زيارة إلى عائلة الشهيد المجاهد عزّ الدين الشيخ خليل
غزة/فلاح الصفدي واعتدال قنيطة
((هذا ولد ليس بالقليل، لا يخاف أبداً، خذوا هذا الولد من أمامي قبل أن يكبر
ويصبح له شأن عظيم)). لم يملك ضابط العدو الصهيوني الذي اقتحم هو وزمرته منزل
الحاج صبحي الشيخ خليل، في أحد أزقة حي الشجاعية بمدينة غزة، إلا أن يتفوّه
بهذه الكلمات بعدما رأى أن كل من في البيت من رجال ونساء وقد حشروا أنفسهم في
أحد أركان المنزل خوفاً من جنود الاحتلال، بينما وقف الطفل الصغير الذي لم
يتجاوز السادسة من عمره في وجههم يعرقل حركتهم ويزعجهم ويحول بحركاته الصغيرة
دون تدمير ما تبقى من المنزل، فما كان من الضابط الصهيوني إلا أن قال ما قال
وهو يمسك بالطفل ويطلب من والده أن يبعده من طريقهم.
فليس غريباً أن يكون هذا الطفل هو المجاهد عزّ الدين الشيخ خليل الذي خطّ أولى
الحروف في أبجدية الكفاح المسلح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، لتشع من بعده
سطور من نور تنير الدرب للمجاهدين.
الطفل الجريء
في أحد شوارع وأزقة حي الشجاعية شرق مدينة غزة وقريباً من الخط الشرقي والخطوط
الفاصلة مع دولة العدو الصهيوني، دخلنا في شارع ثم في زقاق آخر متفرع عنه، ولم
يحتج الأمر طويلاً لنتعرف على البيت، لقد بدا بيتاً بسيطاً شأنه شأن بيوت ذلك
الحي الذي أذاق المحتلين الويل، والذي كان له نصيب من اسمه.
وفي البيت كان في استقبالنا بعض أقارب الشهيد وأشقائه وبدأنا الحديث.. لنكشف
أسرار نشأة هذا البطل.
((كان جريئاً جداً))، بهذه الكلمات بدأ زميله في المراحل الدراسية الأولى وأحد
أقربائه (أبو مصعب) الحديث بلهفة عن البطل قائلاً ((لقد كان متفوقاً ومن أوائل
الطلبة، مؤدباً هادئاً، ولكن ذلك لا يمنعه من الجرأة في طلب الحق، لا يلين ولا
يقبل الهزيمة لنفسه مهما كلفه الأمر من مواصلة العمل والجهد)). ويتابع أبو مصعب
حديثه بفخر وهو يلقي نظرة على صورة الشهيد التي ضمها بين يديه وأضاف ((عندما
كنت ألعب معه ونحن صغار لعبة، فإذا حدث وغلبته فإنه كان يرفض هذه الهزيمة ويصرّ
على مواصلة اللعب حتى يغلبني، ومرّة استمر اللعب بيننا عشرة أدوار ولكنه استمر
في اللعب رغم الإرهاق الذي أصابنا من كثرة اللعب حتى غلبني)).
ورغم أن الجرأة قد تدفع صاحبها في بعض الأحيان إلى سوء الخلق والتطاول على
الغير وربما إلى قلة الأدب مع من هو أكبر منه، إلا أن شهيدنا الشيخ خليل زادته
جرأته وقاراً واحتراماً للآخرين وخاصة مدرسيه الذين كانوا يحبونه ويحترمهم، فقد
كان هادئاً بطبيعته وكان حسن التعامل مع مدرسيه لا يتشاجر مع أحد ولا يشاغب في
الفصل، يصاحب الأقوياء والجريئين والمتفوقين.
فتى يرهب صهيونياً
ولم يكد شهيدنا يبلغ الخامسة عشرة من عمره حتى التحق بسوق العمل في الإجازة
الصيفية ليخفف من أعباء أسرته الاقتصادية الصعبة، كحال العديد من الأسر
الفلسطينية لجأ إلى العمل مع إخوته في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 ولدى
صاحب عمل صهيوني، ولكن ذلك لم يمنعه من معاملة صاحب العمل على أنه محتل لأرضه
وعدو غاصب بل في كثير من الأحيان كان يتشاجر معهم ويضرب كل صهيوني يغتصب أجرة
عمله، خاصة أن العديد من أصحاب العمل الصهاينة يرفضون إعطاء العمال الفلسطينيين
أجرهم مستغلين قوتهم ونفوذهم. وهذا ما يؤكده شقيقه سلامة (أبو ضياء): ((عندما
كان عز الدين في الخامسة عشرة من عمره عملنا في الفستق لدى معلم صهيوني في داخل
الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، فحصلت مشكلة بيني وبين هذا المعلم وأخذ
يشتمني ويسبني وأراد أن يضربني مستغلاً قوته ونفوذه فحاولت أن أهرب منه وأتركه
حتى لا أُطرد من العمل أو أعرض نفسي للاعتقال، ولكني قبل أن أفعل فوجئت بعز
الدين يهجم على الصهيوني ويريد قتله بآلة حديدية كبيرة بيده، فما كان من
الصهيوني إلا أن هرب من أمام عز الدين مذعوراً، ويبدي تأسفه على ما فعله وزاد
أجرتنا)).
الصاع بصاعين
لم يكن هذا الموقف إلا جزءاً يسيراً من حلقات الصراع والدفاع عن الأرض التي
أدرك أهميتها. ويتابع شقيقه حديثه وقد علت الابتسامة وجهه كمن يتذكر مواقف
مضحكة وجريئة وقال ((عندما كان عز الدين في السابعة عشرة من عمره انطلقت معه
للعمل في الأراضي المحتلة عام 48 كعادتنا في الإجازة الصيفية، ولكن هذه المرة
كانت صاحبة العمل امرأة، فبعد أن انتهينا من العمل أخذ عز الدين ينظر إلى
جرارها الزراعي ليتعرف كيف يعمل وإذ بالمرأة الصهيونية بمجرد أن رأت عزّ الدين
أنزلته عن الجرار وصفعته على وجهه بقوة، فما كان من عزّ الدين إلا أن سارع
وتناول عصا وجدها أمامه وأخذ يضرب بها هذه المرأة، وأوشك أن يقضي عليها لولا أن
جاء ابنها لينقذها وكان مسلحاً، وأخذ يهدد أخي الأكبر أنه سيطلق النار على عز
الدين إن جاء للعمل مرة أخرى في هذه المنطقة، ولكن عز الدين رفض التهديد وذهب
معي إلى العمل بكل جرأة متحدياً هذا الصهيوني الذي ما استطاع هو وأمه أن يتفوّه
بشيء أمامه)).
الانطلاقة الدعوية
ومع دخول شهيدنا المرحلة الثانوية وانتقاله إلى الصف الأول الثانوي في مدرسة
فلسطين، وهي إحدى المدارس العريقة التي تخرج منها العديد من القادة والأبطال،
بدأت تظهر ميول شهيدنا الدينية، وبواسطة أحد أساتذته وبعض رفاقه في المدرسة خط
أولى خطواته نحو الالتزام والدعوة، وهذا ما يؤكده شقيقه أبو ضياء وهو ينظر إلى
صورة قديمة للشهيد وقد نمت لحيته وبدا عليه الوقار وأضاف ((كان التزام عز الدين
حديدياً، لم يكن يقبل المساومة أو التنازل حتى في أبسط الأمور، ويحرص على أن
يطبق كل ما عرفه من السنة النبوية، ورغم أن الدعوة في هذه المرحلة كانت في
المهد ولم يشتد عودها بعد، إلا أنه أظهر الالتزام وحرص على أن يجعل من بيتنا
أسرة ملتزمة)).
ولم يقتصر التزام الشهيد في الأمور الشكلية أو تلك التي توافق العادات
والتقاليد فحسب، بل حارب كذلك بعض العادات السيئة التي تخالف الشرع حتى لو أدى
ذلك إلى الوقوف في وجه كبار السن متحدياً الجميع. وحول هذا الموضوع يذكر حادثة
فيقول ((في هذه الفترة توفي والدنا، وكان من عادة الشعب الفلسطيني أن يقدم أهلُ
العزاء السجائر للمعزين، وأن يتم كذلك تقديم طعام الغداء في اليوم الثالث
للعزاء، وهذه بدع مخالفة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم أن العديد من
الشباب المتعلم يعرف ذلك إلا أنه لم يتمكن أحد في الحي الذي يسكن فيه عز الدين
من إبطال هذه العادة السيئة، إلا أن عز الدين منع تقديم السجائر وفي اليوم
الثالث رفض إعداد الغداء على أن يتم توزيع قيمته على المحتاجين كصدقة عن والده،
ورغم رفض جميع أفراد العائلة لهذا العرف إلا أنه أصرّ على موقفه وكان له ما
أراد، وبذلك أحيا سنة حسنة إذ بعدها بدأ العديد من العائلات يفعلون هذا
الأمر)).
مسجد للنساء
لم يتوقف تأثير الشهيد على عائلته بل امتد ليشمل جميع أفراد الحي الذي يسكن فيه
حتى النساء، فتقول شقيقته الصغرى ريم ((لقد كان يوقظنا جميعاً لصلاة الفجر
وقيام الليل، وكان يدفعنا إلى المسجد، حيث أسس ندوة أسبوعية لنساء الحي في مسجد
التوفيق القريب من المنزل وكان يقوم بنفسه باصطحاب أحد العلماء ليعطينا الدرس،
ويدفعنا إلى الحضور واصطحاب جميع أقاربنا معنا إلى هذه الندوة)).
وإن كان شهيدنا من البارعين في التعامل مع الشباب الملتزم إلا أنه كان أكثر
إجادة في التعامل مع المخالفين وغير الملتزمين بل والمعادين أحياناً، وهذا ما
أوضحه زميله أبو مصعب بقوله ((كان بجوار مسجدنا عائلة سيئة السمعة، تؤذي رواد
المسجد كثيراً، ولم يحاول أحد أن ينصح هذه الأسرة ليقي المصلين شرها، فما كان
من عز الدين إلا أن توجه لزيارة تلك العائلة بعد أن حمل معه بعض الكتب الدينية
التي تتحدث عن الآداب الإسلامية مثل ((خطر التبرج)) وغيره كهدية لهم، وبذلك مدّ
أول جسور المودة بين هذه العائلة والمسجد، وطلب من والدته وأخته أن تزور هذه
الأسرة لعل الله يصلح حالها، وفعلاً أثّرت هذه الزيارة كثيراً فيهم، وأصبح
بعضهم من رواد وشباب المسجد)).
اعتقال وإبعاد
((عشرة دقائق وسأعود فأنا لم أفعل شيئاً لاعتقل))، بهذه الكلمات طمأن شهيدنا
والدته العجوز ليهدئ من روعها عندما جاء جنود الاحتلال لاعتقاله للمرة الثانية
على التوالي، ومرت الدقائق العشر ومرت شهور وسنوات وتبعتها أكثر من 13 عاماً من
الاعتقال والإبعاد حتى الاستشهاد. يقول شقيقه أبو ضياء ((لم تكن هذه المرة
الأولى التي يعتقل فيها أخي، فقد اعتقل في الثمانينات على خلفية أحداث الجامعة
الإسلامية لمدة أربعة شهور، أما الاعتقال الإداري الأخير فقد أمضى الشهيد منه
شهرين ثم أبعد إلى جنوب لبنان مع المئات من قادة حماس في عام 91 وكان يومها
صغير السن مقارنة بغيره، حيث لم يكن قد تجاوز 29عاماً وبعد ثلاثة أشهر من
زواجه، وفور إبعاده توصلت المخابرات الصهيونية إلى اعترافات من بعض عناصر
((كتائب الشهيد عزّ الدين القسام)) تحت التعذيب تتهمه بقيادة الجهاز العسكري
وأنه من مؤسسيه)). وهو ما تفاجأ أهله به بعد إبعاده، وخاصة بعدما اقتحمت منزلهم
قوات كبيرة من جيش الاحتلال لتخبرهم أنه بإمكان عز الدين العودة إلى الوطن،
وأنه تم إبعاده بطريق الخطأ، وعندها علمنا أن في الأمر شيئاً)).
سجل العزّ والفخار
((من كان يعرف عز الدين يدرك أن جنود الاحتلال ستلاحقه ولو ذهب إلى آخر الدنيا،
فهو مصدر إزعاج دائم هنا وهناك في الخارج))، بهذه الكلمات بدأ أحد زملاء الشهيد
حديثه لنا بعد أن رفض ذكر اسمه، موضحاً أن الشهيد ((منذ أن التزم بالإسلام وضع
النشاط الجهادي نصب عينيه)). وأضاف ((لقد عمل الشهيد بعد تخرجه من الجامعة في
تجارة الكتب حتى يتمكن من التنقل بين مدن الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي
المحتلة عام 48، ومن خلال ذلك استطاع أن يشكل نواة للعمل العسكري في الضفة
الغربية)). وأشار زميله إلى مشاركته قبل ذلك في أنشطة منظمة الجهاد والدعوة
(مجد) برفقة المجاهد المعتقل روحي مشتهى.
يضيف: مع انطلاق الانتفاضة الأولى وبدء ظهور خلايا عسكرية لحماس في الضفة
الغربية باسم كتائب عبد الله عزام وفي غزة باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام
ولم تكن انتشرت إلا على شكل مجموعات بسيطة هنا وهناك، في هذه الفترة كُلف
الشهيد بقيادة كتائب القسام في غزة وذلك في عام 1990 ومن ثم العمل على توحيد
الجهاز في الضفة وغزة تحت اسم واحد.
ولم تقتصر فعاليات شهيدنا العسكرية عند هذا الحد حيث تعدتها إلى إعادة ترتيب
المجموعات العسكرية بشكل مختلف حير الأعداء كثيراً، وهو ما أوضحه أحد زملاء
الشهيد بقوله ((لقد عمل عزّ الدين على تشكيل الكتائب على شكل مجموعات مستقلة لا
تعرف بعضها، ويتم الربط بينها بواسطة شخص يسمى ضابط اتصال ويتعامل بطريقة لا
يتم التعرف من خلالها عليه أو على من يتعامل معه من المجموعتين، كما عمل عز
الدين على فصل مجموعات الصاعقة الإسلامية عن العمل العسكري لحماس)).
ومن الجدير بالذكر أن مجموعات الصاعقة شكلتها حماس كذراع لردع العملاء
والساقطين أخلاقياً ومحاربة بؤر الفساد.
شهادة في القدس
((كان دائماً يسألنا أن ندعو له بأن يستشهد في رحاب المسجد الأقصى))، بهذه
الكلمات تمتم شقيق الشهيد الذي لم يستطيع أن يمنع دمعة طالما حبسها في ثنايا
حديثنا معه، وتابع قائلاً ((بعد الإبعاد زاد شوقه لأمي التي حرم من تقبيل يديها
منذ أكثر من 13 عاماً، بل كان يحب أن يفعل المستحيل لكي تسافر عنده ليراها،
لكنها كانت ولازالت تعاني من المرض وكبر السن)).
وأضاف أبو ضياء وهو يقلب بين يديه رسالة أرسلها الشهيد لأهله قبل فترة ((لقد
كنا نشعر أنه سيستشهد رغم أنه في الخارج، وحيث لم تكن تخلو رسائله أو مكالماته
الهاتفية من طلب الدعاء له بالشهادة وأن ينالها في رحاب المسجد الأقصى المبارك،
كما أنه أوصى زوجه وبنتيه في آخر عمرة أداها معهم العام الماضي أن يدعوا له
أمام الكعبة وأثناء الطواف أن يرزقه الله الشهادة، كما أوصى إخوانه بتوزيع
الحلوى فور وصول نبأ استشهاده، أما أمه الحبيبة وشقيقته الصغرى ريم فقد أوصاهما
بارتداء فستان فرح أبيض لأن يوم استشهاده أكثر فرحة عنده من يوم زفافه)).