|
فلسطين/صالح النعامي
أجمع قادة الدولة العبرية وجنرالاتها، فضلاً عن كبار المعلقين على أن الشهيد
الدكتور عبد العزيز الرنتيسي هو أحد أخطر القادة الفلسطينيين الذين تركوا بصمات
لا تُمحى في النضال ضد الاحتلال. وأكد هؤلاء على أن اغتيال الرنتيسي يمثل
إنجازاً كبيراً للدولة العبرية على كل المستويات.
رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الذي أصدر تعليماته قبل عدة أشهر لتصفية
الرنتيسي، وقال عنه أمام كتلة حزبه الليكود في البرلمان: ((إن (إسرائيل) تخلصت
من أحد أخطر أعداء الشعب اليهودي، وأكثر الفلسطينيين تحمساً لإزالة دولة
إسرائيل..)). وأضاف شارون أن تصفية الرنتيسي ((ضرورة تقتضيها مصالح (إسرائيل)
الأمنية والاستراتيجية والسياسية)). وشدّد على أن الدولة العبرية لا يمكنها أن
تسلّم ببقاء مصادر الخطر الوجودي عليها دون أن تعالجها، منوهاً إلى أن الرنتيسي
هو أحد تلك المصادر. ويرى شارون أنه على الدولة العبرية أن تواصل ممارسة سياسة
التصفيات ضدّ قادة حركة حماس على وجه الخصوص، قائلاً إنه لا يمكن التسليم ببقاء
من يريد أن يزيل ((دولة الشعب اليهودي))، ومشدداً على خطورة الرسالة التي حرص
الرنتيسي على تعميمها على الجمهور الفلسطيني والعربي، والقائلة إنه بإمكان
العرب والمسلمين هزيمة (إسرائيل) والقضاء عليها.
من ناحيته اعتبر وزير حرب الدولة العبرية شاؤول موفاز أن الرنتيسي مثّل خطراً
وجودياً على الدولة العبرية، مشيراً إلى دوره الكبير في تأسيس حركة حماس.
وأضاف: إن كنّا نعتبر أن حركة حماس تشكل خطراً وجودياً على الدولة العبرية فإن
علينا أن نذكر أن هذا الرجل لم يكن له دور كبير في تأسيسها فحسب، بل إنه أحد
الأشخاص القلائل الذين يرتبط بهم توجّه حماس لمواصلة العمل العسكري ضدنا بكل
قوة وعنفوان. وأكد موفاز أن مواقف الرنتيسي وأيديولوجيته يمثّلان خطراً وجودياً
على الدولة العبرية، لذا كان يتوجب القضاء عليه مرة وللأبد.
أما نائب رئيس الحكومة ووزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي إيهود أولمرت فيقول
إن الرنتيسي هو ((الرجل الذي تجاوز الخطوط الحمراء، الرجل الذي عمل على قتل
يهود وأعلن حرباً شاملة على الإسرائيليين واليهود)). ويؤكد أولمرت أن كل
التقارير الاستخبارية التي ترفعها أجهزة الاستخبارات المختلفة تُجمِع على أن
الرنتيسي لعب دوراً مركزياً وهاماً في دفع العمل المقاوم ضد الدولة العبرية بكل
قوة ومواظبة.
الجنرال موشيه بوغي يعلون، رئيس هيئة أركان الجيش الصهيوني، قال بعد التشديد
على مواصلة سياسة التصفيات ضد قادة حركة حماس، إن الرنتيسي ارتبط بنهج وفكر
قاتل ومدمر بالنسبة لدولة (إسرائيل)، وبالتالي كان يتوجب أن يسقط ويختفي من
الساحة وبأقصى سرعة، معرباً عن أمله أن تواصل قواته ما أسماه بـ((النجاحات في
مجال التخلص من قادة الإرهاب الفلسطيني)).
بخلاف عملية اغتيال شيخ فلسطين الشيخ المجاهد أحمد ياسين، فإن اغتيال الدكتور
الرنتيسي حظي بتأييد كل الفرقاء في الساحة الإسرائيلية الحزبية، باستثناء بعض
الأصوات القليلة والمنعزلة. فقد تجند رئيس حزب العمل شمعون بيريز لتأييد عملية
التصفية قائلاً ((إن من يقضي جهده في العمل على قتل اليهود والتحريض على ذلك
فإنه يتوجب إزاحته عن الساحة وبأقصى سرعة ممكنة))، منوهاً إلى أن الدولة
العبرية لا يمكنها أن تسلّم بظاهرة الرنتيسي على الإطلاق ومهما كلف الثمن. وشدد
على أنه يدعم الحكومة برئاسة شارون في قرار وعملية تصفية الرنتيسي الذي وصفه
بـ((زعيم قتلة)).
وإلى نفس الموقف ذهب الرئيس الأسبق للحزب، وزير الدفاع السابق بنيامين بن
أليعازر الذي قال إنه يعرف الرنتيسي بشكل شخصي، وإنه عندما كان قائداً لقوات
الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة في أواسط الثمانينيات لمس قدراً هائلاً من
الكراهية يكنّه الرنتيسي للدولة العبرية، وأنه لم يفاجأ عندما تبين أن للرنتيسي
دوراً مركزياً في تأسيس حركة حماس التي وصفها بأنها ((خطر استراتيجي على الدولة
العبرية)).
ممثلو أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الدينية تنافسوا على الاتصال بشارون
وتهنئته على ((الإنجاز)) المتمثل في تصفية الرنتيسي، والتشديد على مسامعه على
أن هذه الآلية التي يتوجب اتباعها في مواجهة جميع حركات العمل المقاوم
الفلسطيني وبدون استثناء. لكن الملفت للنظر أن وسائل الإعلام الإسرائيلية التي
تحفظت على عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين، رحّب معظمها بعملية اغتيال الرنتيسي،
وإن كان منها من شدد على أن اغتيال الرنتيسي قد يفتح مرحلة أكبر خطورة على
مستقبل الدولة العبرية، لكن معظم المعلقين اختار التساوق مع الخطاب الرسمي
للدولة العبرية.
المعلق دان مرغليت، أحد كبار المعلقين في صحيفة ((معاريف))، قال ((عبد العزيز
الرنتيسي زرع القتل في (إسرائيل). لم تكن فيه رحمة تجاه اليهود، ولا استعداد
لحل وسط. منذ شق -طبيب الأطفال الفلسطيني- طريق الإرهاب وهو كان جديراً بالمصير
الذي آل إليه. موته لا يمكن أن يكون مبكراً أكثر مما ينبغي، فقط متأخراً أكثر
مما ينبغي. لكن أن يكون اغتياله متأخراً أفضل من أن يظل حياً)). وحتى صحيفة
((هآرتس))، ذات التوجهات اليسارية الليبرالية فقد قدّمت الكثير من المبررات
التي رأت أنها تكفي لإضفاء شرعية على اغتيال الرنتيسي. وحسب افتتاحية للصحيفة
فإنه لم يكن للرنتيسي حصانة ضد عمليات الاغتيال. تشير ((هآرتس)) إلى نقطة
تعتبرها هامة لكل من يريد فهم حماس، فالصحيفة تنصح بعدم التمييز بين الجناح
العسكري والقيادة السياسية للحركة. وتضيف ((لا يوجد فصل حقيقي بين القيادات
السياسية أو الفكرية، وبين القيادة الميدانية العسكرية. فالإلهام والتوجيه
لتنفيذ العمليات لا يصاغ دوماً بتعابير محددة من الهدف، المكان، الزمن، وهوية
قادة حماس السياسيين تشبه هوية الانتحاريين الذين ترسلهم الحركة لتفجير
الحافلات والمطاعم))، على حد تعبير الصحيفة.
واشنطن حرّضت على الاغتيال
إن كان ثمة أحد يبحث عن شواهد تؤكد أن إدارة بوش تتفوق على أكثر الحركات
الصهيونية تطرفاً في عدائها للعرب والمسلمين والفلسطينيين تحديداً، فإنه بكل
تأكيد سيجد هذه الشواهد في الزيارة التي قام بها شارون مؤخراً إلى واشنطن
والتقى بها الرئيس بوش. فكما يروي الصحافي الإسرائيلي بن كاسبيت، كبير مراسلي
صحيفة ((معاريف))، نقلاً عن بعض أعضاء الوفد الإسرائيلي، فإن عدداً من
المسؤولين الأمريكيين وبّخوا مساعدي شارون قبيل لقائه بالرئيس بوش لعدم نجاح
(إسرائيل) حتى الآن في اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، مع العلم أن هذا
اللقاء تم قبل ثلاثة أيام من اغتيال الرنتيسي. وأكدت المصادر التي رافقت شارون
في الزيارة أن عدداً من مساعدي مستشارة الرئيس بوش للأمن القومي كوندليزا رايس
أعربوا عن امتعاضهم لعدم تمكن (إسرائيل) من اغتيال الرنتيسي في أعقاب نجاحها في
اغتيال مؤسس وزعيم حماس الشيخ أحمد ياسين. وأشارت المصادر إلى أن أعضاء الوفد
الإسرائيلي الذين رافقوا شارون فوجئوا من مدى تطرف مساعدي رايس، الذين يفوق
تشددهم إزاء الفلسطينيين تشدد زعيم حزب الاتحاد الوطني الوزير أفيغدور ليبرمان،
الذي يوصف على نطاق واسع بأنه أكثر وزراء شارون تطرفاً.
طريق حماس ستنتصر
على الرغم من أن كل هذه الأصوات الممالئة لشارون والمتوافقة معه، إلا أن
الصحافة الإسرائيلية حملت مواقف أخرى وإن كانت قليلة ونادرة، إلا أنها تصدر عن
معلقين معروفين بموضوعيّتهم النسبية حتى لدى الذين يختلفون معهم داخل دولة
الكيان.
فقد عبّر المعلق للشؤون العربية في صحيفة ((هآرتس)) داني روبنشتاين عن استهجانه
للاستنتاجات المضللة التي توصل إليها قادة الدولة وعدد من زملائه المعلقين.
ويؤكد روبنشتاين الذي يعتمد في كتاباته على جولات ميدانية تشمل مدن وقرى
ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، أن اغتيال الرنتيسي أدى إلى عكس ما راهن عليه
شارون وموفاز، حيث أدت عملية الاغتيال إلى تعزيز قوة حركة حماس بشكل كبير،
وبشكل جعلها القوة المسيطرة. ويصل إلى نفس الاستنتاج رئيس حزب ((ياحد)) اليساري
يوسي بيلين الذي شغل في السابق منصب وزير العدل الذي قال إن (إسرائيل) تحوّل
الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مجرد منطقة نفوذ لحركة حماس بشكل أعمى. ويشير
بيلين إلى نقطة هامة جداً، حيث إنه في مطلع التسعينات قامت حركة حماس بأكبر
عملياتها ضد الدولة العبرية بينما كان جميع قادتها في السجون الإسرائيلية.
ويسخر بيلين من بساطة التحليلات الإسرائيلية التي تحاول دوماً التوافق مع الخط
الرسمي الذي تعبر عنه الحكومة وهيئة أركان الجيش. ويطالب الجميع بأن يقولوا
الحقيقة على مرارتها، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بحركة حماس أو بقادتها بقدر ما
يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي لا يوجد اختلاف على أنها في النهاية قضية
منتصرة كونها تبرز أن هناك شعباً محتلاً يقاوم قوة احتلال لا تملك أي مصداقية
لمواصلة وجودها.
قدرة حماس لن تتأثّر
على الرغم من الحماس الشديد الذي تبديه المؤسسة الأمنية في الدولة العبرية
لعملية الاغتيال، إلا أنها في المقابل تقرّ بأن الاغتيال لن يكون له تأثير على
قدرة حركة حماس على مواصلة عمليات المقاومة. وتنقل الصحف الإسرائيلية عن قسم
الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ((أمان))، قوله أن عملية
الاغتيال تزيد من دافعية الحركة لممارسة عمليات المقاومة، منوهة إلى أنها تتوقع
ردوداً قاسية على عمليتي التصفية.
|