|
































| |
|
أحمد الابن الأصغر للدكتور عبد
العزيز الرنتيسي يروي قصّة آخر اللحظات |
غزة/ابتسام مصطفى
أحمد هو الابن الأصغر للدكتور الرنتيسي. يتحدث في هذا الحوار عن شخصية الرنتيسي
وآخر اللحظات.
- فتحت عينك على الدنيا وكان أبوك معتقلاً, كيف تصف لنا هذه الفترة من حياتك؟
• عندما كنت في الرابعة اعتقل والدي في بداية الانتفاضة الأولى لمدة ستة شهور،
وحين حان موعد الإفراج عنه ذهبت مع باقي أفراد العائلة لاستقباله أمام سجن غزة
المركزي كنت سعيداً جداً فقد اشتقت كثيراً لأبي, بعد قليل جاءت باصات المفرج
عنهم وبدءوا في النزول كنت أبحث في الوجوه عن وجه أبي فلم أره. نزل الجميع من
الباصات وعانقوا أحباءهم ورجعوا إلى بيوتهم وبقينا وحدنا. عدت مطأطئ الرأس أشعر
بالحزن ثم عرفنا أن والدي ركب الباص مع الذين أفرج عنهم وفي آخر لحظة جاء أحد
الضباط ونادى عليه: أن لك هدية من رابين ستة شهور أخرى فقال: الحمد لله وعاد
إلى غرفته في السجن وكتب يومها موجها الخطاب لي:
لمَ يا بنيّ أراك تبحث في الزحام
لمَ يا بنيّ أراك تأرق في المنام
وكلما جاء موعد خروجه جددوا له الحكم الإداري حتى أكمل عامين وكان عمري ستة
أعوام حين خرج أبي.
- غياب الأب في هذه الفترة له تأثير كبير على نفسية الطفل، كيف أثر غيابه على
نفسيتك؟
• كنت أشعر بالحزن عندما يطلب المدرس من التلاميذ أن يوقع آباؤهم على أوراق
معينة وأنا لا أجد أبي، أو أن يحكي طفل عن والده وما يشترى له من حاجيات أو في
الأعياد حين تجتمع الأسرة ونحن لوحدنا. ولكن ما كان يخفف حزني أن أبي رجل عظيم
يضحي بحياته من أجل مبادئه ولذلك كنت دائماً أفخر أنني ابنه. وكنت أترقب يوم
الزيارة بلهفة رغم أنني لم أكن أحب أن أراه خلف القضبان.
كان أبي حنوناً جداً يحبنا كثيرا،ً لا أذكر يوماً أنه ضربني لعمل ما كما يفعل
أي أب، وبعد أن أفرج عنه في عام 1996 كان يصطحبني معه حيثما ذهب. كان يحاول
دائماً تعويضنا عن فترة غيابه عنا, يشتري لي الكثير من الألعاب والملابس ليدخل
السرور إلى نفسي، كنت أنا وأختي أسماء فقط في المنزل فقد تزوجت أخواتي الثلاثة
في فترة غيابه.
وعندما اعتقل عام98 في سجون السلطة بقى هناك عامين تقريباً، وخرج عام 2000
لننتقل بعدها للسكن في مدينة غزة وكان عمري آنذاك 17 عاماً.
- وجودك وحدك مع والدتك وأخوتك حمّلك المسؤولية مبكراً، كيف واجهت ذلك؟
• تزوجت أخواتي حين كان والدي في السجن وسافر أخي محمد للدراسة في العراق،
بينما مكثت وحدي مع أمي وأصغر أخواتي أسماء، فرض علي ذلك مسؤولية أن أتولى أنا
قضاء احتياجات الأسرة، كنت أرعى أمي وأختي و أقوم بقضاء احتياجاتهم تساعدني في
ذلك أمي. كنت أحاول أن أملأ فراغ غياب والدي في نفوس أخواتي فكنت أقوم مع
والدتي بزيارات دائمة لهن حتى لا يشعرن بغياب الوالد. كانت تحدثني أمي عن والدي
كثيراً وصفاته وأخلاقه. أحاول دائماً أن أقتدي به في كل تصرفاته كنت معجباً
جداً به رغم أنني لم أقضِ معه فترة كبيرة من حياته، إلا أن الفترة القصيرة التي
قضيتها معه قبل اعتقاله في سجون السلطة استطعت خلالها معرفة الكثير عن جوانب
شخصيته إلى أن تم الإفراج عنه وانتقلنا للسكن في مدينة غزة.
- انتقلتم للسكن من خانيونس إلى مدينة غزة وعملت مرافقاً لوالدك؟
• انتقل أبي للسكن هناك حتى يسهل عليه التنقل فقد كان يعمل محاضراً في الجامعة
الإسلامية بغزة، بعد وجودنا هناك بقليل تم اعتقاله مرة أخرى عام 2001 وقضى فترة
صعبة في سجون السلطة، ثم خرج ليحاولوا بعد ذلك اعتقاله مرة أخرى ولكنه وقف بحزم
هذه المرة وقرر أن يلغي الاعتقال السياسي ونجح والحمد لله في ذلك.
كان يستيقظ يومياً في الثلث الأخير من الليل يصلي ويقرأ القرآن حتى آذان الفجر,
يصلي بنا أنا وأمي جماعة ثم ينام ساعة أو ساعتين ليخرج بعدها إلى الجامعة
ليزاول عمله المعتاد، ويلتقي بالشباب يناقش أمورهم ويحل مشاكلهم ويعود قرب
العصر ليتناول الغداء ويرتاح قليلاً، ثم يخرج ليعقد عدة ندوات في مساجد
المدينة، فقد كان يقضي معظم وقته في الدعوة. قبل محاولة اغتياله الأولى في هذه
الفترة كنت أرافقه بشكل دائم ليل نهار أرقب تصرفاته بإعجاب كان نموذجاً فريداً
في العطاء والحب وإنكار الذات.
- محاولة الاغتيال الأولى كانت نقطة تحول في سير حياة المجاهد الشهيد كيف تصف
لنا ذلك؟
• كنت المسؤول عن توصيل والدتي يومياً إلى مكان عملها، ثم آتي بفطور لأبي لنفطر
معاً ثم ينطلق إلى مكان عمله. في هذا اليوم بالذات تأخرت قليلاً فاتصل بي
يستحثني للعودة فقد كان ينوي زيارة أحد أصدقائه في المستشفى، عدت إلى البيت
وأفطرنا وحوالي الساعة الحادية عشرة ذهبت لأحضر السيارة التي أدخلها دائماً
للكراج كاحتياط أمني، كنا نغطي زجاج السيارة بنايلون خاص يعزل الرؤية ويصعد أبي
إلى السيارة هو ومرافقه في الكراج، فلا يعرف أحد أنه موجود في السيارة، ثم أخرج
أنا بطريقة عادية وأفتح باب الكراج وأخرج السيارة وننطلق في طريقنا، كانت هذه
إحدى وسائل الاحتياطات الأمنية التي كنا نتبعها، كنت كذلك لا أقف أبداً على أي
إ شارة مرور بل انطلق في طريقي حتى لا يتم رصدنا خرجنا من البيت وخرج معي مصطفى
صالح مرافق والدي (الذي استشهد فيما بعد) بدون سلاح وذلك للتمويه وركبنا
السيارة وانطلقنا في الطريق. استعمل والدي الجوال وربما هذا ما أكد وجوده في
السيارة وبعدها بقليل تم قصف السيارة، لم نسمع صوت طائرات بعد أن قطعنا المفترق
أصاب الصاروخ الأول مقدمة السيارة فأبطأت سرعتها ولكنها ظلت منطلقة بسرعة كبيرة
وملأ الدخان المكان فلم أر شيئاً، بعد الصاروخ الأول خرج المرافقون من السيارة،
بقيت أنا وأبي، بعدها أطلقوا الصاروخ الثاني فارتطم بالأرض كنا قد ابتعدنا
قليلاً عن المكان وحجبنا برج الشفاء عن مجال إطلاق الصواريخ، كانت هذه فرصة لنا
للخروج. خرج أبي وكان الباب المجاور لي مغلقاً ولذلك خرجت من الشباك، كنت قد
أصبت ولكني ما زلت أعي ما يدور حولي. هبّ أربعة شبان لإنقاذي علمت أنهم أصيبوا،
فيما بعد غبت عن الوعي وبقيت أربعة أيام في المستشفى في غيبوبة. كانت إصابتي في
القلب ونزفت كثيراً ولكن عناية الله وقدره أبقتني على قيد الحياة. بقي أبي في
المستشفى أربعة أيام كنت معه في نفس الغرفة. وعندما استيقظت وسألت عنه وقالوا
إنه حي لم أصدق ذلك، ظننت أنني الناجي الوحيد حتى اتصل بي أبي وطمأنني. وعرفت
بعد ذلك أن أول ما سأل عنه عند ما استيقظ ماذا فعل أحمد؟ كان طوال الوقت قلقاً
علي.
- قال أبوك إن ابني سيحزن عندما يستيقظ ويجد أنه لم ينل الشهادة, لماذا؟
• كنت وما زلت أتمنى الشهادة، كنت أرافق أبي لأنني أحبه وأخاف عليه لا أريد أن
أتركه وحده، تعلقت به كثيراً وكنت أتمنى دائماً أن أبقى بجواره. تعلمت منه ومن
مرافقيه كثيراً فقد سببوا تغييراً كبيراً في حياتي وتشكيل شخصيتي، فقد كان
قدوتي في كل شيء. كان كثير الابتسام يمازحنا ويضحك معنا كثيراً، كان يوصل ما
يريده من انتقاد عن طريق المزاح. فمما أذكره من مزاحه معنا ومراعاة عدم المس
بمشاعرنا أن أخي محمد كان عائداً من السفر فزارنا أحد الأقارب ولم يكن يعلم
برجوع محمد فسأل متى عاد محمد؟ فقال أبي بسرعة: قبل أن يضرب السيارة بيومين.
تغير برنامجه اليومي بعد محاولة الاغتيال فأصبح لا يخرج من البيت إلا نادراً
ومشياً على الأقدام، يتابع عمله في البيت ويقابل الصحافة هناك ومعظم وقته كان
يقضيه في العمل منذ الصباح حتى منتصف الليل، ورغم انشغاله الشديد في هذه الفترة
عن الجلوس معنا والتحدث إلينا، إلا أننا كنا نشعر بالفخر أن أبانا إنسان مجاهد
يقضي حياته دفاعاً عن شرف الأمة، وهذا فخر لنا فلم نكن نشعر بأي انزعاج من ذلك.
- كيف كان وقع خبر استشهاد الشيخ أحمد ياسين على نفسية والدك؟
• لم يكن أبي في البيت ساعة تلقى الخبر فمنذ قصف منزل الدكتور محمود الزهار
امتنع أبي عن المبيت في البيت، وكان قد طلب من جميع قيادات حماس عدم المبيت في
بيوتهم بعد قيام كتائب القسام بعملية، إلا انهم فوجئوا أن الزهار في البيت لم
يغادره وذلك بسبب ظروفه المرضية. فكان في تلك الفترة لا يأتي إلى البيت إلا
متخفيا يمكث يومين أو ثلاثة ثم يغادرنا ولا يستقبل أحداً في البيت إلا أفراد
العائلة، وعندما علم باستشهاد الشيخ لم يكن معنا، ولكني عندما رأيته بعد ذلك
شعرت بمدى الحزن والغضب في ملامحه. وكانت هذه الحادثة نقطة تحول في حياته فقد
قلّت زياراته بعدها. فبعدما كان يأتي يومين أو ثلاثة أصبح يأتينا ساعتين أو
ثلاثة ليطمئن على أحوالنا. وكان يقضي معظم وقته في عمله الجديد في قيادة حركة
حماس، كان العبء ثقيلاً فاستلزم منه قضاء وقتٍ طويلٍ في العمل. حدثني من كان
معه في ذلك الوقت أنه لم يكن ينام قبل صلاة الفجر كان يتابع عمله عن طريق رسائل
تأتيه فلا يستعمل وسائل الاتصال الحديثة من تلفون وجوال وغيره... ينام بعد
الفجر عدة ساعات ثم يقوم ليواصل عمله.
ذكر لي مرافقه أنه كان كثير البكاء في صلاته خاصة أثناء قيام الليل، وكان يطلب
الشهادة دائماً، وعندما سألته عن سبب بكائه قال اشتقت للأحبة الشيخ ياسين
والدكتور إبراهيم المقادمة والشيخ صلاح شحاده وغيرهم من القادة الذين ذهبوا،
ورغم أنه كان يتمنى الشهادة إلا أنه لم يتهاون يوماً في اتخاذ التدابير الأمنية
اللازمة. كان دائماً مهموماً وآثار التعب واضحة عليه، كان كل همه الحفاظ على
استراتيجية الحركة في هذا المنعطف الصعب الذي تمر به.
- كنتَ ممن شهدوا أحداث اليوم الأخير في حياة المجاهد عبد العزيز الرنتيسي.كيف
تصف لنا تفاصيل ذلك اليوم؟
• كنت أراقب تعابير وجهه في ذلك اليوم ما زالت منطبعة في ذهني حتى الآن، كان
وجهه يشع نورا،ً وكلما نظر إلي أنزل عيني فقد كنت أحترمه وأحبه كثيراً. كان
يهتم بنا برغم مشاغله الكثيرة وحين حان وقت العصر جهزت والدتي طعام الغداء ولم
يكن قد تناول معنا الغداء من مدة طويلة، وحين لاحظ تعدد أصناف الطعام سأل
مازحاً: لم كل هذا الطعام أجبناه احتفالاً بك. بعد العصر جاءت أختيّ إيناس
وأسماء وزوج أختي أسماء وجلسنا نتحدث، وكان طوال الوقت يداعب ابنة أختي أسماء
الرضيعة فكانت تضحك بصوت عالٍ فيسر كثيراً لذلك. ثم سألنا عن تطورات موضوع
زواجي فاخبرناه أننا سنتلقى اليوم الرد من أهل العروس، فقال لا بل الآن أخرجوا
لتعلموا الرد. وبالفعل خرجنا وعدنا لنخبره بموافقة أهل العروس فسر كثيراً. في
هذا الوقت اتصل بنا مرافقه أكرم نصار يخبرنا أنه مشتاق كثيراً لوالدي ويريد أن
يراه، فذهبنا إليه أنا وأخي محمد. فأصر على مرافقتنا لرؤية الوالد، وبالفعل جاء
إلى البيت وسلم عليه وجلس يحادثه، ثم خرج بعدها بعد أن اتفق مع والدي أن يلتقيا
في منطقة معينة مع سائق أبى الخاص ذهب أبى واستحم وتعطر وهيأ نفسه للخروج. كان
ينشد في سره أن تدخلني ربي الجنة ولكنه علا صوته بها وهو خارج من البيت بعد أن
سلّم على أهل البيت.
نزلنا إلى الكراج حيث كانت السيارة وكان أبي متخفياً في لباس عربي، وركب هو من
الكراج، ثم أخرجت أنا السيارة وانطلقت إلى شارع اللبابيدي حيث كانت تنتظره
السيارة في شارع مظلم يخلو من المارة بعد صلاة المغرب. تم هناك تبادل السيارتين
وسمعت أبي يدعو دعاء السفر ثم انطلقت السيارتان كل في اتجاه مختلف. بعد حوالي
دقيقة ونصف سمعت صوت انفجار مكتوم ولكني لم أسمع صوت طائرات، وللوهلة الأولى
عرفت أن المقصود أبي.
- بعد سماعك صوت الانفجار وتيقنك أن
المقصود أبوك, كيف كانت ردة فعلك؟
• في تلك اللحظة أحسست أن المقصود أبي وقفت في الشارع ونزلت من السيارة وأنا لا
أدري ماذا أفعل. ظللت أدور حول نفسي ولم أستطع اتخاذ قرار هل أذهب إليهم أم لا.
كنت في صراع نفسي هائل لم أقو أن أراهم أشلاء، كان بإمكاني أن أكون أول من يحضر
إليهم، إلا أنني لم أستطع الذهاب. بقيت واقفاً في الشارع، ثم ركبت السيارة
وذهبت إلى مكان الحادث ظللت أدور في المكان دون أن أذهب لأراهم. توافد الناس
عليهم وحاولوا إنقاذهم، تأكدت أنهم هم المصابون، فقفلت راجعاً إلى البيت بعد
عشر دقائق. وعند الباب اجتمع عليّ أهل الحي يسألونني فقد أذاعت الجزيرة خبر
إصابة أبي بجراح خطيرة. صعدت إلى المنزل بسرعة، وكنت أفكر كيف أنقل الخبر لأمي
وأخواتي وكنت أعد نفسي لتصبيرهم، وعندما دخلت البيت كان الجميع يبكي بينما ذهبت
أمي لتتوضأ وتصلي.
ودخلت غرفتي، أغلقت الباب على نفسي وهناك بكيت بشدة، فقد كنت أتمنى أن أكون
معهم.
الآن وقد فارقنا أبي وترك فراغاً كبيراً، إلا أنني أشعر بالفخر أن أبي دافع عن
شرف الأمّة، ووقف بقوة وحزم في وجه التحديات الكثيرة التي تعرض لها في حياته.
لم يتوان يوماً أو يضعف ويتخاذل. ضحّى بحياته من أجل دعوته، وهذا شرف كبير أن
أكون ابن هذا المجاهد الرائع.
|
|
|
|