنف الذي
يتطور بشكل مستمر، ويأخذ أشكالاً مختلفة؟
• هذه الدوافع ظهرت على السطح بعد أن أصبح لليهود دولة عام 1948 توسعت بعد ذلك
في نكسة عام 1967، وأصبحت تحتل كامل أرض فلسطين التاريخية، وتمارس العنف ضد
الفلسطينيين والعرب، ولكن هناك عاملاً مهماً ينبغي أن نأخذه في الحسبان، وهو أن
الأدبيات الصهيونية ظلت تروج لمقولة: إن الرابط الوحيد لأكثر من 70 هوية وثقافة
يتشكل منها المجتمع الصهيوني هو شعورهم الدائم بخطر خارجي، وإن العيش في ظل
التهديد الخارجي المستمر من أنجع الوسائل لتجميع هؤلاء.
هذا نجده في أدب نكبة 1948 وأدب نكسة 1967، وأدب نكسة 1967، وأدب انتصار رمضان
1973، وأدب الانتفاضة الكبرى، ثم انتفاضة الأقصى، ولا يوجد حتى هذه اللحظة ما
يمكن أن نسميه بأدب السلام.
وظلت الأدبيات الصهيونية تروج لهذه المقولة حتى بعد أن تحولت (إسرائيل) إلى قوة
ذرية، ولم تعد تتعرض لتهديدات من الدول العربية بعد تبني السلام كخيار عربي
استراتيجي، ومع ذلك بدأوا في البحث عن عدو خارجي، والحديث الآن عن إيران، وغداً
سيتحدثون عن قنبلة باكستان النووية.
- الملاحظ أنه بعد قيام الدولة الصهيونية زادت معدلات
العنف ضد الشعب الفلسطيني وضد الشعوب العربية المجاورة بماذا تفسرون ذلك؟
• الواضح أن قادة الصهيونية لم يكونوا راضين عن حدود الدولة المقررة وفقاً
لقرار التقسيم، وذلك لاعتبارات عقدية (حلم إسرائيل الكبرى)، وعملية تتمثل في
توسيع الدولة لاستيعاب الهجرات اليهودية.
واللافت للنظر أنهم لم يقوموا بوضع دستور لـ(إسرائيل)؛ نظراً لأن أول مبدأ في
الدستور يحدد حدود الدولة، ويقول بن جوريون في هذا الإطار: ((حدود دولتي هي
المكان الذي يقف عليه آخر جندي إسرائيلي))، ولذلك من البديهي أن يستعمل الكيان
الصهيوني وسائل العنف العلنية والسرية لتوسيع حدوده.
- تحدث مناحم بيجين ذات مرة بالقول: إن ((الفلسطينيين
مجرد صراصير ينبغي سحقها))، ألا يؤكد ذلك على عنصرية صهيونية تستبيح العرب،
وتبرز فكرة سمو ما يسمى بالجنس اليهودي؟
• أعتقد أن هذا خطاب إعلامي لزعيم سياسي يريد أن يستمر في السلطة، وفي سبيل ذلك
يعمل على تكريس فكرة (سمو الجنس اليهودي)، وادعائهم بأنهم أولاد الرب... إلخ،
وهناك انتقادات لهذه الفكرة من بعض اليهود، وهي فكرة لا أساس لها، والدليل
الأبرز على هذا أن العلماء اليهود برزوا في مجتمعات غير يهودية، فمثلاً موسى بن
ميمون الفيلسوف اليهودي العربي لولا أنه عاش في العالم الإسلامي ما كان كتب ما
كتب.
والمفارقة أهم في الوقت الذي يستبيحون فيه قتل الفلسطينيين دائمًا يضخمون من
الخطر الفلسطيني، وهذا يجد تفسيره في ظاهرة الاستعلاء/الاستضعاف التي يبرعون
فيها، فيتحدثون عن الديموقراطية والتمدن الإسرائيلي في مقابل البربرية العربية،
ثم يضخمون من (التهديد الفلسطيني) لتبرير العنف غير المسبوق ضد الشعب
الفلسطيني.
- هل توجد دلالات أخرى للعنف الصهيوني غير المسبوق ضد
الشعب الفلسطيني إبان الانتفاضة الكبرى، ثم انتفاضة الأقصى؟
• لقد أقام الإسرائيليون (مقتلة) للشعب الفلسطيني طوال الانتفاضتين، وما زلنا
نسمع يومياً عن شهداء من الرجال والنساء والأطفال، ولعلهم يهدفون بذلك أن نتعود
على قتل الأبرياء في فلسطين، أما في حالة سقوط قتلى يهود، فلابد أن تنطلق
برقيات التعازي والإدانة من العواصم العربية!!
وأعتقد أن السبب المباشر لهذه (المقتلة) هو سعي الإسرائيليين إلى تحطيم القدرة
على المقاومة في الصف الفلسطيني وإلحاق الهزيمة النفسية بالشعب الفلسطيني
ليقبلوا (التسوية المرحلية) التي يطرحها اليمين بقيادة شارون.
كذلك فإن العمليات الحربية المستمرة والمتتالية التي يقوم بها الجيش الصهيوني
ضد هذا الشعب المستضعف تؤكد أن (إسرائيل) تريد وقف الانتفاضة بأي ثمن بعد أن
كلفتها الكثير أمنياً واقتصادياً.
- ظهرت بعض الآراء التي تزعم (الواقعية والبراجماتية)
التي تطالب بمقاومة مدنية.. ما تقويمكم لها؟
• إن المقاومة الفلسطينية كانت أبرز الأسباب التي أدت إلى بروز أصوات أكاديمية
إسرائيلية تحذر من استمرار العنف الصهيوني على اعتبار أن هذا سيعود بالدمار على
(إسرائيل) مؤكدين على الأسباب التي أدت إلى انهيار جميع الممالك اليهودية
القديمة.
وحذر آخرون من أن العنف الصهيوني قد يولد عنفاً آخر داخل التجمع الصهيوني ذاته،
فالذين يقتلون الفلسطينيين يمكنهم أن يستعملوا السلاح ضد أنفسهم.
- بوصفكم خبيراً في الدراسات الصهيونية هل توافقون أن
المقاومة تولد العنف الصهيوني؟
• لقد أشرت إلى أهداف العنف غير المسبوق ضد الشعب الفلسطيني، والتي تتعلق
بالسعي إلى هزيمته نفسياً، والمقاومة حق طبيعي لشعب يسعى إلى تقرير مصيره، وهي
نتيجة للعنف الصهيوني وليست سبباً له على الإطلاق.
- وكيف نفسر تعالي الأصوات بوقف المقاومة؟
• هذا أمر طبيعي يرجع إلى العمل الدعائي المنظم للإسرائيليين، والذين استغلوا
الصورة السلبية للعرب والمسلمين في الذهنية الغربية، والتي يروج لها الإعلام
الغربي ليكرسوا مقولة: إن المقاومة الفلسطينية (إرهاب) لا يستهدف (إسرائيل) فقط
وإنما الحضارة الغربية!
- هل تتفق مع الرؤية القائلة بأن الخطاب الإعلامي العربي
لم يساند المقاومة الفلسطينية في مواجهة الدعاية الصهيونية؟
• نعم بدليل صدور هذه الأصوات (البراجماتية)، صحيح أنه لدينا فضائيات جديدة
توضح الصورة، ولكننا ما زلنا نحتاج لتنفيذ الاستراتيجيات الإعلامية (الحبيسة
الأدراج) والهادفة إلى فك الارتباط بين المقاومة والإرهاب.
- السؤال الأخير يتعلق بالأدوار الغائبة.. ما هي برأيك
أهم الأدوار اللازمة لمساندة المقاومة الفلسطينية؟
• لدينا دراسات عن الداخل الإسرائيلي ينبغي أن يستفيد منها السياسيون
والإعلاميون، لكن للأسف الأكاديميين في واد والسياسيين والإعلاميين في واد.. إن
الشارع الإسرائيلي والمثقف الإسرائيلي يستشعر الخطر، والسؤال الآن هو: إلى متى
ستستمر (إسرائيل) رغم عتادها في خوف دائم، وتوجس من الفلسطينيين، وهذا الهاجس
يسيطر عليهم؛ لأنهم متأكدون من أن دولتهم قامت بوسائل دموية وما بني على عنف
ينتهي بالعنف.
وعلى المستوى الإعلامي توجد حاجة لتبني استراتيجية إعلامية تفسر للرأي العام
الغربي، لماذا يقوم الفلسطينيون والفلسطينيات بالعمليات الاستشهادية، وهذه
اللحظة مناسبة تمامًا بعد استطلاع الرأي الأوروبي الذي أكدت نتائجه أن نسبة
كبيرة من الأوروبيين يعتبرون أن (إسرائيل) والولايات المتحدة أكبر مَن يهدد
الأمن العالمي.
- فيما يخص الفصائل الفلسطينية.. ما هو دورها في هذه
المرحلة؟
• نحن في موقف صعب والأمل هو أن نستغل خسائر الأمريكيين والإسرائيليين في
العراق وفلسطين لنؤكد أن أي قوة عسكرية مهما بلغت قدرتها على البطش يستطيع
الطرف الضعيف أن يقاومها.
إن (إسرائيل) متألمة جداً من الانتفاضة وتريد وقفها بأي شكل، والمطلوب حوار
فلسطيني داخلي، وحوار فلسطيني عربي، والاتفاق على التحركات المطلوبة في الفترة
المقبلة، إن التحدي الأكبر هو أن نتفق بدلاً من التنازع والرغبة في إملاء الرؤى
والتجارب تؤكد أن أي حركة جهاد لا تنجح إلا بتوحيد صفوفها.