|
كلمات متقاطعة
تكتبها جهاد الرجبي
تلك الحجارة الصامتة التي لا تملك إلا أن
تثير الغبار حول الأقدام التي تدوسها ليست ميتة! هي مع الصبح تتنفّس! فأنصت إن
كنت تملك سمعاً لحرقتها، وتحسس إن كنت تملك قلباً جمر جراحها إذ بلهيب الصبر
تتنفّس!
قد تسحق حجراً هشّاً بحذائك، ليصير بفتاته غباراً يسكن وجهك! وقد يتفجّر بالماء
حيّاً من أعلنت بصمته موته، ليعلن بحشرجة الصوت موتك!
يتململ في فراشه من أرهقه السبات، ورائحة الدم تزكم أنفه لا ينفعه الفرار إلى
الغياب، فراشه يتقطّر دماً! ما عاد ممكناً النوم على الحواف، فالأطراف لم تعد
جافة، والأشلاء المتراكمة فوقه أثقلت اللحاف!
أمتنا تئن! في عتمة حجرتها الحجرية.. تتلوّى بعريها على الأرض العارية، لا كساء
يخفيها عن أعين المرايا التي تطلّ من جدرانها، ويفجعها أن تستر الموتى الأكفان
ولا شيء يسترها!
إرادتها المكبّلة تغري جلادها بمزيد من السياط، فتقاوم الألم بالصمت! لها يد
غير أنها تخفيها! كي لا تخيف جلادها فيفرط بالجلد ويدميها! لها قدم غير أنها
تخبّئها ليوم الفرار! تنتظر وتنتظر وتنتظر.. لتكتشف بأنها لا تتقن غير
الانتظار..
الدم أصدق أنفاساً من حبر من يكتب في الظل! والفجر أصدق من ريشة ترسمه وسط نعاس
الألوان! وحده يملك أن يصف الحرّية، ووحده يملك أن يختار لها ثمناً وهوية.. ذلك
الذي يغني لسنابل الشمس من خلف القضبان!
يقرأ الفقراء! يبكي الفقراء! ووحدهم بين فكّي الصمت يصرخون.. يستجدون خيلا
لمعركة أمضوا العمر يتخيّلون غبارها، ومن عروق الشجر يصنعون سيوفاً يسألون الله
أن تلمع!
جلودهم أستار ترابهم، والعظم منهم أعمدة بيوتهم التي ما انفكّت تقاوم
الانهيار.. وحدهم الفقراء بأخشابهم وخشونة النبض يقاتلون.. يسيل دمهم وتسيل
كلماتهم.. تغادرهم مرغمة الحياة غير أنهم لا يموتون!
غضب لأن أحداً اتهمه بأنه يبيع عظم أمه! وعندما زار قبرها آخر مرة أحس برائحة
الحناء التي كانت تطل من شعرها حين تطوّقه بذراعيها تطل من كل القبور!
غادر المقبرة ولم تغادره الرائحة!
وجلاً مشى، والقلب لا يقوى على صدّ طيفها وقد تعلّق بحبال الذاكرة.. الرائحة
تنمو من حوله، وتكاد تسكنه، يدخل الدار ويغلّق الأبواب والنوافذ، يتنفّس
بارتياح وقد تراجعت الرائحة، ثم يجلس على الأريكة ليستريح فتهاجمه الرائحة من
جديد، يبحث في الغرفة، في الأدراج، على الطاولة، وفي أصص النبات قرب النافذة،
ثم يصرخ! ويتحجّر في فمه الكلام .. فرائحة أمه تطل من تراب الزهر قرب النافذة،
تقترب منه كلما اقترب!
فرّ من البيت إلى الشارع.. تراب في كل مكان! ومن كل مكان تطلّ الرائحة!
وسط الخوف وتسارع اللهاث عرف بأنه يبيع عظم أمه!
لا تقلق إن اشتدّ الحصار! فعدوّك مثلك يتمنى لو أن السماء تمطر بالنصر ليتعافى
من جراحه ويستريح! عدوّك مثلك ثقيلة في ميزان عمره الثواني وينتظر منك أن تهبه
زمنه باستسلامك!
لا تخف! إن تمادى عدوك بحصارك، فهو يلعب بورقته الأخيرة، وصبرك أولى أوراقك!
لديك أرض وسماء، لك يد عروقها كعروق أشجارك، لك حجارة دارك المهدّمة ولك تراب
أزهارك، ولك دعاء أمرأة تبكيك ولا تعرفك، وتعرف بأنك درع عرضها ما دمت صامداً..
في حصارك!
|