|
((الانتفاضة تمثّل واحدة من أهم الأحداث التي أثّرت على مصير الدولة)) المفكر
الصهيوني رؤفين فيدهستور.
معروف أن أحد أهم ركائر الأيديولوجية التي ظل يتشبث بها اليمين الصهيوني منذ
قيام الدولة العبرية وحتى اندلاع الانتفاضة الحالية هو رفض الانسحاب من أي شبر
من الضفة الغربية وقطاع غزة تحت أي مبرر. وظل اليمين خاصة أكبر أحزابه الليكود
يعتبر مجرد التخلي عن أي جزء من الأراضي المحتلة خيانة للحركة الصهيونية. وحتى
بعد عامين من تفجر الانتفاضة كان رئيس الليكود ورئيس الحكومة الحالية أرييل
شارون يسخر من الذين يدعونه إلى تفكيك المستوطنات. وتبجح في حينه بعبارته
المشهورة، حيث قال ((إن مصير نيتساريم (مستوطنة نائية جنوب مدينة غزة) سيكون
مثل مصير تل أبيب))، وذلك للتأكيد على استحالة تفكيك أي مستوطنة حتى في قطاع
غزة.
لكن شارون وتحت وقع ضربات المقاومة لم يجد مبرراً سوى أن يبلع كل هذا التبجح،
وأصبح يقضي الليل والنهار في التنظير لفكرة ((فك الارتباط))، التي تقوم على
إخلاء مستوطنات قطاع غزة وجزء من المستوطنات في شمال الضفة الغربية. صحيح أن
شارون له أهداف خبيثة أيضاً من تنفيذ الخطة، لكن وكما يُجمع جميع المؤرخين في
الدولة العبرية أن مجرد قرار شارون بتنفيذ إخلاء للمستوطنات، وهو الذي يوصف
بأنه ((أبو المشروع الاستيطاني))، يدل على حجم مساهمة الانتفاضة في ثني قادة
الحركة الصهيونية عن مواصلة التشبث بمعتقداتهم وأفكارهم البالية العنصرية
القائمة على نفي الوجود الفلسطيني. وكما يقول إبراهام تيروش، الذي شغل منصب
سكرتير عام الحكومة الإسرائيلية في عهد مناحيم بيغن، إنه لولا ضربات المقاومة
الفلسطينية لما توصل شارون إلى قناعته بأهمية إخلاء مستوطنات قطاع غزة. ويعتبر
تيروش أن هذا يشكل مبرراً ودعوة للفلسطينيين لمواصلة نضالهم المشروع من أجل طرد
الاحتلال من كافة أراضيهم.
سقوط وإفلاس شعار ((دعوا الجيش ينتصر))
أدت انتفاضة الأقصى إلى دفن واحد من أكثر الشعارات التي تشرّبها الصهاينة
وبالذات أصحاب التوجهات اليمينية الذين يعتبرون أنه بالإمكان إخماد الانتفاضة
بالوسائل العسكرية. وقد مرد هؤلاء في غمار المناكفات السياسية داخل الحلبة
السياسية الإسرائيلية الداخلية على ترديد شعار ((دعوا الجيش ينتصر)). والذي أدى
إلى القضاء على صدقية هذا الشعار بشكل خاص هو إقرار قيادة أركان الجيش بأنها
عاجزة عن الحسم العسكري. فقد هاجم الجنرال أهارون زئيفي فركش، رئيس شعبة
الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ((أمان)) كل الذين يدعون إلى الاعتماد على
الحسم العسكري في مواجهة الانتفاضة. ووصف فركش في أكثر من مناسبة الانتفاضة
بأنها تشبه ((برميل البارود الذي لا قعر له)) في إقرار بالعجز عن إمكانية الحسم
العسكري. وحتى رئيس هيئة أركان الجيش موشيه بوغي يعلون أصبح لا يترك مناسبة إلا
ويؤكد فيها على استحالة الحسم العسكري، مع أن يعلون سبق له في الماضي عدة مرات
أن أعلن عن انتصار (إسرائيل) على الفلسطينيين في الانتفاضة، لكنه أصبح عرضة
للسخرية من الكتاب والصحافيين في الدولة العبرية.
انخفاض الهجرة اليهودية
تعتبر الدولة العبرية أن أحد أهم أهداف وجودها الاستراتيجية هو جلب أكبر عدد من
اليهود في العالم لـ(إسرائيل). أدت الانتفاضة إلى انخفاض عدد اليهود المهاجرين
للدولة العبرية لدرجة أصبح فيها عدد الذين يغادرون (إسرائيل) أكبر من عدد الذين
يهاجرون إليها كما تؤكد الوكالة اليهودية المسؤولة عن الهجرة. وحسب تقرير نشرته
صحيفة ((معاريف)) فإن معدلات ((الهجرة الروسية)) إلى (إسرائيل) تقلصت بفعل
الانتفاضة في الأعوام الخمسة الأخيرة بمقدار 75% ولم تزد عن 213 ألف مهاجر على
النحو التالي، مع ملاحظة أن الانخفاض في عدد اليهود الذين يهاجرون لـ(إسرائيل)
يتناسب طردياً مع عمر انتفاضة الأقصى:
عام 1999 هاجر 67 ألفاً، عام 2000 هاجر 52 ألفاً، عام 2001 هاجر 35.3 ألفاً،
عام 2002 هاجر 18.5 ألفاً، عام 2003 هاجر 12.5 ألفاً.
لكن ما يتضح أيضاً أن الانتفاضة لم تؤثر سلباً فقط على حركة الهجرة اليهودية
إلى (إسرائيل) بل إنها شجعت وبشكل كبير الهجرة العكسية من (إسرائيل) إلى العالم
الخارجي، وهذا يتضح بشكل واضح حتى من المعطيات الإسرائيلية الرسمية نفسها.
فمثلاً يستدل من تقرير صحفي نشرته صحيفة ((معاريف)) أن 650 ألف إسرائيلي لا
يعيشون حالياً في (إسرائيل). ويصف الكاتب والصحافي الإسرائيلي دان مرغليت هذه
المعطيات بأنها ((كارثة قومية)). وحسب تقرير إسرائيلي رسمي تبين أن ما يقرب من
خمسين ألفاً من المهاجرين الروس لم يتمكنوا بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية
التي أدت إليها انتفاضة الأقصى، من مواصلة الحياة في (إسرائيل) وعادوا أدراجهم
إلى بلادهم الأصلية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. ويشير التقرير إلى
أن نسبة الراغبين بالعودة إلى وطنهم الأصلي من بين المهاجرين الروس في تزايد
ملحوظ بسب ((خيبة الأمل)) من الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتردية في
(إسرائيل).
الانعكاسات على الواقع الاجتماعي
تشير الدكتورة سيغال أهارونشكي أستاذة العلوم الاجتماعية في جامعة تل أبيب إلى
أنه منذ تأسيس الدولة العبرية وحتى الآن لم يؤثر حدث في أنماط الحياة والسلوك
الاجتماعي للإسرائيليين مثلما أثرت انتفاضة الأقصى. وحسب معطيات دائرة العلاقات
العامة في شركة ((إيغد)) الرسمية للنقل العام؛ فقد أدى الخوف من العمليات
الاستشهادية إلى حدوث انخفاض بنسبة 43% على عدد الإسرائيليين الذين يستخدمون
عادة وسائل النقل العامة؛ حيث إنها كانت هدفاً مفضلاً لمنفذي العمليات
الاستشهادية، وفي البداية حدث ارتفاع في عدد المتجهين لاستخدام القطارات، لكن
بعد أن تم استهداف القطارات ومحطات السكك الحديدية من قِبَل المقاومين
الفلسطينيين حدث انخفاض على عدد الذين يستخدمون القطارات، وفي المقابل زادت
نسبة الذين يستخدمون سيارات الأجرة ((التاكسي))، وأولئك الذين يتجهون لأعمالهم
مشياً على الأقدام، ونظراً لاستهداف الفنادق والمطاعم بالعمليات الاستشهادية؛
فقد زادت نسبة الإسرائيليين الذين أصبحوا يقيمون حفلاتهم الخاصة في بيوتهم
بدلاً من إقامتها في الفنادق والمطاعم، وحسب معطيات اتحاد الفنادق في
(إسرائيل)؛ فقد طرأ انخفاض بنسبة 61% على عدد الإسرائيليين الذين يحتفون
بمناسباتهم الخاصة في الفنادق والمطاعم وصالات اللهو الكبيرة، وفي الفترة نفسها
طرأ انخفاض بنسبة 59% على عدد الشبان اليهود الذين يتجهون للمراقص الليلية في
أعقاب استهدافها من قِبَل الاستشهاديين.
وبسبب الخوف من العمليات الاستشهادية حدث انخفاض في عدد الإسرائيليين الذين
يتجهون إلى شبكات التسوق الكبيرة، وحسب معطيات اتحاد الغرف التجارية في الدولة
العبرية؛ فقد طرأ انخفاض بنسبة 35% على أرباح شبكات التسوق الكبيرة بسبب تقلص
عدد الإسرائيليين الذين يتجهون إليها مع العلم أن هذه الشبكات كانت أيضاً هدفاً
لعدد من العمليات الاستشهادية.
إلى ذلك أدت الانتفاضة إلى تقلص عدد الإسرائيليين الذين يقضون إجازاتهم في
المنتجعات السياحية في مدن وسط (إسرائيل) بنسبة 43%.
تعاظم ظاهرة رفض الخدمة
انشغلت (إسرائيل) على مدى العامين الماضيين بظاهرة رفض الخدمة العسكرية في
الأراضي المحتلة؛ حيث إن عدد الشبان الإسرائيليين الذين يرفضون الخدمة في الجيش
الإسرائيلي يصل إلى عدة آلاف من الشباب، وهؤلاء يرفضون الخدمة لأسباب تسمى
((ضميرية))؛ بمعنى أنهم لا يريدون أن يكونوا جزءاً من جيش احتلال يمارس القمع
ضد الشعب الفلسطيني، وإن كان مكتب الناطق بلسان جيش الاحتلال يدَّعي أن عدد
الرافضين للخدمة يصل في أحسن الأحوال إلى أربعمائة شاب فقط، لكن حركة ((السلام
الآن)) الإسرائيلية تؤكد أنه منذ اندلاع انتفاضة الأقصى بلغ عدد الجنود والضباط
الذين يرفضون الخدمة في الجيش لأسباب تسمى ((ضميرية)) أكثر من ألفي ضابط وجندي.
لكن هناك نسبة آخذة بالتعاظم داخل الأوساط الشبابية اليهودية ترفض الخدمة في
الجيش الإسرائيلي ليس لأسباب ضميرية؛ بل لأنهم يرون أن الخدمة العسكرية في
الأراضي المحتلة أثناء الانتفاضة مع كل ما يتضمنه ذلك من مخاطر؛ إنما يعكس
تكريساً للغبن والتمييز الذي تمارسه الدولة ضدهم؛ حيث إن هؤلاء الشباب يشيرون
إلى أن هناك عشرات الآلاف من الشباب اليهود المتدينين الذي ينتمون للأحزاب
الدينية الأرثوذوكسية اليهودية يتم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية ((بدون وجه
حق))، فقط لأن رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبين يُبدون حرصاً على ضم
الأحزاب الدينية إلى الائتلافات الحكومية التي يشكلونها، وهذه الأحزاب ترفض
تجنيد منتسبيها في الجيش. وفي خضم الانتفاضة تداعى الآلاف من ضباط وجنود
الاحتياط في الجيش الإسرائيلي إلى تشكيل جمعية تُدعى ((كفى استغلالاً))، وتدعو
إلى إعفائهم من الخدمة العسكرية في الوقت الذي لا يتم فيه تجنيد أتباع الأحزاب
الدينية الأرثذوكسية اليهودية. وقد أدت سيادة هذا المناخ إلى بروز جماعات ضغط
مجتمعية غير سياسية وحزبية تدعو إلى إعادة الجنود إلى داخل (إسرائيل)، مثل
جماعة ((نساء بالسواد))، التي عادت لتنشط بعد اندلاع انتفاضة الأقصى.
الجريمة والطلاق
حسب المعطيات المتوفرة لدى مكتب الناطق باسم الشرطة الإسرائيلية، فإنه منذ
اندلاع انتفاضة الأقصى طرأت زيادة مرتفعة في معدلات الجريمة والعنف داخل
المجتمع الإسرائيلي. وكما تدل هذه المعطيات؛ فإن حجم الجريمة ازداد بنسبة 15%
عما كانت عليه الأمور قبل اندلاع الانتفاضة، كما أنه زاد بنسبة 35% حتى منتصف
عام 2002 مقارنة مع الفترة نفسها في عام 1999، حسب معطيات مكتب الناطق باسم
الشرطة الإسرائيلية. إلى ذلك زادت معدلات الطلاق بنسبة 18% حتى منتصف عام 2002
عما كانت عليه حتى أواخر عام 2000.
بالنسبة لارتفاع معدلات الجريمة؛ فإن البروفيسور إيلان يادين أستاذ العلوم
الاجتماعية في جامعة تل أبيب، يؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين انتفاضة الأقصى
وبين زيادة معدلات العنف في المجتمع الإسرائيلي. ويضيف يادين في برنامج
((مباط)) الإخباري الذي بثّته القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي -بتاريخ
(19/5/2002)- أن الضباط والجنود الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي في الضفة
الغربية وقطاع غزة يميلون للعنف بشكل خاص؛ إذ إن هؤلاء يكونون دائماً مفوضين
لاستخدام قدر كبير من العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ الأمر
الذي يفقدهم الاستعداد لإبداء أي صبر تجاه أي موقف أسري أو اجتماعي يتطلب منهم
بعض الصبر. ويؤكد يادين أن الجندي الذي أدى الخدمة العسكرية في الضفة والقطاع
يكون بعد عودته إلى الحياة المدنية مستعداً للتشاجر مع أي شخص في المحيط الأسري
أو العائلة. ويرى أن هناك علاقة بين زيادة معدلات العنف الأسرى في الدولة
العبرية والخدمة العسكرية في ظل الانتفاضة، ويستند يادين إلى معطيات توفرت لديه
تؤكد أن أكثر من 50% من الرجال الذين تفتح ضدهم ملفات تحقيق بسبب الاعتداء على
زوجاتهم هم من الضباط والجنود الاحتياط الذين سبق لهم الخدمة في جيش الاحتلال
ضمن أنشطة مواجهة الانتفاضة. ويتوقع يادين أن تكون هناك آثار كارثية للخدمة
العسكرية للجنود في الضفة الغربية وقطاع غزة على المجتمع الصهيوني في حال تطلب
الأمر تواصل وجود الجنود في المناطق الفلسطينية؛ إذ إن ذلك سيكون كفيلاً بزيادة
معدلات الجريمة والعنف في الدولة العبرية إلى حد كبير. أما عن زيادة معدلات
الطلاق في المجتمع الإسرائيلي في الانتفاضة؛ فإن يادين يشير جازماً إلى أن 40%
من النساء اللواتي يرفعن قضايا طلاق في المحاكم هنَّ زوجات رجال كانوا ضباطاً
أو جنوداً احتياطيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
|