دلالات جريمة اغتيال المجاهد عزّ الدين خليل
صباح يوم الأحد 26/9/2004 هزّ انفجار عنيف حي الزاهرة في
دمشق، وتبيّن بعد لحظات أنه استهدف المجاهد عزّ الدين الشيخ خليل أحد كوادر
حماس والانتفاضة الفلسطينية والذي أبعدته سلطات الاحتلال الصهيوني عام 1991 إلى
مرج الزهور في جنوب لبنان لدوره في مقاومة الاحتلال.
الاغتيال لم يكن مفاجئاً.. فالتهديدات الصهيونية سبقت محاولة الاغتيال بأسابيع
كثيرة، خاصة بعد العملية المزدوجة التي نفذتها كتائب القسام في بئر السبع أوائل
شهر أيلول/سبتمبر الماضي. وقبيل الاغتيال بأيام تصاعدت التهديدات الإسرائيلية
ضد قيادات حماس في الخارج، ما دفع الحركة إلى اتخاذ إجراءات احتياطية.
لكن ما هي دلالات جريمة اغتيال المجاهد عزّ الدين
وأبعادها؟
أولاً: العملية تثبت أن العدو الصهيوني فشل في حربه في الداخل على
المقاومة وعجز عن القضاء عليها، كما توعد عبر أكثر من حملة عسكرية شاملة نفذها
طوال السنوات الأربع الماضية. لذلك بدأ يبحث عن أساليب جديدة مثل تصعيد الهجمات
على المدنيين الفلسطينيين في الداخل كما حصل أكثر من مرة، وفتح جبهات مواجهة
جديدة في الخارج، ليغطي على فشله في الداخل ويثبت في رسالة إعلامية سياسية
أمنية أنه ممسك بزمام الأمور وقادر على تغيير قواعد اللعبة.
ثانياً: إن جريمة الاغتيال اعتبرت رسالة إسرائيلية موجهة لقادة حماس في
الخارج، مفادها أن الحكومة الصهيونية مستمرة في مخطط القضاء على قيادة
المقاومة، وأنها لن تكتفي باغتيال القيادات في الداخل، وذلك تحت ذريعة ضرب
قواعد الحركة التي تغذي وتمول وتوجه العمليات في الداخل كما يدّعي الصهاينة.
ثالثاً: جريمة الاغتيال اعتبرت تصعيداً سياسياً وأمنياً ضد سوريا بسبب
مواقفها الوطنية الداعمة للشعبين الفلسطيني واللبناني وصمودها أمام الضغوط
الصهيونية والأمريكية. ولا شك أن العدو الصهيوني استغل فرصة التهديدات
الأمريكية ضد سوريا والتحركات الجارية في مجلس الأمن لدفع سوريا لسحب قواتها من
لبنان، وقد استبق الإسرائيليون جريمتهم في دمشق بجولة دبلوماسية قام بها وزير
الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم على عدة دول حاملاً رسالة تحريض ضد دمشق، في
مسعى إسرائيلي معروف لإضعاف أهم مواقع الصمود العربي في المرحلة الراهنة.
رابعاً: إن عملية اغتيال المجاهد خليل تعني قراراً إسرائيلياً بفتح جبهة
الخارج في المواجهة مع حماس. وإذا كانت الحركة أكدت في أكثر من مناسبة على أن
ساحة المواجهة مع الاحتلال هي داخل أراضي فلسطين المحتلة، فإن جريمة الاغتيال
هذه وما قد يعقبها من تطورات قد تدفع الحركة لإعادة النظر في موقفها هذا، خاصة
وأن هناك أصواتاً فلسطينية وعربية بدأت ترتفع وتطالب الحركة باستخدام وسائل
جديدة وسلاح للردع يدفع الإسرائيليين للتوقف أو للتفكير في تصعيد علميات اغتيال
قادة الحركة. وهناك من يعتقد أنه إذا لم توجه للإسرائيليين صفعة قوية فإن
الحكومة الصهيونية سوف تتمادى في مسلسل الاغتيالات.
خامساً: إن عملية اغتيال المجاهد الشيخ خليل ما كانت لتتم لولا وجود
تنسيق بين بعض الأجهزة الأمنية العربية المعادية لمبدأ مقاومة الاحتلال
والموساد الإسرائيلي. وكل القرائن تدل على أن نظاماً أمنياً عربياً معروفاً
بعلاقاته التاريخية مع الكيان الصهيوني هو الذي نقل معلومات عن قيادات حماس،
وهو الذي يرصد تحركات قادة الحركة وينسق مع الإسرائيليين لاغتيالهم.
سادساً: إن عملية الاغتيال تؤكد قوة حركة حماس في معادلة الصراع مع
العدو الصهيوني وحجم هذه الحركة في الساحة الإقليمية والعالمية، ومدى الرعب
الذي يعتري الاحتلال من النجاحات العسكرية والنجاح الشعبي للحركة. لذلك فإن
الحرب المفتوحة التي يشنها الاحتلال على حماس هي حرب سببها قوة حماس وصلابتها
في وجه الاحتواء والتطويع. والعدو يعلم أنه فشل أكثر من مرة في حربه مع حماس
وعملية اغتيال هنا أو هناك لا تزيد مشروع الحركة إلا إشراقاً وقوة.
سابعاً: عملية الاغتيال في دمشق ما كانت لتتم لولا حالة الضعف التي وصلت
إليها الدول العربية، فالعدوان على سوريا هو عدوان على الأمّة واستهداف دمشق هو
استهداف لكافة العواصم العربية، وتعكير الأمن في دمشق هو تعكير لأمن كافة
الشعوب العربية. لكن لا جدال في أن العدو استغل الفجوة السياسية في العالم
العربي لينقضّ على أهم العواصم العربية. فالدول العربية انصاعت للمطالب
الأمريكية وباتت رهينة لسياسة الولايات المتحدة، وبلغ الانهيار العربي ذروته
بعد احتلال بغداد، وهذا ما جعل العدو الصهيوني يتفرد في رسم علاقاته مع الدول
العربية، كل دولة من زاويتها الخاصة. مع التذكير بأن دمشق سعت إلى لملمة الصف
العربي وتماسكه وتخفيف الاندفاعة نحو المصالح الصهيونية الأمريكية.
وهذا ما يدفع إلى القول أن العواصم العربية اليوم مدعوة إلى التماسك والتبصّر
في المستقبل وتعزيز التعاون فيما بينها والالتفاف حول القواسم المشتركة،
وخصوصاً تجاه دعم المقاومة في فلسطين ومقاومة الشعب العراقي للاحتلال، ودعم
صمود بيروت ودمشق، في وقت يثبت الشعب الفلسطيني أنه صامد ومقاوم للاحتلال، وأنه
يستطيع بوسائل بدائية قهر أهم جيش في الشرق الأوسط.
عز الدّين الشيخ خليل: جهادٌ طويل
كلّلته الشهادة
ولد الشهيد عزّ الدين الشيخ خليل في العام 1962، في عائلة
متديّنة اصطفى منها الأخلاق الحميدة وصفات التضحية والثبات. كانت للشهيد علاقة
بالقائدين الأسيرين يحيى السنوار وروحي مشتهي في عمليات الرصد والمتابعة في
بداية الثمانينيات واعتقل على أثرها لعدة أشهر. ثم ما لبث أن أنهى دراسة أصول
الدين في الجامعة الإسلامية بغزة. التحق بإحدى الجامعات في باكستان، حيث حصل
هناك على درجة الماجستير في العلوم الدينية.
عند انطلاقة الانتفاضة عاد الشهيد عز الدين إلى قطاع غزة وقاد كتائب القسام
مستعيناً بخبرته التي حصل عليها، حيث ركّز على تطوير نوعية عناصر الكتائب
وتدريبهم.
شك الصهاينة في نشاطه عام 92 واعتقل ستة أشهر إدارياً في سجن النقب حتى أُبعد
إلى منطقة مرج الزهور جنوب لبنان عام 1992 مع 416 فلسطينياً من قادة حماس
والجهاد الإسلامي. وفور علم عز الدين بأنباء تفيد أن أحد معاونيه قد اعترف في
أقبية التحقيق الإسرائيلية عليه تحت التعذيب قرر عدم الرجوع إلى غزة ولجأ إلى
سوريا. ثم تنقّل الشيخ خليل بين عدد من العواصم العربية والإسلامية كاحتياط
أمني كان يقوم به، لكنه في الوقت نفسه لم يوقف نشاطه الدؤوب في خدمة فلسطين.
يقول أحد أقارب الشهيد الشيخ إن أجهزة الأمن الإسرائيلية تعتقد أن الشيخ خليل
كان مسؤولاً عن قيادة كتائب القسام بقطاع غزة، وعلى علاقة مباشرة بالشهيد عياش
الذي قالت (إسرائيل) إنه مسئول عن قتل ما يزيد عن 60 إسرائيلياً.
وكانت آخر صفحة في سجل الشيخ من أجل فلسطين أن اتهمته (إسرائيل) بالوقوف خلف
عملية بئر السبع الاستشهادية التي أسفرت عن مقتل 16 إسرائيلياً. كما تتهمه
السلطات الإسرائيلية بجمع الأموال لصالح حركة حماس، وقيامه بتدريب مجموعات من
كتائب القسام في سوريا.
كان يكثر من صيام الاثنين والخميس، دمثا أخلاقه العالية ويكثر الحركة والعمل.
وكان عنده الصبر والجلد والحلم وحسن المعاملة.
ويقول عنه أحد المجاهدين إنه كان متواضعاً جداً ولم يكن يتحدث عن نفسه.
ورغم ظروفه فقد كان يقوم بنشاطات دعوية دائماً من خلال اللقاءات التربوية
والدعوية. وكان يزداد اندفاعاً ونشاطاً كلما علم بأن الصهاينة يريدون رأسه
ويقول: نحن طلاب شهادة وسنظل نعمل حتى نلقى الله عز وجل.
فيه صلابة وشدة لذلك لم يكن يتراجع عن إيمانه بضرورة دعم إخوانه مهما اشتدت
الظروف وكان يسأل الله الشهادة ويقول لزوجه: ستذهبين إلى فلسطين وأتمنى أن
ألحقك إلى هناك لأنال الشهادة على تراب فلسطين.
أم محمد زوجة الشهيد عز الدين
الشيخ خليل:
كان يتوق للعودة إلى فلسطين
ودّعها على الباب ونزل إلى سيارته.. دقائق قليلة وسمعت دوي
انفجار هائل. لبست عباءتها ونزلت مسرعة على الدرج، لأنها أيقنت أن العبوة
تستهدف زوجها ورفيق دربها.
في هذه المقابلة نطلّ على الحياة العائلية للشهيد عزّ الدين خليل مع زوجته أم
محمد.
- كيف تعرفت على الشهيد أبو محمد؟ ومتى كان زواجكما؟
* تعرفت عليه عندما تقدم أهله لخطبتي، ثم سأل والدي عنه فوجده الشخص المناسب،
بما يتصف به من التدين والصفات الحميدة، وشعرت بالراحة النفسية قبل رؤيته وبعد
رؤيته وتم القبول مني ومنه، وكان الزواج أثناء الانتفاضة الأولى عام 1991 قبل
إبعاده إلى مرج الزهور بعام واحد.
- ما هي ثمرة هذا الزواج.. عدد الأولاد؟
* لدينا ولله الحمد ثلاثة أولاد: هبة (10 سنوات)، محمد (7 سنوات)، هديل (سنتان
ونصف).
- ما هي المفاهيم التي غرسها الشهيد في عائلته؟
* كان يغرس مفاهيم كثيرة ومنها تقوى الله والحرص على رضاه، التضحية والجهاد في
سبيل الله وحب الوطن والتعلق به، ودائماً يردد شعار ((الموت في سبيل الله أسمى
أمانينا)).
- كيف كان يتفاعل مع أحداث فلسطين؟
* كان يغضب ويثور لما يرى من تطورات الأحداث وما يعانيه أبناء شعبه من ظلم
وطغيان، وقد عاهد الله سبحانه وتعالى على الثأر لأبناء وطنه، وأحسبه قد أوفى
بعهده.
- هل كان يتحدث إليكم عن عمله الذي أحبه، وكيف كان يصف
الفلسطينيين في خارج فلسطين؟
* لا لم يكن يتحدث إلي عن طبيعة عمله، ولكن كنت أشعر أن عمله أحب إليه من أي
شيء بعد حب الله تعالى، وكنت أشعر براحته وسعادته في عمله.
كان يصف إخوانه الفلسطينيين في خارج فلسطين بأنهم ظُلموا وأُبعدوا عن وطنهم
وأحبائهم من الأهل والأقارب، ولا بد أن يعودوا إلى وطنهم وأراضيهم يوماً ما.
- كيف كانت حياته اليومية؟ وهل كانت حركته روتينية سهلة
المراقبة؟
* كان يبتدئ يومه بقراءة القرآن الكريم، ويخرج إلى عمله كالمعتاد وكان يحرص على
متابعة الأخبار، لم يكن يتهاون بالأمن الشخصي، وكان يأخذ بالأسباب مع يقينه بأن
الأجل واحد، وكان يردد قوله تعالى ((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ
الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)) وقوله تعالى ((لكل أجل
كتاب)).
- هل كان يتوقع اغتياله، وهل حضّركم نفسياً لمثل هذا
الحدث؟
* نعم، فكل من نذر حياته للجهاد في سبيل الله يتوقع اغتياله من العدو الصهيوني.
كان دائماً يتمنى الشهادة بصدق ويدعو الله أن يلقاه شهيداً، ويطلب مني ومن
الأولاد الدعاء له وكان ذلك قبل شهر من استشهاده، وكنّا في العمرة عند الكعبة
طلب مني الدعاء له بأن يلقى الله شهيداً وكان يهيئني نفسياً لتلقّي نبأ
استشهاده في يوم من الأيام، وكنت أتمنى وأدعو الله من كل قلبي في سجودي أن يلقى
الله ويجمعني به الله يوم القيامة في الفردوس الأعلى.
- كيف كانت علاقته الأسرية والاجتماعية؟
* كان نبع الحنان وبلسم الروح ورمز الوفاء ومهد العطاء ونهر الصفاء، كان الضحكة
الصافية والبسمة الشافية، كان أرق من النسيم وأوفى من الصديق الحميم، كان
حريصاً على القيام بواجباته اتجاه أي أخ له من الناس والمعارف.
- ما الذي كان يضحكه من الشأن العام؟ وما الذي أبكاه؟
* كان يضحك عندما يرى العمليات الاستشهادية وأثرها على العدو الصهيوني وكان
يردد قوله تعالى ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى))،
وبكى عندما استشهد الشيخ أحمد ياسين وتمنى أن يلقى الله شهيداً ويلحق به مع
النبيين والصديقين والشهداء.
- كيف كانت علاقته وذكرياته مع الشيخ ياسين؟
* كانت علاقته جيدة فهو تلميذ الشيخ أحمد ياسين، وكان يحبه كثيراً، وكانت
علاقته به علاقة الأب وابنه والأستاذ وتلميذه.
- ماذا كان آخر كلامه إليك قبل استشهاده؟
* كان ينوي العمرة في رمضان والاعتكاف في المسجد الحرام، وأنه سئم الغربة وتمنى
أن يعود إلى الوطن الحبيب والاستشهاد على ترابه.
- بماذا تختمين هذا اللقاء؟
* مهما نال منا العدو فنحن الفائزون بإذن الله، فشهداؤنا في الجنة، وقتلاهم في
النار، فإلى كل أم شهيد وزوجة شهيد، وابنة شهيد وأخت شهيد، أقول لكم: هنيئاً
لكم مقاعدكم في الجنة التي تنتظركم.
لمتابعة
موضوع الغلاف اضغط هنا