|
الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي شخصية منطقية ورزينة، لكنها قادرة
على إثارة حنق الإسرائيليين. يملك القدرة على إثارة وتعبئة الشارع الفلسطيني،
ومواقفه تميل دائماً لاعتبار الجهاد الحلّ الوحيد للصراع مع (إسرائيل) ؛ فهو
ينادي بضرب كل إسرائيلي في أي مكان وزمان. له سجل حافل بالنضال والجهاد
والدعوة، لا يخلو من الاعتقالات والتعذيب والإبعاد.. وتعكس حياته ملامح العلاقة
بين الاحتلال وشرائح المجتمع المختلفة، وتبين سياسة الحكومات الإسرائيلية
المتعاقبة تجاه الشعب الفلسطيني.
النشأة
نشأ عبد العزيز الرنتيسي، ابن يبنا القرية المهجرة (بين عسقلان ويافا) والمولود
في 23-10-1947 قبيل التهجير، في أسرة ملتزمة ومحافظة في مخيم خان يونس للاجئين
الفلسطينيين. لم يمنعه صغر سنه من العمل لمساعدة عائلته المكونة من 11 فرداً،
له ثمانية إخوة ذكور بالإضافة إلى أختين، حيث اشتغل وهو في عمر ست سنوات، فلم
يلهُ مع أقرانه ولم يعِشْ شقاوات الطفولة، كان هناك ما هو أكبر من ذلك يشغل
تفكيره، وعالمه الصغير.
يقول الرنتيسي في حوار قديم عن حالة عائلته الاجتماعية ((كنا فقراء للغاية
نعتمد في قوتنا على ما يأتينا من التموين الذي توزعه وكالة الغوث)).
ويتذكر الرنتيسي طفولته، فيقول ((توفي والدي وأنا في نهاية المرحلة الإعدادية
فاضطر أخي الأكبر للسفر إلى السعودية من أجل العمل)). ويردف ((كنت في ذلك الوقت
أعد نفسي لدخول المرحلة الثانوية، فاشتريت حذاء من الرابش (البالة)، فلما أراد
أخي السفر كان حافياً، فقالت لي أمي أعط حذاءك لأخيك فأعطيته إياه، وعدت إلى
البيت حافياً... أما بالنسبة لحياتي في مرحلة الثانوية فلا أذكر كيف دبرت
نفسي)).
ثم يتذكّر ما حدث له في ليلة زفافه فيقول ((لم يكن في المخيم كهرباء، وكنت أول
من سحب خط كهرباء في المخيم.. لكن للأسف الكهرباء كانت ضعيفة لم تنر المصابيح،
فطلبت من البلدية تقوية التيار الكهربائي من أجل إتمام مراسم زواجي، فوافقوا أن
يقووا التيار الكهربائي لمدة ثلاثة أيام فقط)).
الدراسة
أنهى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي دراسته الثانوية عام 1965، وكان من
المتفوقين، وهو ما أهله للحصول على منحة دراسية في مصر على حساب وكالة غوث
اللاجئين (أونروا)، فتوجّه إلى مدينة الإسكندرية المصرية ليلتحق بجامعتها ويدرس
الطب؛ حيث أنهى دراسته الجامعية بتفوّق وتخرّج عام 1972 وعاد إلى قطاع غزة. لم
تقف أحلامه عند هذا الحد على الرغم من صعوبة الظروف التي عاشها وأفراد أسرته
الكبيرة.
كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي يقطع العديد من الكيلومترات مشياً على الأقدام
(بسبب عجزه المادي) إلى القبائل البدوية على أطراف غزة وبيده محفظة فيها لوازمه
الطبية، يعالج تلك القبائل مجّاناً ممّا أكسبه حبّها.
لمع نجم الرنتيسي في العديد من المجالات سواء على الصعيد العلمي أو العملي أو
الدعوي وكذلك الجهادي؛ فقد حصل على درجة الماجستير في طب الأطفال من مدينة
الإسكندرية، بعد أن خاض إضراباً مع زملائه في المستشفى محتجاً على منعهم من
النهل من معين العلم، والسفر إلى أرض الكنانة، وعمل بعد أن عاد في مستشفى ناصر
في خان يونس، وذلك عام 1976، وفي تلك الفترة ساهم مع الشيخ أحمد ياسين بتأسيس
المجمع الإسلامي الذي كان النواة الأولى للعمل الخيري في قطاع غزة.
عمل الرنتيسي في الجامعة الإسلامية في غزة منذ العام 1986 محاضراً يدرّس
محاضرات في العلوم وعلم الوراثة وعلم الطفيليات، بعد أن فصلته سلطات الاحتلال
من عمله كطبيب.
نشاطه السياسي
عن بداية مشواره مع الحركة الإسلامية يقول الرنتيسي إنه تأثر أثناء دراسته بمصر
كثيراً بالشيخين محمود عيد وإبراهيم المحلاوي، وكانا يخطبان في مسجدي السلام
وإبراهيم باشا في القاهرة.
وأضاف الرنتيسي ((كانت الخطب سياسية حماسية؛ فمحمود عيد كان يدعم القضية
الفلسطينية، وكان يواجه السادات بعنف في ذلك الوقت؛ وهو ما ترك أثراً في نفسي،
فلما عدت من دراسة الماجستير بدأت أتحسّس طريقي في الحركة الإسلامية مقتدياً
بأسلوبه ونهجه))، موضحاً أن أول مواجهة له مع الاحتلال الإسرائيلي كانت عام
1981 حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية ثم اعتقل على خلفية رفضه دفع الضرائب
لسلطات الاحتلال، وقيادته لإضراب كبير نفذه أطباء غزة.
تأسيس حماس
كان أحد قياديي حركة الإخوان المسلمين الستة في قطاع غزة عندما حدثت حادثة
المقطورة، تلك الحادثة التي صدمت فيها مقطورة صهيونية سيارة لعمال فلسطينيين،
فقتلت وأصابت جميع من فيها، واعتُبرت هذه الحادثة بأنها عمل متعمد بهدف القتل
مما أثار الشارع الفلسطيني؛ خاصة أن الحادثة جاءت بعد سلسلة من الاستفزازات
الإسرائيلية التي استهدفت كرامة الشباب الفلسطيني؛ خاصة طلاب الجامعات الذين
كانوا دائماً في حالة من الاستنفار والمواجهة شبه اليومية مع قوات الاحتلال.
وقد خرجت على إثر حادثة السير المتعمدة هذه مسيرة عفوية غاضبة في (جباليا) أدت
إلى سقوط شهيد وعدد من الجرحى.
اجتمع قادة الإخوان المسلمين في قطاع غزة وعلى رأسهم الرنتيسي الذي كان مسؤول
منطقة خان يونس، وتدارسوا الأمر، واتخذوا قراراً مهماً يقضي بإشعال الانتفاضة
ضد الاحتلال الصهيوني. وتم اتخاذ ذلك القرار التاريخي في ليلة التاسع من كانون
الأول/ديسمبر 1987، وتقرر الإعلان عن حركة المقاومة الإسلامية كعنوان للعمل
الانتفاضي الذي يمثل الحركة الإسلامية في فلسطين. صدر البيان الأول موقعاً
بـ((ح.م.س)). هذا البيان التاريخي الذي أعلن بداية الانتفاضة والذي كتب لها أن
تغير وجه التاريخ العربي والإسلامي، وبدأت الانتفاضة وانطلقت من المساجد،
واستجاب الناس، وبدأ الشعب الفلسطيني مرحلة من أفضل مراحل جهاده.
كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي مفضلاً لدى محطات التلفزة العالمية والصحافة
الدولية، خاصة وأنه يتقن اللغة الإنكليزية إضافة إلى أربع لغات أخرى. وكان ذا
قدرة عالية على محاورة الآخر دون التنازل عن أي من الثوابت الأساسية للصراع،
وهو ما دفع الكثير من المشكّكين إلى اتهامه بالتشدّد بسبب صلابته على الحق.
ويؤكد المقرّبون من الرنتيسي أن صورة الرجل (المتشدّد) في مواقفه التي ترسمها
له بعض وسائل الإعلام ربما تعطي انطباعاً يختلف كثيراً عن تواضعه وبساطته
الشديدة، وقربه من مشاعر الناس وهمومهم.
الرنتيسي والسلطة الفلسطينية
واتسمت علاقة الرنتيسي بالسلطة الفلسطينية بالتوتر أغلب الوقت، نظراً لمواقفه
الرافضة لعملية التسوية مع (إسرائيل)، ولإجراءات السلطة ضد عناصر الحركة.
وقد اعتقل في سجونها أكثر من مرة، إلا أن ذلك لم يثن الرنتيسي عن انتقاد سياسة
السلطة الفلسطينية، في مقالاته الأسبوعية، وفي تصريحاته لوسائل الإعلام.
ولم تؤثر علاقة الرنتيسي التي كانت توصف بالفاترة مع بعض أركان السلطة
الفلسطينية على سعيه الدائم لصيانة وحدة الدم الفلسطيني وتحريم إراقته بمواجهة
داخلية تحت أي ظرف من الظروف، حيث أكد الرنتيسي في أول تصريح له بعد توليه منصب
قائد حركة حماس في قطاع غزة أنه يمد يديه للجميع للعمل من أجل مصلحة القضية
الفلسطينية.
شغل الدكتور الرنتيسي العديد من المواقع في العمل العام؛ منها: عضوية الهيئة
الإدارية في المجمّع الإسلامي، والجمعية الطبية العربية بقطاع غزة، والهلال
الأحمر الفلسطيني.
|