|
ياسر الزعاترة
((ابن موت)).. كان هذا هو عنوان تقرير صحيفة (معاريف) الإسرائيلية حول عملية
اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الفاشلة التي نفذت صباح يوم الثلاثاء
(10/6/2003)، حيث كشفت الصحيفة أن الرنتيسي قد دخل قائمة المرشحين للتصفية منذ
مطلع العام نفسه.
بعد سنوات من مطاردة الاحتلال والإثخان فيه قولاً وعملاً، كان قرار الاغتيال،
اغتيال من؟ إنه ((مصنع القنابل المتكتكة) حسب تعبير المجرم وزير الحرب الصهيوني
شاؤول موفاز!!
كلّهم أيدوا عملية الاغتيال في المرة الأولى: رئيس الأركان، رئيس المخابرات،
رئيس الموساد، منسق شؤون المناطق وشاؤول موفاز أيضاً، فيما لم يعارض سوى رئيس
شعبة الاستخبارات العسكرية، والسبب هو التوقيت، التوقيت فقط!! أما الآن فقد
أيدها الجميع بعد وعد بوش ودعمه اللامحدود طمعاً في دعم اليهود له في الحملة
الانتخابية.
في جهاز الأمن الإسرائيلي –أضافت ((معاريف))- يدعون بأن الرنتيسي يوجّه، يبادر،
يخطط، يبعث ويدير العمليات. أما (شارون) فيقول ساخراً: ((الرنتيسي ناطق حماس؟
نعم. هو ينطق، لكنه ليس ناطق. هو مؤسس حماس وهو مسؤول عن قتل إسرائيليين)). أما
في المخابرات فيوافقون على ذلك ويرون أن ((الرنتيسي ليس فقط ملهم لنشطاء حماس
بل هو مشغل حماس في يهودا والسامرة، وهو على اتصال مع حماس في الخارج. هو يستغل
وسائل الإعلام كي يوسع تعليماته، وهو الخليفة الحقيقي لصلاح شحادة ومن يخطط لأن
يخلف، مع مرور الوقت، الشيخ ياسين)).
بعد اغتيال الشيخ خلفه الرنتيسي فتأكد قرار الاغتيال من جديد، فالرجل اليوم
أعمق أثراً مما كان عليه في السابق، فيما يزدحم سجله السابق بما يكفي لكي يكون
((هدفاً مشروعاً)) حسب التوصيف الإسرائيلي الأمريكي.
ذلك هو عبد العزيز الرنتيسي في نظر قادة العدو، وهو ذاته الذي وضعته مجلة
((تايم)) الأمريكية في عداد أهم خمس شخصيات في الشرق الأوسط عام 2002.
عبد العزيز الرنتيسي إذن مشروع شهيد منذ زمن.. ليس ((ابن موت)) كما يقولون. بل
مشروع شهادة.. مصنع شهداء.. تلك هي الحكاية من أولها لآخرها.
شهور معدودة هي كل ما عاشه عبد العزيز الرنتيسي في (يبنا) تلك القرية البسيطة
الواقعة ما بين عسقلان ويافا. فقد ولد في 23/10/1947، فيما خرج أهله من القرية
التي دمرها الاحتلال في الخامس عشر من أيار/مايو عام 1948.
إلى قطاع غزة، وتحديداً إلى مخيم خان يونس لجأ أهل عبد العزيز الرنتيسي، وهناك
كان عليهم أن يظلوا مصرين على الحياة وأن يختاروا معركة الأرحام المدججة
بالبنين والبنات، أما القرار فهو التشبث بالأمل.. أمل العودة مهما طال الزمن.
تسعة إخوة وثلاث أخوات هي عائلة عبد العزيز التي نشأ فيها حيث واصل رحلة البحث
عن دور في دروب النضال ضد الاحتلال وضد الفقر والجوع وعذابات اللجوء. باكراً
تعلم أبجديات الرجولة، فهنا لا مكان للكثير من اللهو واللعب.
بدأ العمل لمساعدة الأهل وهو في السادسة من العمر، فيما كان إصراره على التعليم
والتفوق واضحاً، وهو يتابع دراسته في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين
الفلسطينيين وصولاً إلى الثانوية.
إلى الاسكندرية في مصر شد الرحال، وهناك درس الطب وعاد سريعاً إلى قطاع غزة
(1972) ليعود من جديد بعد عامين لدراسة طب الأطفال ومن ثم العودة عام 1976.
خلال هذه الفترات كان الرنتيسي جزءاً من حركة المد الإسلامي التي بدأت تنهض من
جديد في القطاع بعد سنوات من القمع والتغييب، وقد اعتقل عام 1983 بسبب رفضه دفع
الضرائب للاحتلال.
في شهر كانون ثاني/ديسمبر عام 1987، كان الرنتيسي واحداً من مجموعة التأسيس
التي أعلنت التحول في الحركة الإسلامية معلنة إنشاء حركة المقاومة الإسلامية
(حماس).
عند هذه النقطة بدأت رحلة الرنتيسي الصعبة والغنية في آن، فقد اعتقلته سلطات
الاحتلال مرة إثر أخرى كان خلالها يزداد إصراراً على مواصلة دربه، وقد حفظ
القرآن الكريم خلال فترات اعتقاله، كما وقف شامخاً في مواجهة الجلادين وفي
قيادة إخوانه المعتقلين.
نهاية عام 1992 كان الرنتيسي على رأس 415 من رموز حماس والجهاد أبعدتهم سلطات
الاحتلال إلى مرج الزهور في لبنان، وهناك برز كناطق باسم المبعدين، وكانت معركة
ولا أجمل خاضها ضد الاحتلال إلى أن هزمه وعاد من جديد إلى المعتقل الذي فضله
على البقاء خارج الوطن، وبقي في السجن حتى منتصف عام 1997.
كان أوسلو هو سيد الموقف في ذلك الوقت، لكن الرنتيسي، رجل العقيدة والفكر لم
يجد في ذلك المسار سوى الإذلال فوقف شامخاً ضده، ما جعله هدفاً للسلطة
الفلسطينية التي اعتقلته بعد عام على خروجه من سجون الاحتلال، وتكرر ذلك ثلاث
مرات. وليصل مجموع سنوات اعتقاله في سجون الاحتلال وسجون السلطة ما يقرب من عشر
سنوات.
انتفاضة الأقصى، أعادت الرنتيسي إلى واجهة الأحداث بوصفه الناطق باسم المقاومة
والمعبر عن أشواقها وإرادتها، فكان الوجه الذي يمنح الأمة الفخر والعزة
والكرامة.
كان يدرك أنه برسم التصفية كما هو شأن إخوانه الآخرين، ولكنه لم يتراجع، وظل
قابضاً على جمر المقاومة دون هوادة.
في مثل هذا الوقت من العام الماضي اغتيل رفيق دربه الشهيد إبراهيم المقادمة.
وفي سياق التعليق على الحدث قال الرنتيسي ((وأنا أصطف لآخذ واجب العزاء
باستشهاد المقادمة كنت أشعر أنه قد يكون هذا العزاء لي في يوم من الأيام، لكن
ذلك لم يزدني إلا إصراراً على مواصلة الطريق وشوقاً للشهادة التي هي أسمى
أمانينا، خاصة أن الذين سبقونا إليها هم أفضل منا، ونحن نؤمن أن لكلّ أجل كتاب،
وأن عمر الإنسان منّا مقدّر قبل ولادته)).
تكرر ذلك في عزاء شيخه ومعلمه أحمد ياسين الذي أسلمه الراية، وها هو يسلّمها
عزيزة كريمة إلى خلف له سيواصل المشوار، فهذا الدم الذي روى تراب فلسطين مساء
السبت 17/4 لم يسر في الأرض إلا ليزيدها عزة وعنفواناً، سيما وهي الأرض
المباركة التي تستحق دماء طاهرة مثل دماء الرنتيسي وياسين والمقادمة وإخوانهم
الأبطال.
رحلة طويلة كان لا بد لها من خاتمة رائعة، وهل ثمة أروع من الشهادة في ملّة
الإسلام خاتمة للمؤمن؟
سلام على الرنتيسي وعلى شيخه وعلى جميع الشهداء إلى يوم الدين.
|