فلسطين ومعرض فرانكفورت.. بين
الغياب والتغييب
لم يكن منتظراً ولا كان مطلوباً أن
تتحوّل المشاركة العربية كضيف شرف على المعرض الدولي للكتاب في فرانكفورت 2004
إلى ساحة ثقافية وفكرية لعرض قضيّة فلسطين على وجه التخصيص، ولكن هل كان من
الضروري تغييبها بصورة ملحوظة؟..
من أسباب التغييب
توجد عوامل عديدة قد تصلح لتفسير ((عدم التركيز)) على القضيّة تفسيراً واقعياً،
ولكن لا تكفي لتفسير التغييب، وليس المقصود هنا ((عدد الكتب)) ذات العلاقة
بالقضية، فقد كان يوجد منها نسبة لا بأس بها باللغة العربية، إنّما المقصود
التغييب على مستوى التواصل مع ((الغربيّين)) عبر المعرض، وهو الغاية من
المشاركة العربية المتميّزة. من هذه العوامل:
1- المشاركة نفسها جاءت وليدة الصورة المشوّهة التي تُنشر في الغرب عن العرب
والمسلمين على صعيد ((الإرهاب)) بصورة خاصّة، وكان أحد الأهداف المطلوبة
التركيز على بيان التصوّرات العربيّة حول ذلك عبر بوابة الثقافة والكتاب، وقد
أوجد هذا المنطلق صيغة ((دفاعية)) لا تُعتبر كافية أو مناسبة لتحقيق الغرض،
وكان من نتائجها السلبيّة تجنّب الطرح الموضوعي المباشر للقضايا والمواضيع التي
تُعتبر محور الحملة المتمثّلة في نشر الصورة المشوّهة خشية الاحتكاك، بينما كان
زائر المعرض الغربي يفتقد هذا ((الاحتكاك)) بالذات فهو ما يسمح بالحوار حول
وجهات نظر متباينة، وقد انعكس ذلك في كثير من التعليقات الإعلامية التي تنتقد
محاولة ((طرح صورة سلمية جميلة)) غير صحيحة!
2- على الصعيد الموضوعي لا يعتبر ((الكتاب السياسي)) هو محور الثقل في معرض
فرانكفورت عادة، ولكن لا يعني ذلك تجنّب عرضه، وكذلك عقد الندوات الفكرية
المرتبطة بالجانب السياسي لا الأدبية أو الثقافية العامّة فقط، وكان هذا
مفتقداً في الفعاليات التي رافقت المعرض، لا سيّما وأنّ النسبة الأعظم منها
كانت فعاليات فنّية، وصحيح أنّ الفن جزء من الثقافة بالمفهوم الغربي للكلمة،
ولكنّه ((جزء)) فقط، وكان طغيانه على الجوانب الأخرى موضع النقد بصورة مباشرة
من جانب جهات ألمانية عديدة.
3- على صعيد الواقع كان القصور الكبير على امتداد عشرات السنين الماضية في عرض
قضية فلسطين عرضاً منهجياً هادفاً وفق المنظور الفلسطيني والعربي والإسلامي في
نطاق الغرب، عقبة واقعية في وجه عرض القضية بصورة فعّالة وناجحة خلال الأيام
الخمسة للمعرض، فالتعويض عن القصور يتطلّب جهوداً متواصلة على مدار الأعوام،
وليس في المناسبات فقط.
يضاف إلى هذه العوامل أنّ إدارة المعرض طالبت الطرف العربيّ أثناء الإعداد
للمعرض بتجنّب عروض تسبّب ((مشكلة قانونيّة))، وأكّدت بصورة خاصة على ((قانون
العقوبات)) الألمانيّ الذي يحظر الكلام أو النشر لنصوص تشكّك من قريب أو بعيد
بمذابح النازية لليهود على وجه التخصيص. ولكنّ الحذر العربيّ الشديد الملحوظ
على مستوى الجهة المنظّمة وعلى مستوى دور النشر العارضة، يبيّن أنّ فهم التحذير
الألماني قد تجاوز المقصود منه إلى حدّ كبير، فعرض القضيّة بصورة منهجية لا
يمسّ هذا الحظر بالضرورة، وقانون العقوبات الألماني الساري المفعول على المعرض
وإدارته، لا يمنع مثلاً التطّرق إلى الجانب الإنساني للقضيّة، وهو الجانب الذي
يُعتبر مفتقداً في وسائل الإعلام والفكر والأدب والفنّ في الغرب إلى حدّ كبير،
وكانت ساحة فرانكفورت التي شهدت عرض عشرات الأفلام والمسرحيّات والقراءات
الأدبية والندوات وغير ذلك، ساحة ((طبيعية)) بل فرصة مقصودة من جانب إدارة
المعرض، ليقدّم الطرف العربي ما يستطيع تقديمه للتعريف بأوضاع الإنسان العربي
والمسلم وأفكاره وأحاسيسه ومشكلاته، ويسري هذا على الإنسان الفلسطيني بطبيعة
الحال، كما يسري على تفاعل سواه من العرب والمسلمين معه.. وهذا بالذات ما بقي
غائباً أو بقي في حدود القليل غير المؤثّر في معرض فرانكفورت.
حملة صهيونية
على الصعيد الثقافي لا يكاد يعرف القارئ الألماني أحداً من كتّاب فلسطين أو
الكتّاب العرب عن فلسطين، باستثناء غسان كنفاني قديماً، وإلياس خوري وسحر خليفة
حالياً، وقد تُرجمت بعض كتاباتهم إلى الألمانية وإن بقي ذلك لا يمثل سوى نسبة
محدودة من أصل 150 كتاباً تُرجمت خلال الفترة الماضية، منذ نشطت حركة الترجمة
بتأثير منح نجيب محفوظ جائزة نوبل للأدب عام 1988. وجميع ما تُرجم أقلّ من
القليل بالمقارنة مع 80 ألف عنوان جديد من الكتب يُطبع سنوياً في ألمانيا،
ويمكن تبعاً لذلك تصوّر حجم الجزء المرتبط بفلسطين في هذا الإطار، وقد رافقَ
معرضَ عام 2004 نشرُ ترجمة رواية جديدة بعنوان ((باب الشمس)) لإلياس خوري،
يتناول فيها أوضاع المشردّين الفلسطينيّين على ضوء أحداث النكبة الأولى عام
1948.
على أنّ الحذر العربيّ الشديد لم يكن كافياً للأوساط اليهودية والصهيونيّة، ففي
اليوم الثاني من المعرض أرسل مركز ((فيزنتال)) الصهيوني إلى إدارته رسالة
احتجاج حادّ تضمّنت عناوين عشرة كتب عربيّة في المعرض، صنّفها المركز تحت عنوان
((العداء للسامية))، وطالب الإدارة بسحبها وبطرد دور النشر التي عرضتها.
والطريف أنّ أحد هذه الكتب كان للكاتب الإسرائيلي ((إسرائيل شاحاك)) وعنوانه
((خطايا اليهود واليهودية)). وقامت النيابة العامّة بواجبها التقليدي وأجرت
تحقيقاً لتعلن في اليوم التالي مباشرة أنّها لم تجد أي مستند يستدعي منها اتخاذ
إجراء ما.
ولكنّ الحملة لم تنقطع، وهو ما عبّر عنه مستنكراً المعلّق الألماني ((دانييل
باكس)) في مقال له يوم 18/10/2004 في جريدة ((تاجس تسايتونج)) الألمانية، وكان
يردّ بمقاله على مقال آخر نُشر في الجريدة نفسها بقلم ((يان فيدرسن)) يشنّ فيه
حملة شديدة على إدارة المعرض، ويعتبر المشاركة العربية حافلة بالعداء للسامية،
ويشمل بهجومه الناشر والصحفي المصري ((محمد السلماوي)) الذي ألقى كلمة نجيب
محفوظ بالنيابة في حفل الافتتاح، بدعوى استشهاده قبل سنوات بأقوال كتّاب
غربيّين يشكّكون في المذابح النازية!.. وليس مقاله إلاّ مثالاً على عدد كبير من
المقالات الأخرى الصادرة عن الجهات نفسها، التي تعمل على ما يبدو على ((حصر))
الحديث عن المشاركة العربية عموماً، في نطاق الهجوم والدفاع من زاوية واحدة هي
((العداء للسامية))، بعد أن ظهر لتلك الأوساط ((خطر)) أن تفتح المشاركة آفاقاً
جديدة للتواصل المباشر مع جهات فلسطينية وعربية وإسلامية.
والواقع أنّ المشاركة العربية أدّت جزئياً على الأقلّ الغرض المطلوب منها، أو
بتعبير أصحّ فتحت الأبواب لاحتمال أداء المطلوب في المستقبل، والمطلوب هو ذلك
((التواصل المباشر)) بين الساحتين الثقافيتين العربية والغربية، فنقص المعلومات
وزيف كثير منها في الصورة المنشورة غربياً عن العرب والمسلمين، يعود في الدرجة
الأولى إلى أنّ قنوات الاتصال بين الساحتين بقيت لأسباب عديدة حكراً على جهات
محدودة العدد، وصلت بتوجّهاتها في إطار التغريب إلى مستويات تفوق ما يمارسه
الغربيّون أنفسهم، وكان ذلك موضع الترحيب في الغرب فترة طويلة، وقد لا يبقى
كذلك في الفترة المقبلة، فتوجيه الدعوة إلى المشاركة عن طريق جامعة الدول
العربية يشير على الأقل إلى وجود شعور بضرورة تجاوز الاحتكار الثقافي عبر تلك
القنوات، وهو ما أغضب على الأرجح عدداً من المستفيدين من ذلك من بين الكتّاب
العرب في المنفى، فكانت حملتهم على المنظمين والمشاركين من داخل البلدان
العربية شديدة إلى درجة تلفت النظر، ولم يسلم ما يرتبط بقضيّة فلسطين من
أقلامهم، وكان أشدّ ما قيل على هذا الصعيد ما نُسب إلى كاتب وناشر عراقي مقيم
في كولونيا بألمانيا يدعى خالد المعالي، وصف الكتّاب العرب القادمين إلى
فرنكفورت بالشعوذة، وعلّل هجومه على سبيل المثال بقوله: ((إنّهم معادون
للسامية، معادون للديمقراطية، لا توجد لهم مواقف ضدّ الانتحاريين، ولا القبور
الجماعية، ولا الأصوليّة، ولا حماس، ولا طالبان)).