|
الغلاف4 |
|
عملية ((أيام الندم)) في وجهات نظر
صهيونية:
خيبة وندم وفشل في تحقيق الأهداف
إبراهيم السعيد
يبدي قادة جيش الاحتلال اهتماماً كبيراً في اختيار الأسماء التي يطلقونها على
حملات القمع التي يجردونها على الشعب الفلسطيني، على أمل أن يخلق هذا الاسم
قدراً من الردع حتى قبل أن تنتهي هذه الحملات. واختيار ((أيام الندم)) لإطلاقه
على حملة القمع التي شنّها جيش الاحتلال على شمال قطاع غزة يأتي لتحقيق هذا
الهدف. لكن المؤشرات تدلّ على أن قيادة جيش الاحتلال نفسها هي التي باتت تشعر
بقدر كبير من الندم على شن الحملة. إذ إن سير العمليات خلال الحملة لم يدل على
الفشل في تحقيق أهدافها التي صيغت بدقة متناهية فحسب، بل إن هذه الحملة عملت
على تآكل عامل الردع لدى جيش الاحتلال بوتيرة أكبر مما كانت عليه قبل الحملة.
وحتى ندرك حقيقة هذا الأمر، فإنه يتوجب الإشارة في البداية إلى الأهداف التي
دفعت شارون وقيادة الجيش على تجريد هذه الحملة.
أهداف الحملة
1- أعلنت قيادة جيش الاحتلال أن الهدف من شنّ حملة ((أيام الندم)) هو العمل على
وقف إطلاق صواريخ ((القسام)) على منطقة ((النقب الغربي))، جنوب غرب فلسطين
المحتلة عام 48، وبالذات مدينة ((سديروت))، التي تلقت نصيب الأسد من صواريخ
((القسام)). وقد جاءت العملية بعد أن قُتل اثنان من سكان المدينة وجُرح عشرون
آخرون في قصف بصواريخ ((القسام)).
2- القضاء على قدرات حركات المقاومة الفلسطينية وتقليص إمكانياتها العسكرية،
ونقل ساحة المواجهة إلى داخل قطاع غزة. المنطق العسكري الإسرائيلي يقول إن توغل
قوات الاحتلال في داخل مناطق قطاع غزة يستفز عناصر حركات المقاومة المختلفة
ويدفعهم للخروج من تحصيناتهم، الأمر الذي يسهّل من إمكانية المسّ بهم بوسائل لم
يحتط لها المقاومون بشكل كافٍ، وبالذات طائرات الاستطلاع بدون طيار الذي تأكد
خلال الحملة أنها تُستخدم على نطاق واسع في تنفيذ عمليات الاغتيال.
3- اعتبرت حملة ((أيام الندم)) خطوة ضرورية قبل تطبيق خطة ((فك الارتباط)) على
اعتبار أنها تأتي لمراكمة عامل الردع في مواجهة حركات المقاومة، وذلك لخلق
انطباع مفاده أن تنفيذ خطة ((فك الارتباط)) لا يأتي بفعل ضربات حركات المقاومة
بقدر ما يأتي انسجاماً مع بوصلة المصالح الإسرائيلية الصرفة.
4- لم تحاول قيادة جيش الاحتلال وكذلك المستوى السياسي في الدولة العبرية أن
تخفي أهدافها بالمسّ بحركة حماس في هذه الحملة على وجه الخصوص على اعتبار أنها
هي التي تقود عمليات المقاومة، كما لا ينفك يؤكد ذلك الجنرال شلومو زكاي قائد
قوات جيش الاحتلال في قطاع غزة. لكن زكاي وزملاءه باتوا يعون أنه على الرغم من
أن العملية أسفرت عن استشهاد أكثر من أربعين من عناصر ((كتائب عز الدين
القسام))، الجناح العسكري للحركة، إلا أن ذلك لا يعني على كل الأحوال تراجع
دوافع الحركة عن مواصلة عمليات المقاومة التي تنفذها ((كتائب القسام))، بل على
العكس تماماً. لا تهدف (إسرائيل) إلى إضعاف حركة حماس لمجرد إضعاف الجهد
المقاوم فقط، بل أيضاً من أجل إفساح المجال أمام قيادات تسير وفق البوصلة
الإسرائيلية كما عبّر عن ذلك صراحة مدير دائرة التخطيط السياسي في وزارة الدفاع
الجنرال عاموس جلعاد أكثر من مرة. ويقول بن كاسبيت المعلق من صحيفة ((معاريف))
نقلاً عن أحد قادة جيش الاحتلال الكبار في القطاع قوله عن حماس ((إنها تنظيم
صعب جداً. هذا صحيح؛ فرغم الضربات الصعبة التي وُجهت لقيادة حماس إلا أن
فعاليتها تتواصل بكل قوتها. غياب القيادة الهيكلية الواضحة تمخض داخل حماس عن
رد فعل ممزوج. في الجيش الإسرائيلي يقولون إن حماس تحولت إلى جهة أكثر خطراً)).
5- مثّلت حملة ((أيام الندم))، وما ترافق معها من عمليات قتل ومجازر بشعة
مناسبة لشارون لاسترضاء اليمين المتطرف ومغازلته أملاً في منعه من كسر أصول
اللعبة السياسية الداخلية وإسقاط حكومته. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يعتبر
شارون أن توسع جيش الاحتلال في عمليات القتل يقلص من حجم مظاهر العداء لشارون
داخل مجتمع المستوطنين.
ظروف مثالية
لا يختلف اثنان داخل النخب الإعلامية في (إسرائيل) أن أحد أهم الأسباب التي
أغرت شارون على شن حملة ((أيام الندم))، ومع كل ما اشتملت عليه من مجازر هو
الوضع الدولي الملائم لذلك. وللأسف الشديد فإن الرهان الإسرائيلي على الظروف
الدولية المؤاتية كان في محله.
وإن كان العالم قد قابل المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال في حملة ((أيام
الندم)) بصمت مريب، فإن البعض في العالم العربي لم يصمت فحسب، بل ضُبط متلبساً
في تعاون أمني واستخباري لمصلحة الدولة العبرية في مؤشر هام على اتجاه بوصلة
بعض الأنظمة العربية التي تؤثر على الواقع الفلسطيني الداخلي. من ناحيتها تطوعت
الإدارة الأمريكية لصدّ أي نقد يمكن أن يوجه لجيش الاحتلال على جرائمه البشعة،
فكان استخدام الفيتو من قبل واشنطن على قرار يدعو إلى وقف الحملة الإسرائيلية
وليس إدانتها.
اليأس من وقف الصواريخ
حملة ((أيام الندم)) فشلت في تحقيق أهدافها بشكل واضح. فعلى صعيد إطلاق صواريخ
((القسام))، واصلت ((كتائب الشهيد عز الدين القسام))، الجناح العسكري لحركة
حماس إطلاق الصواريخ. وقد قال ألون بن دافيد المعلق العسكري لقناة التلفزيون
الإسرائيلية العاشرة إن المقاومين الفلسطينيين كانوا يقومون بإطلاق صواريخ
((القسام)) عندما كانوا يبعدون عدة أمتار عن دبابات جيش الاحتلال. ويدرك قادة
جيش الاحتلال حالياً أنه حتى عندما توقف المقاومة إطلاق الصواريخ فإنها تقدم
على ذلك بناء على اعتبارات خاصة بها وليس بفعل قوة الاحتلال.
في كل ما يتعلق بصواريخ ((القسام))، خفّضت (إسرائيل) من سقف توقعاتها من حملة
((أيام الندم)) بشكل واضح وجلي، وهناك انطباع سائد لدى دوائر صنع القرار في
الدولة العبرية أنه لا يوجد حل لهذه المشكلة، وأنه يتوجب البحث عن الحل في
مجالات أخرى. من هنا ركزت (إسرائيل) على وضع حلول تقنية، مثل تطوير جهاز إنذار
مبكر لإعطاء إنذار لسكان مدينة ((سديروت)) بعد عشرين ثانية من إطلاقه. وهناك
تفكير في (إسرائيل) بتطوير صاروخ مضاد لصاروخ ((القسام)). وقررت الأجهزة
الأمنية الإسرائيلية تخصيص عشرات الملايين من الدولارات من أجل تطوير صاروخ
مضاد للصواريخ لإسقاط صاروخ ((القسام)). وقد جاء هذا القرار في أعقاب تعاظم
مخاوف قادة جيش الاحتلال من إمكانية أن تنجح حماس في إطالة مدى الصاروخ لكي
يكون بإمكانه الوصول إلى مدن إسرائيلية كبيرة تقع في جنوب الدولة العبرية.
تدنّي الردع الإسرائيلي
حسب المفهوم الإسرائيلي، فإن قوة الردع لا تقاس بعدد المقاومين الفلسطينيين
الذين استشهدوا في عمليات جيش الاحتلال، بل تقاس قوة الردع بمدى تقليص الدافعية
لدى حركات المقاومة لشن مزيد من عمليات المقاومة. لكن هذا لم يتحقق، وليس هذا
فحسب، بل ازدادت دافعية حركات المقاومة الفلسطينية على شنّ مزيد من عمليات
المقاومة. وعلى الرغم من أن كثيراً من عمليات المقاومة تم إحباطها فإن الحرص
على تواصل هذه العمليات في ظل تصعيد قوات الاحتلال يدل على أن حملة ((أيام
الندم)) إن لم تخفض من عامل الردع الإسرائيلي، فإنها بكل تأكيد لم تزد وتيرته.
وأكدت صحيفة ((معاريف)) نقلاً عن قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال التي
تتولى الإشراف على حملة ((أيام الندم)) أن جيش الاحتلال فوجئ بالمستوى القتالي
الرفيع الذي أظهرته عناصر المقاومة في شمال قطاع غزة. وتضيف مصادر في جيش
الاحتلال أن نشطاء المقاومة الفلسطينية كانوا مدربين ومزودين جيداً واكتشفوا
مستوى قتالياً عالياً نسبياً وتصميماً كبيراً. وتعي قيادة جيش الاحتلال مرامي
المقاومة الفلسطينية من الصمود في المواجهة على هذا النحو. ويقول أحد المعلقين
الصهاينة إن الفلسطينيين يريدون من خلال خطة ((فك الارتباط)) ترسيخ صورة الهرب
الإسرائيلي من القطاع، وتعزيز مكانة حماس على رأس حركات المقاومة العام، وفرض
ميزان رعب حيال جيش الاحتلال لمرحلة ما بعد ((فك الارتباط)).
من هنا فإنه لا يمكن للجانب الإسرائيلي أن يزعم أنه استطاع إقناع الفلسطينيين
في قطاع غزة أن خطة ((فك الارتباط)) لا تمثل هزيمة إسرائيلية. وقد نقل بن
كاسبيت عن عدد من كبار قادة جيش الاحتلال قولهم أنهم باتوا يسلمون أن خطة ((فك
الارتباط)) ستنفذ بشكل يظهر فيه بشكل واضح أن الفلسطينيين حققوا انتصاراً في
المواجهة الحالية.
فشل (إسرائيل) في تحقيق أهدافها في الحملة جعلها مناسبة لقتل أكبر عدد ممكن من
الفلسطينيين، حيث إنه في هذه الحملة قتل جنود الاحتلال بدم بارد خمسة وثلاثين
طفلاً دون سن الرابعة عشرة من العمر. ويوضح المعلق عوفر شيلح، في صحيفة
((يديعوت أحرونوت)) حقيقة الحملة. يقول شيلح ((بالنسبة لشارون لا يوجد في
الجانب الفلسطيني من يمكن الحديث معه، لكن يوجد من يمكن قتله)). ويضيف ((مزيد
من المنازل المهدومة، مزيد من القتلى الفلسطينيين والأبرياء، مزيد من الخراب
الذي ليس فيه أي أثر وليس فيه أي رسالة -إذ ليس هناك من يمكن الحديث معه-
باستثناء الخراب والقتل)). ويشدد شيلح على أن جيش الاحتلال يقوم عبر عمليات
التقتيل الواسعة إلى إشباع رغبة الانتقام لدى المجتمع الصهيوني وكفى.
ويشدد على أن قادة الجيش يستعيضون عن ذلك بتوسيع عمليات القتل لأجل القتل لأنهم
يعرفون بأن الهدف المعلن للحملة، كما يريدها شارون غير قابل للتحقيق بالوسائل
القائمة.
وتقدمت قيادة الجيش بطلب مباشر وصريح من شارون لوقف الحملة على اعتبار أنها
تسفر عن نتائج عكسية. لكن شارون الذي يعتبر أن الظروف الدولية مؤاتية لمواصلة
العدوان مصرّ على مواصلة القمع. ولكن الجدل الصهيوني الداخلي حول حملة ((أيام
الندم)) لا يعني أن هذه الحملة ستكون الأخيرة التي تشنها قوات الاحتلال ضد سكان
القطاع قبل تنفيذ خطة ((فك الارتباط)). على العكس تماماً، فقيادة الجيش تعلن
بأن هناك العديد من المخططات لشن مزيد من الحملات الكبيرة على مناطق مختلفة من
القطاع. لكن من الأهمية بمكان أن يشار إلى ما قاله إيتان هابر مدير مكتب رئيس
الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين: ((إن الحقيقة التي يتوجب على دوائر صنع
القرار في الدولة العبرية إدراكها هي أنه لا يوجد مطلقاً حل عسكري للمقاومة
الفلسطينية. ويؤكد أنه حتى يتشرب القادة الإسرائيليين هذه القناعة فإن مزيداً
من خيبات الأمل ستكون نصيب الصهاينة)).
|
|
أوضاع الجنود الصهاينة في قطاع
غزّة
كما يرويها جندي من لواء جفعاتي |
تقول المقاومة الفلسطينية إن الجندي الصهيوني يعيش حالة من الرعب والخوف أثناء
المواجهة مع المقاومين، ويلجأ لتجاوز حالته النفسية هذه إلى استخدام أكبر مستوى
ممكن من الأسلحة النارية والصواريخ ووسائل التدمير وبالأخص ضدّ المدنيين.
كثر في العالم العربي لا يصدقون المقاومة وتغريهم الأخبار الرسمية الصادرة عن
جيش الاحتلال. لكن الوقائع تثبت عكس ذلك.
صحيفة ((معاريف)) الصهيونية نقلت بتاريخ 14/10/2004 حديثاً لجندي صهيوني من
كتيبة ((شكيد)) في لواء ((جفعاتي)) الذي يعتبر من ألوية النخبة في الجيش
الصهيوني.
كتيبة ((شكيد)) هذه تعاني من أزمة شديدة، فالمقاومون الفلسطينيون اقتحموا الشهر
الماضي موقعاً للكتيبة عند الفجر في مستوطنة ((موراغ)) في قطاع غزة، وقتلوا
وجرحوا عدداً من الجنود. ثم بعد ذلك تعرضت الكتيبة لنكسة ثانية لأن قائدها قتل
الطفلة إيمان الهمص. فيما يلي حالة الجنود الصهاينة في قطاع غزة بلسان أحدهم:
يوجد لدينا تآكل هائل، نحن نوجد على محور فيلادلفيا منذ ثمانية أشهر. وفي
السنتين الأخيرتين لم نغادر القطاع باستثناء تدريب لثلاثة أسابيع. كنّا في
إجازة واحدة فقط. لا يوجد شيء اسمه إجازة ((عادية)) عندنا. بالكاد يوجد لنا وقت
للتلفزيون. نحن نتواصل من سبت إلى سبت، وبصعوبة ننام وعندما ننام فإن هذا بشكل
عام يكون في المجنزرات وفي المواقع. في الموقع، يكفي أن تنظر إلى الفضاء وإذا
بك بمخرب من الأسفل. أن تنام لدقيقتين ويكون لك مخرب في الموقع. الأمر الوحيد
الذي يعمل لصالحنا هو أن المخربين لا يعرفون متى نكون يقظين.
يوجد هنا كل يوم حملات وأحداث. نحن قتلنا العدد الأكبر من المخربين منذ بداية
الانتفاضة، ولكن لا يتحدثون عن لواء جفعاتي إلا عندما يكون هناك قتلى أو
إخفاقات. الناس لا يعرفون ما يجري هنا، وأنا لا أتحدث فقط عن المواطنين. حصل
لنا أن خرجنا في دورات مع مقاتلين من ألوية أخرى وتبين لنا أنهم أيضاً لا
يفهمون ما يجري هنا. تحدثنا مع مقاتلين يخدمون منذ سنتين في ((الناحل)) ورووا
أنه لم يحصل أن أطلقوا النار ولو مرة واحدة في اليوم. في قطاعات أخرى يتعاملون
مع اعتقالات وخرق نظام، ونحن نتعامل مع عبوات وصواريخ مضادة للدروع. وعندما كان
ينشغل الجميع في وسائل الإعلام بقضية الطفلة (إيمان الهمص)، كنّا نحن نكتشف
عبوتين ونتصدى لصاروخين مضادين للدروع أصابا مجنزرة لنا. هذه المرة أيضاً، لم
يتحدث أحد عن ذلك. نحن أيضاً غاضبون ونحن أيضاً ثائرو الأعصاب. نحن نأكل كل
النار، والناس يركزون فقط على إخفاقاتنا. أسمع يوسي سريد يقول أمس في التلفزيون
إننا غير أخلاقيين، ولكنه لم يسبق أن زارنا هنا. لا أحد غيرنا يعرف ماذا يجري.
يتهمون قائد الكتيبة بما حصل ولكن يجب الفهم بأن التسلل إلى ((موراغ)) كان في
الضباب. ومن لم يرَ الضباب في غزة لم يرَ ضباباً في حياته. هذا أبيض أكثر من
الحليب. لا يمكنك أن تسير خطوة بدون أشياء تساعد في هذا الوضع. نحن نقاتل هنا
ضد الفلسطينيين، ضد السياسيين وضد جبابرة الطبيعة. وفي الوقت الذي نحاول فيه
الحفاظ على أنفسنا وعلى المواطنين، نحن لا نلقى التقدير لا من السياسيين ولا من
المستوطنين ولا من الجمهور. لم نعد نفهم ماذا نفعل هنا.
قائد السرية هو أحد الضباط الأفضل الذين لدينا. لا يستحق أن يطيّروه، ولا تستحق
السرية أن يطيّروه. هذا محبط جداً للسرية. معنوياتنا منخفضة بدون هذه الواسطة.
وإضافة إلى قائد السرية نحّوا أيضاً الجندي الذي حرس في تلك الليلة ولكنه ليس
مذنباً. ما تروه في البيت هو أن الجندي لم يحرس كما ينبغي، ولكنكم لا تفهمون
بأننا لا ننام ونوجد في حالة نشاط كل يوم. المخرب استغرق دقيقة وأربعين ثانية
كي يصل من مكانه إلى الموقع.
يكفي أن يحكّ الجندي رأسه أو ألا ينظر في الاتجاه بالضبط، ليكون المخرب صار في
الموقع. نحن نوجد في إحساس عسير جداً، أن نفقد قائد سرية اعتمدنا عليه مدى سبعة
أشهر والتكيف مع قائد سرية جديد. وفضلاً عن ذلك فإن هذا يعطي للكتيبة سمعة
سيئة، إن قائدي سريتين طارا. ولكن لا أحد يمكنه أن يفهم ما يجري هنا. لا توجد
كلمات تشرح التآكل ولا يمكن فهم ما يجري حقاً، إلى أن تدخلوا في هذا الضباب
داخل القطاع.
|
|
سكان ((سديروت)) يهدّدون بالفرار
الجماعي بسبب صواريخ ((القسام)) |
إبراهيم السعيد
تنتمي مدينة ((سديروت)) التي أقيمت في منطقة ((النقب الغربي))، من فلسطين
المحتلة في العام 48، إلى ما يعرف في (إسرائيل) بـ((مدن التطوير))، وهي المدن
التي أقيمت أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي بغية استيعاب
اليهود المهاجرين من البلدان العربية. وقد أقيمت هذه المدن بشكل خاص في أطراف
فلسطين المحتلة التي يتواجد فيها فلسطينيو العام 48، مثل الجليل والنقب، كخطوة
قُصد منها مواجهة الثقل الديمغرافي الفلسطيني في هذه المناطق. ((سديروت)) أقيمت
على أنقاض قرية ((بيت جيرجا)) الفلسطينية التي تم تشريد سكانها الفلسطينيين في
العام 48 وإجبارهم على التوجه إلى قطاع غزة أو إلى مصر والأردن، بعد أن تم قتل
عدد كبير منهم على أيدي عناصر العصابات الصهيونية.
حتى أواخر الثمانينيات كان جميع سكان المدينة من اليهود المهاجرين من الدول
العربية، لكن مع موجات الهجرة الروسية الكبيرة في مطلع التسعينيات من القرن
الماضي استوعبت هذه المدينة شأنها شأن جميع ((مدن التطوير)) معظم المهاجرين من
اليهود الروس. تعتبر ((سديروت)) أقرب المدن الصهيونية لقطاع غزة، حيث تبعد
مسافة سبعة كيلو مترات ونصف فقط عن القطاع.
((سديروت)) وصواريخ ((القسام))
منذ أن شرعت ((كتائب الشهيد عز الدين القسام))، الجناح العسكري لحركة حماس في
تطوير صواريخ ((القسام)) قبل أكثر من عامين، كان من الطبيعي أن يتم توجيهها إلى
التجمعات السكانية للمستوطنين اليهود داخل فلسطين المحتلة عام 48، فاستهدفت
((سديروت)) على اعتبار أنها أقرب المدن لقطاع غزة. وعلى الرغم من الصدى الواسع
الذي تركته هذه الصواريخ على اعتبار أنها تحدٍ للعوائق التي يضعها جيش الاحتلال
أمام المقاومة الفلسطينية، إلا أنها كانت في الغالب لا تصل إلى أحياء المدينة،
فضلاً عن أنها كانت بدائية مقارنة مع نسخة صواريخ ((القسام)) التي يتم
استخدامها حالياً. أهمية إطلاق صواريخ ((القسام)) كانت تتمثل في حقيقة أنها
تمثل رداً فلسطينياً يتجاوز العوائق التي يضعها الاحتلال أمام حركات المقاومة
وبالذات في قطاع غزة، حيث يحول الجدار المكون من الأسلاك الشائكة المزود بشبكات
إنذار مبكر دون نجاح عمليات التسلل عبره. لكن خلال العام الجاري حدث تطور هام
على صاروخ ((القسام)) حيث أصبح الصاروخ قادراً على المسّ بكل الأحياء في
((سديروت)). وقد أسفرت صواريخ ((القسام)) عن مقتل أربعة من مستوطنيها وإصابة
العشرات، فضلاً عن إصابة المئات بحالة من الهلع.
يهددون بالنزوح الجماعي
أصدر شارون تعليماته الصارمة لقادة جيشه بعمل كل ما في وسعهم من أجل وقف إطلاق
صواريخ ((القسام)) على المدينة وتجريد حملة ((أيام الندم)). شارون الذي يسكن في
مزرعته الخاصة على بعد عدة كيلومترات عن المدينة أصيب بحالة من الذعر عندما
شاهد بأمّ عينه حالة الفزع الشديد التي تعصف بالمستوطنين. الآلاف من مستوطني
المدينة أصبحوا يتنافسون على الظهور في البرامج التي تبثّها قنوات التلفزة
الإسرائيلية المختلفة ليؤكدوا أنهم بصدد القيام بعملية نزوح جماعي عن المدينة،
بعد أن تحولت مدينتهم إلى جحيم لا يطاق. ولكن مما لا خلاف حوله أن أكثر الخطوات
التي أثّرت في شارون كانت المظاهرة الكبيرة التي نظمها سكان المدينة أمام منزله
وداخل مزرعته، إذ طالب السكان الغاضبين شارون بأحد خيارين، فإما أن يوقف إطلاق
صواريخ ((القسام))، وإما أن يقوم باستيعابهم للسكن في مزرعته. شارون قال غاضباً
إن الأمور وصلت إلى درجة من التدهور يمكن معها أن ينزح سكان ((سديروت)) عنها في
الوقت الذي يتولى هو مقاليد الأمور في الدولة، وهو ما فتئ يدعي أنه نذر حياته
من أجل حماية اليهود.
وهناك عامل آخر سبّب إحراجاً لشارون بشكل خاص، وهو حقيقة كون الأغلبية الساحقة
من سكان المدينة هم من المصوتين التقليديين لحزب الليكود، مثلهم مثل جميع سكان
((مدن التطوير)).
رئيس بلدية ((سديروت)) الفاشي أيال مويال طالب قيادة جيش الاحتلال بأن تقوم
بمحو بلدة ((بيت حانون)) عن وجه الأرض من أجل وقف إطلاق صواريخ ((القسام)).
مويال الذي يشغل أيضاً مقعداً في اللجنة المركزية لحزب ((الليكود)) جنّد الكثير
من الوزراء والنواب في البرلمان من أجل الضغط على الجيش للرد بشكل كبير على
عمليات إطلاق صواريخ ((القسام)).
الذي أغاظ مويال ومعه جميع سكان مدينته هو حقيقة التقديرات التي قدّمها قادة
الجيش والذين يؤكدون في كل مناسبة أنه لا يوجد حل عسكري لمشكلة صواريخ
((القسام))، وأن الحل يكمن في الجانب السياسي. ليس هذا فحسب؛ بل إن جميع قنوات
التلفزة الإسرائيلية تنقل عن قادة الجيش أنه لا يساورهم أدنى شكّ في أن تطوير
مدى صاروخ ((القسام)) بالنسبة لهم هو حقيقة واقعة. والذي يقلق مويال وبقية زمرة
الفاشيين في دوائر صنع القرار في الدولة العبرية هو أن مستوطني ((سديروت))
شرعوا بالفعل في ترك المدينة التي أقيمت من أجل مواجهة الثقل الديمغرافي
لفلسطينيي النقب.
لمتابعة موضوع الغلاف
اضغط هنا
|
| |