فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Oct2004
PDF نسخة
درب الانتفاضة
نحو فهم أعمق
قرن من المقاومة
أهم عمليات
محطات الانتفاضة
الأجنحة العسكرية
عائلات فلسطين
نساء الانتفاضة
المقاومة تضرب
الإرهاب الصهيوني
النشطاء الأجانب
حماية الانتفاضة
السلطة والانتفاضة
المجتمع الصهيوني
الاقتصاد الصهيوني
قادة العدو
العنف الصهيوني
مقابلة مع خبير
الجدار الفاصل
الشيخ رائد صلاح
رأي - منير شفيق
مقابلة سياسية
شهادات عربية
العرب والانتفاضة
أوروبا والانتفاضة
الثقافة والانتفاضة
خالد مشعل
لوحة فنية
لوحة فنية
لوحة فنية
لوحة فنية

 

في بداية العام الخامس لانتفاضة الأقصى:
سلطة الحكم الذاتي تتخبّط سياسياً وداخلياً


توقع الكثيرون أن تكون الكلمة ((التاريخية)) التي ألقاها رئيس سلطة الحكم الذاتي ياسر عرفات يوم الأربعاء 18/8/2004 أمام المجلس التشريعي بحضور دبلوماسيين وصحفيين كلمة مفصلية في مسيرة سلطة أوسلو ذات التاريخ السيئ ومحاولة عملية لإصلاحها وانتشالها من براثن الفساد والإفساد المستشري.
لكن الكلمة جاءت مخيبة للآمال، فقد كانت تكراراً لعبارات وجمل فارغة المعنى والمحتوى، رغم محاولات عرفات تلميعها وتجميلها بعبارات جديدة بعد محاولته الإقرار بوقوع أخطاء خلال سنوات أوسلو العجاف، وإن كان لم يحمّل نفسه ولا بقية جماعة أوسلو مسؤولية الأخطاء إذ قال إنها ((أخطاء لسنا مسؤولين عنها)) لأنها كانت نتاجاً طبيعياً للعدوان والاحتلال وبناء المؤسسات من الصفر بمعنى أنها أخطاء طبيعية بسيطة لا تحتاج حتى للتوقف عندها –على حد قوله-.
ورغم الأسلوب التجميلي الذي صيغت به الكلمة إلا أن عرفات أصر على التمسك بأخطاء وعثرات أوسلو بل وإعادة التأكيد عليه خصوصاً عبارات: الإصرار على العودة إلى مائدة المفاوضات رغم إقراره الحرفي أنها ((ماراثون لا نهاية له))، والتمسك المطلق برؤية الرئيس الأمريكي جورج بوش للشرق الأوسط – رغم أن هذه الرؤية تقوم في أساسها على رفض حق العودة والإقرار بالاستيطان كواقع ديمغرافي على الأرض وهو ما أيده الكونغرس الأمريكي بأغلبية ساحقة. وكذلك إعتبار المقاومة المشروعة ذريعة للاحتلال وشارون وأنها ((تقدّم السلاح السياسي والإعلامي)) لشارون وأنها ((ضد المصلحة العليا للشعب الفلسطيني)).
ولم تكن المواقف أفضل حالاً حينما تطرق الرئيس إلى ((موضوع الفساد))، فالحل المطروح من عرفات كان مطالبة المجلس التشريعي بإحالة المشاكل والملفات إلى المدعي العام مع أن هناك عشرات الملفات وقضايا الفساد والنهب والاختلاس والسرقة التي أحيلت لسنوات طويلة للمدعي العام، وكان يحوّلها دائماً إلى عرفات ليكون مصيرها أحد أدراجه حيث لم تتم محاكمة أحد؛ ولا حتى موظف صغير.
وموضوع الأمن لم يكن بأوفر حظاً، فكالعادة تم التأكيد على ((وحدانية السلطة)) وبأنها ((لن تسمح بالفلتان الأمني)) وستضرب بيد من حديد.. إلخ مع أن هذا الفلتان أتى من قبل حزب السلطة نفسه (حركة فتح) وبين أجنحته المتصارعة المختلفة والتي تتفق فقط على الولاء المطلق لعرفات.

إن عملية إجراء دراسة أو تقييم لأداء سلطة الحكم الذاتي مع دخول الانتفاضة عامها الخامس ارتكازاً على ما يصدر من قيادة سلطة الحكم الذاتي وليس آخرها خطاب عرفات المذكور تؤكد إصرار هذه القيادة على استنساخ أخطاء الماضي بصور أكثر خطورة، ولنأخذ بعض المشاهد لتلك المواقف مما حصل خلال العام الأخير لانتفاضة الأقصى المباركة:
1- كان تأكيد عرفات على ((جاهزية السلطة لاستلام قطاع غزة)) ضمن تنسيق وضمن خارطة الطريق ذروة استنساخ الأخطاء والوقوع بذات المطبات من قبل القيادة الفلسطينية، إذ لا يعقل ولم يحصل أن تطالب فيها قيادةُ شعب تحت الاحتلال المحتلَّ بالتروي في إنسحابه.
والأمر الأخطر هو الإصرار على تجزئة حق العودة والتركيز على لاجئين دون غيرهم لحل مشكلتهم، مع أن حق العودة غير قابل للتفاوض أو التجزئة أو التلاعب، وهو ما تصر القيادة الفلسطينية على عكسه.
2- بالنسبة لموضوع الإصلاح يقول الواقع إن أي برنامج واضح ومحدد للإصلاح، يستدعي درجة شفافية عالية لواضعيه، وللمشرفين عليه، ولمنفذيه. وهذه الشفافية مفتقدة تماماً في سلطة الحكم الذاتي وربما أن ذلك ما منع عرفات من تقديم أي برامج للإصلاح، وحيث لا يوجد واضعون لهذه البرامج، وإذا وجدوا فلا يوجد مشرفون لديهم الجرأة للإشراف عليه، وسبب ذلك هو تعدّد مصادر الأزمة السياسية في الساحة الفلسطينية، تلك الأزمة ذات الجذور التاريخية.
لذلك فمن السذاجة بمكان الاعتقاد بأن الأزمة الراهنة في هذه الساحة ترتبط بمجرد إصلاح النظام الفلسطيني السائد، لأن القوى التي أطلقتها هي أصلاً من أهل النظام ولها مصلحة في استمراره كونها تستمد شرعيتها ووجودها منه، فضلا أنها ذاتها تتحمل قسطاً من المسؤولية عن تدهور أحواله، وبالذات عن تفاقم الفساد بكل ألوانه وأشكاله.
ورغم محاولة البعض الإيحاء بأن فتيل الانفجار في الأزمة السياسية الراهنة تم نزعه بعد موافقة عرفات على إجراء تعديلات جدية على حكومة قريع (أبو العلاء) التي خلفت حكومة (أبو مازن)، وإعطائها صلاحيات جوهرية وفقاً لأحكام القانون الأساسي، إلاّ أن ذلك لم ولن ينهي الأزمة.. ولكن قد يؤجلها إلى حين لأن عواملها وجذورها ستفجرها لاحقاً بصورة أكبر، لأن الأزمة لم تكن أزمة حكومة وإنما أزمة نظام سياسي كامل، نظام لا يعمل فيه سوى مؤسسة واحدة تعمل بردود أفعال دون رؤية استراتيجية متكاملة، وباستخدام كافة السياسات والأوراق على تناقضها، بصورة أدت إلى خلط أوراق المشهد السياسي الفلسطيني، بحيث لم يعد معروفاً ماذا يريد الفلسطينيون بالضبط والى ماذا يسعون؟
وحتى الحكومة ((المستصلحة)) لم تحدث عليها تغييرات جوهرية لا سيما وأن رموز الفساد بقيت موجودة؛ الأمر الذي يضع علامات استفهام حقيقية حول نوايا الإصلاح بمفهومه الفلسطيني الذي يتضمن إدارة أفضل للصراع، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني.
3- تراجع أداء المؤسسات الفلسطينية خلال العام الماضي للانتفاضة‏‏: فبالنسبة لحال المجلس التشريعي، فهو غائب كالعادة، ويتصرف وكأنه طرف أو صاحب وجهة نظر، أو كأنه لا حول له ولا قوة. في حين المفترض فيه أن يتصرف كسلطة تشريعية واجبها الرقابة والمحاسبة، وإذا وجدت أن قراراتها لا تنفذ، والقوانين التي تصدر لا تجد طريقها إلى أرض الواقع، بمقدورها أن تحل نفسها عن طريق تقديم استقالة جماعية والدعوة لإجراء انتخابات بأسرع وقت ممكن وهو ما لم ولن يحدث.
لكن كل سلطة من السلطات داخل سلطة الحكم الذاتي بما فيها المجلس التشريعي تلقي بالمسؤولية على السلطة الأخرى.
أما بالنسبة لـ م.ت.ف فهي في حالة موت سريري منذ فترة طويلة، ولا يوجد لها دور فعلي على أرض الواقع. وحركة ((فتح)) من جانبها غارقة في أزمة لا تزال تداعياتها تتفاقم فالصراع بين أجنحتها يتعمق ووصل الى مرحلة العلانية.
ويقول بعض المراقبين إن هذه الحركة هي أشبه بالحزب الحاكم للسلطة، فهي تتصرف وكأنها غير معنية بما يجري، وباستثناء بعض البيانات والاجتماعات والاتصالات الهاتفية لم تفعل فتح كغيرها من أحزاب السلطة ما ينقذ الوضع الذي هو في الأساس صراع على السلطة بين فريقين في حركة ((فتح)) لهما امتداداتهما في الفصائل الأخرى وداخل المجتمع. صراع جذره وهدفه سياسي.
وقبل طرح خطة شارون للفصل أحادي الجانب، كان الصراع يدور حول كيفية التعامل مع خارطة الطريق. الفريق الأول كان يرى ضرورة تنفيذ الاستحقاقات الواردة في خارطة الطريق، خصوصاً الأمنية منها، حتى دون أن يتم ذلك بصورة متبادلة، مع الالتزام الصهيوني بالاستحقاقات الواردة على ذلك الكيان.
أما الفريق الثاني فكان يرى ضرورة تنفيذ الاستحقاقات الواردة على الطرفين بصورة متبادلة، كما تنص الخارطة. كما يرى هذا الفريق بأن تنفيذ هذه الاستحقاقات يجب أن يرتبط بمكاسب سياسية تمس الشعب الفلسطيني وحقوقه، ووقف الحصار والعدوان العسكري ضده، ووقف الزحف الاستيطاني، وإطلاق سراح المعتقلين ووقف بناء الجدار وهدمه، أو على الأقل تمسّ فكّ الحصار والأسر عن الرئيس ياسر عرفات، وتمكينه من حرية الحركة، والانسحاب من المناطق التي احتلتها (إسرائيل) بعد الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر العام 2000.
وتفجرت الأزمة بعد تعمق الخلاف بين الفريقين على خلفية الموقف من خطة شارون. فالفريق الأول يرى بضرورة الاستعداد للتعاون من أجل تطبيق هذه الخطة التي توفر فرصة تاريخية يجب اغتنامها، وذلك عن طريق تطبيق الالتزامات الفلسطينية في خارطة الطريق فوراً ودون رهنها بخارطة الطريق، وإنما بخطة شارون وما يقتضيه ذلك من إعادة تشكيل السلطة في غزة، بحيث تكون سلطة جديدة تتمتع بوحدانية السلطة والقرار وتكون مؤهلة للتعاون في تطبيق خطة شارون. ويتصرف هذا الفريق على أساس أنه بالمقدور المشاركة في تطبيق الخطة بعد أن عجز عن المشاركة بوضعها، وذلك أفضل من أن تطبق بدون الفلسطينيين.
والفريق الثاني يرفض تشكيل سلطة جديدة في غزة خشية حدوث فصل واقعي ما بين سلطة غزة والسلطة، ويربط الاستعداد للتعاون من أجل تطبيق هذه الخطة بتوفير عدة شروط، أهمها جعل خطة شارون جزءاً من خارطة الطريق، عن طريق وضع جداول انسحاب من الضفة والاتفاق على استئناف المفاوضات حول الوضع النهائي، وفتح ممر آمن ودائم ما بين الضفة وغزة، ووقف العدوان العسكري الإسرائيلي والاغتيالات والاقتحامات، وفك الحصار عن الشعب الفلسطيني ومدنه وقراه، وفك الحصار عن الرئيس، ووقف الاستيطان والجدار.
4- إن عنوان الأزمة الفلسطينية الداخلية خلال الأشهر الأخيرة أصبح الصراع على المناصب داخل سلطة عرفات وليس لانتزاع السلطة من عرفات، ومحاولة لرسم صورة لميزان قوى جديد في هيكل السلطة، وفي ظل هذا الأطار شهد مكتب عرفات في مبنى المقاطعة في رام الله تحركاً محموماً للمّ شمل فرقاء الأمس حسبما بدا وأصبح أعداء الأمس أصدقاء الغد، وهذا الواقع يقول بأن الأزمة الداخلية هي أزمة افتعلها الجميع لإعادة هيكلة السلطة الفلسطينية من جديد لمواجهة مرحلة حساسة تعيشها القضية الفلسطينية ضمن غلبة واضحة لفئة دون الأخرى وإعادة تشكيل ميزان قوى داخلي لا يستثني أحداً، ووضع الجميع في دوائر الاختبار وفي النهاية البقاء ثم البقاء للأقوى وليس للأفضل في كل الأحوال، ومن يخرج ذا نفوذ وسلطة حقيقية حامل القضية برمتها في كل المحافل والمكتوب يتضح من عنوانه.
فالحديث في مكتب عرفات لم يعد يدور عن خيانة أو انقلاب، وهو في المفهوم الأمني ((تحت السيطرة)) فالكل تحت نظر عرفات، والجميع يتصارع لانتزاع الصلاحيات التي يمنحها لهم عرفات.
وهذا الواقع يقول بأن معالم المرحلة القادمة بكل ضبابيتها ستفرز تعزيز دور عرفات ومحمود عباس رئيساً للجنة الحوار الداخلي والمشرف على حوار الفصائل في مصر ودحلان وزير شؤون الأمن.
وفي هذا الإطار تبدو مشكلة الفلسطينيين في غاية الصعوبة والتعقيد هذه المرة، إذ أن الحديث عن القيادة البديلة لم يعد مطروحاً من خارج المنظمة، فالمطروح حالياً هو محاولة تغيير النظام الفلسطيني من داخله، أي من داخل المنظمة والسلطة، ومن داخل حركة فتح ذاتها، ربما بهدف المجيء بقيادة تلائم المواصفات والإملاءات الأمريكية والصهيونية.
وقد لعبت الدولة العبرية بدأب كبير على وتيرة التناقضات الداخلية للفلسطينيين، مستغلة مصاعبهم ومعاناتهم والخلل المؤسسي في نظامهم وعدم قدرتهم على التوصل إلى توافقات مناسبة، بشأن رسالتهم السياسية ووسائل كفاحهم وهي أمور سهّلت كثيراً على المداخلات الصهيونية والأمريكية.
ومن هنا تتجلى خطورة المأزق الحالي لأنه يملك أو يمكن أن يملك أرضية موضوعية تساعد كثيراً على تفاقمه. وذلك يتحقق بصورة جلية إن قام شارون فعلاً بإقرار ومن ثم تطبيق خطته للفصل أحادي الجانب من غزة.
إن التحديات الراهنة تفترض من مجمل القوى الفلسطينية، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، توحيد جهودها ومواقفها لتفويت هذه الاستهدافات وإفشالها، في تحقيق أقصى قدر ممكن من التوافق السياسي والميداني، من دون أن يلغي ذلك أهمية العمل على تطوير النظام السياسي الفلسطيني، من داخله وبحسب أولوياته وحاجاته، وإلا فإن هذا النظام سينهار من تلقاء نفسه وستبقى الساحة مفتوحة على مصراعيها لأهواء شارون.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003