فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

May2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
بشارة النصر
رمز المقاومة
قائد صلب
لم تخفه السجون
خطر وجودي على العدو
صلاح الرنتيسي
أحمد الرنتيسي
إجماع فلسطيني
إدانة عربية
الحركات الإسلامية
إجماع دولي
الأجنحة العسكرية
قادة غزة
ما يقوله الصحفيون
مرج الزهور تبكيه
د.موسى أبو مرزوق
التفاف فلسطيني
الشارع العربي
قراءة سياسية
قيادات عربية وإسلامية
قلق الصهاينة
الشيخ والثقافة
حمزة هذا الزمان وحسينه
شهادات في الشيخ
الشيخ رائد صلاح
النهار على مقربة
هدية العدد
لوحات فنية
صور أخرى

 

الشيخ رائد صلاح:
عام في الاعتقال لكن متى المحاكمة.. وأين التهم والأدلّة؟


فلسطين/ عمر راشد
في ظل الأوضاع التي يعيشها الفلسطينيون سارعت الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح والخيّرين من أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل لمساعدة أهلهم في الأراضي المحتلة عام 1967، وتنادوا لكفالة الأيتام ونصرة المستضعفين. إلا أن السلطات الإسرائيلية استنكرت ذلك، فعمدت إلى إغلاق مؤسسة الإغاثة وتوّجت حملتها باعتقال الشيخ رائد صلاح وإخوانه، لأنهم قدّموا الإغاثوا وكفلوا اليتيم ووقفوا وراء مشروع نهضوي يهدف إلى رفع المستوى المعيشي والتعليمي والتربوي والثقافي للمواطنين الفلسطينيين.
برّرت الحكومة الصهيونية اعتقال الشيخ رائد صلاح بترويج معلومات لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، أن هناك أدلة قاطعة ضد قادة الحركة الإسلامية، ليس لمساعدة الأيتام وعائلات الاستشهاديين، وإنما لتقديم دعم حقيقي للبنى التحتية لحركة حماس في الضفة الغربية. وتمحورت بنود الاتهام حول قضيتين أساسيتين: الأولى هي غسيل الأموال، والثانية تقديم مساعدة فعّالة للعمليات الاستشهادية.
وزعمت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن قادة الحركة الإسلامية في الداخل كانوا بمثابة قناة رئيسية حولت عبرها حركات إسلامية عالمية قريبة من حماس الأموال إلى أعضاء الحركة في الضفة الغربية.
وهكذا تحولت الاعتقالات إلى عملية عسكرية بكل معنى الكلمة، وصاحبها حملة إعلامية تحريضية مبرمجة، من قِبَل هذه الأجهزة والإعلام الإسرائيلي ضدّ الحركة الإسلامية ولاحقاً ضدّ كل الفلسطينيين.
أما الهدف الحقيقي من اعتقال الشيخ رائد صلاح فهو محاولة إبعاده عن دوره الذي يؤمن به وهو الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك والوقوف أمام كل مؤامرة تحاول أن تمسّ به, ومحاولة لإفشال مهمته في رعاية الفقراء والدفاع عن المقدسات وإحياء المساجد وإنشاء لجان الزكاة ودعم الفلسطينيين في النقب والمثلث والجليل والمدن الساحلية.
فللشيخ رائد صلاح والحركة الإسلامية دورهم اليومي الداعم لقضية المسجد الأقصى، إذ أنهم يشكّلون قوة مالية تدعم مشاريع إعمار وإحياء المسجد الأقصى، ويشكلون قوة بشرية تدعم التواجد اليومي في المسجد الأقصى وإكثار سواد المسلمين اليومي فيه، أمام محاولات التطاول اليومي عليه من قبل اليهود المتطرفين، سيما وأن أهل الضفة والقطاع ممنوعون بالكلية من الوصول إلى المسجد الأقصى، ثم إن فلسطينيي الداخل يمثلّون قوة شرائية ساهمت في إحياء اقتصاد أهل القدس الشريف من خلال سفرهم اليومي إلى المسجد الأقصى كجزء كبير من المشاركين في (مسيرة البيارق) اليومية التي تتبناها.
ومنذ عام 1996 تمكنت ((مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية)) برئاسة الشيخ رائد صلاح بالاشتراك مع ((لجنة التراث - بيت المقدس)) وبالتعاون مع هيئة الأوقاف بإعمار المصلى المرواني، من إعمار الأقصى القديم، ثم إقامة وحدات مراحيض ووضوء عند باب الأسباط وحطة وفيصل، ثم فتح بوابات المصلى المرواني العملاقة وتبليط الساحات الممتدة أمامها، ثم مشروع (مسيرة البيارق) وإحياء دروس مصاطب المسجد الأقصى وتفريغ الدعاة للعمل في القدس، وإقامة مؤسسة (مسلمات من أجل الأقصى)، وإعداد الكتب والخرائط والأفلام الوثائقية عن المسجد الأقصى، وإقامة المهرجان السنوي الكبير الذي بدأته منذ عام 1996 بعنوان (الأقصى في خطر) والذي يحضره كل عام أكثر من سبعين ألفاً.
ومن نشاطاتها إقامة الإفطارات الجماعية طوال أيام رمضان، وإعداد الكتب والخرائط والأفلام الوثائقية عن الأقصى.
كما أن اعتقال الشيخ كان محاولة لإسكات الشيخ رائد صلاح عن استنهاض العالم العربي والإسلامي، وحضهم على التنبه لما يجري للمسجد الأقصى المبارك، حيث كانت تصريحاته تشكل تهديداً للرأي العام العالمي تجاه العنصرية الصهيونية.
ومن أهداف هذه الحملة المحاولات المتكررة لدقّ إسفين بين القوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية في الداخل وتفريقها وتمزيقها، حتى تتفرد بهم، لتحقيق أهدافها المُبَيَّتة. فالاعتداء على رموز الحركة الإسلامية، الشيخ رائد صلاح وإخوانه، إنما هو اعتداء على الجماهير العربية كافة في الداخل، وعلى منظماتها السياسية والأهلية والإنسانية.
ولا يمكن فصل هذه السياسة ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 48، عمّا يمارس ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزّة، وما يرتكب يومياً من أعمال القتل والهدم والإذلال، والتي وصلت حدّ ارتكاب جرائم حرب حسب كل المقاييس القانونية والأخلاقية والإنسانية.
أما حقيقة التهم الموجهه للشيخ رائد صلاح فقد بينها العديد من المحامين وخبراء القانون بانها أشبه بـ((ورقة عمل)) مقدمة من جهاز المخابرات، بعد ما قام به هذا الجهاز، وعلى مدى فترة طويلة، من التنصّت إلى المحادثات الهاتفية، والتدخّل الفظ في الحياة الخاصة للشيخ والمعتقلين بمكاتبهم وبيوتهم، واختلاق الوقائع وتضخيمها، من غير أن ترعى حقوق المواطن القانونية والإنسانية.
وقد نفى الشيخ رائد صلاح والحركة الإسلامية التهم الموجهه إليه ولإخوانه، واتهم الشرطة الإسرائيلية بخداع القضاء والرأي العام اليهودي. ونفت الحركة الإسلامية التهم الموجهة لقياداتها وأعلنت في حينها في بيان لها عن موقفها من لوائح الاتهام.
لقد جاء هذا الاعتقال في ظروف عديده أهمها:
1- الظرف العالمي المتمثل بالحرب على الإسلام خصوصاً بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.
2- احتلال العراق وما صاحبه من إحباط عام عند المسلمين مقابل استعلاء أمريكي وإسرائيلي. حيث استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون هذا الانشغال العالمي ليفرض مزيداً من إجراءات التهويد للمدينة المقدسة، فكان الشيخ رائد صلاح إحدى العقبات في وجهه.
3-تصريحات جاده بين السياسيين الإسرائيليين حول إمكانية هدم مسجد شهاب الدين (الذي هدم مباشرة بعد اعتقال الشيخ بشهرين).
4- مرور سنتين على تواصل (انتفاضة الأقصى) -في حينه- واختفاء حملات الإغاثة العالمية من جدول اهتمامات الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، واختفائها من على شاشات الفضائيات العربية عدا بعض الفضائيات العربية مثل (اقرأ) و(الشارقة) و(أبو ظبي) وغيرها القليل التي كانت حينها تكرّس حضوراً إعلامياً.
5- نقمة الإسرائيليين من مشروع البيارق ومحاولات شرطة القدس الإسرائيلية التضييق على سائقي حافلات ((مسيرة البيارق)).
6- ومن الظروف المحيطة به أن الاعتقال يأتي بعد عامين من المتابعة والرصد للحركة الإسلامية.
8- وجاء الاعتقال في ظل ظروف شهدت فيها مقدسات إسلامية، سلسلة اعتداءات صارخة من إحراق وتجريف لمقابر.

على إثر اعتقال الشيخ رائد صلاح، خيبت الحركة الإسلامية ظنون الإسرائيليين الذين راهنوا على إضعاف الحركه أو فشل مشاريعها لا سيما في المسجد الأقصى المبارك بل لا تزال معنوياتها عالية باعتبار ما تمرّ به ليس محنة بل هي منحة من الله. بل وتستمر مكاتب مؤسسة الأقصى مفتوحة وأعمالها تسير بشكل معتاد، واتخذت كل الخطوات اللازمة لإعادة تفعيل وتكثيف العمل في جميع مشاريع مؤسسة الأقصى، من عمران وصيانة ومسيرة البيارق وغيرها. فقد اعتبر الشيخ كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية أن اتهام الشيخ رائد صلاح بتمويل الأطفال والأيتام بالضفه إنما هو فخر واعتزاز وليس تهمة: ((إننا لم نرسل 20 مليون شيكل لأطفال الضفة بل 52 مليون دولار للأيتام والأطفال والأرامل في الضفة والقطاع خلال السنوات الأخيرة))، هذا ما قاله الشيخ كمال في إحدى خطاباته.
إن اعتقال الشيخ رائد حشد تأييد وتزكية وتضامن كبير مع الحركة على جميع الأصعدة والمستويات، فقد شارك في التظاهرات التي حشدت لتأييد الشيخ والاحتجاج على اعتقاله شخصيات عربية من جميع الأحزاب، وكما برزت شخصيات يهودية شاركت في المظاهرة وشخصيات مثل السيد لطيف دوري ممثل منظمة ((تعايش)) اليهودية العربية والأب عطا الله حنا كشخصية مسيحية وطنيه، والشيخ عكرمة صبري مفتي القدس، والنائب عبد المالك دهامشة كأبرز شخصيات الطرف الآخر في الحركة الإسلامية، والمهندس شوقي خطيب رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون فلسطينيي الداخل، والسيد رامز جرايسي رئيس بلدية الناصرة، والعديد من رؤساء المجالس المحلية ورؤساء الأحزاب والتيارات السياسية وأعضاء كنيست.
فبمجرد اعتقال الشيخ رائد وبعد يومين بالتحديد استبيحت ساحات الأقصى بتصريح من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي حيث قال: ((أبواب الحرم القدسي ستفتح قريبا جداً أمام السياح الأجانب واليهود)). وبدأت تظهر محاولات لمجموعات من المستوطنين المتطرفين اليهود من إقامة طقوسهم الدينية في باحات الحرم الشريف وتحت حراسة الشرطة.
خلال عام كامل والشيخ رائد صلاح يربض خلف قضبان السجان الإسرائيلي في جولات وصولات من محاكمات وجلسات، لم تثبت أية تهمة على الشيخ أو على من معه، وقد كان اعتقال الشيخ خلال العام المنصرم مفتاح لحرب شرسة شنتها الحكومة الإسرائيلية على الشيخ وحركته.
فكان تطور الأحداث بعدها سريعاً حيث أخضعت الشرطة الإسرائيلية كل من الشيخين كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية وهاشم عبد الرحمن الناطق الرسمي باسم الحركة (الرئيس الحالي لبلدية أم الفحم) للتحقيق لساعات طوال، وطالت حملة التحقيقات أبناء الحركة الإسلامية في مختلف البلدان. فقد تم منع بعض رموز الحركة كالشيخ كمال الخطيب من التحدث لوسائل الإعلام لمدة شهر وتم منعه من السفر لمدة ثلاثة أشهر.
وقد تم نقل الشيخ رائد صلاح والدكتور سليمان إلى قسم العناية الطبية بعد ثلاثة أيام من الإضراب عن الطعام احتجاجاً على اعتقالهم ومعاملة مصلحة السجون القاسيه معهم.
وفي حينه أجرت وزارة الأديان تحقيقات مع عدد من أئمة المساجد حول تطرقهم لقضايا الحركة الإسلامية.
أما الصحف الإسرائيلية فقد شرعت تتحدث عن لوائح الاتهام بحق معتقلي الحركة الإسلامية قبل صدورها، كما بادرت الشرطة الإسرائيلية للتحقيق مع الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس والديار الفلسطينية حول علاقته بالحركة الإسلامية ورئيسها الشيخ رائد صلاح.
وما تتطور من أحداث بعد اعتقال الشيخ في حينها أنه وفي خلال يوم واحد تم هدم مسجد شهاب الدين في الناصرة والسماح لليهود والسياح الأجانب بدخول المسجد الأقصى.
وقد تمّ حرمان المعتقلين من خدمة الهاتف حيث كانوا يتنقلون بين السجون وهم مقيدي الأيدي والأرجل، ولا زالوا محرومين من إقامة صلاة الجمعة مع بقية المعتقلين في أي معتقل تواجدوا فيه، فتحاول السلطه تضييع وقتهم من خلال الإبقاء عليهم في سفر دائم متنقلين بين المحاكم والمعتقلات، بهدف أن لا يستعدوا للدفاع عن أنفسهم كما يجب.
فقد كانت الجهات الإسرائيلية تتهرب بشكل واضح من الإجابة على قسم من الأسئلة الموجهه من المحامين في المحكمة فيما كانوا يجيبون بشكل غير واضح على أسئلة أخرى.
وقد قامت وحدة التحقيقات بترجمة مائة الف مكالمة تلفونية قامت بتسجيلها خلال سنتين من التنصت والمتابعه لقيادات ونشطاء الحركة الاسلامية ومؤسساتها المختلفة.
كما ادعت ارتباط الشيخ رائد صلاح مع إيران، حيث قالت النيابة العامة إن هذا الاتهام بالذات قدّم من قبل الجهات الأمنية وليس من قبل الشرطة، أما الشيخ فقد قال: ((أصلاً لم أسأل ولم يذكر اسم إيران ولو لمرة واحدة خلال التحقيقات التي استمرت أربعين يوماً)).
ومن تطورات القضيه أن الحركة الإسلامية رفعت القضية للمحكمة العليا فرفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماس الشيخ رائد صلاح، ضد قرار المحكمة المركزية في حيفا بشأن استمرار اعتقاله.
واستمرت المحكمة المركزية في مدينة حيفا تمدد فترة اعتقال الشيخ رائد صلاح من جلسة إلى أخرى حتى انتهاء الإجراءات القضائية ضده.
ومما خفف حدة الحملة الإعلامية الموجهه نحو الشيخ هو التعديلات التي أدخلت على لائحة الاتهام والتي أصبحت تتضمن ((تهماً)) أقل خطورة مما كان عليه في البداية، خاصة وأن النيابة تعترف أن القضية هي مالية وليست عسكرية أمنية، رغم أنها أوحت بهذا الأمر وأضفت على القضية طابعاً أمنياً خطيراً.
ملف القضية يتضمن آلاف الوثائق التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة وهناك ضرورة لمراجعتها مع المعتقلين، ولكن ظروف اعتقالهم تحول دون ذلك وبالتالي يحرمون من حقهم الكامل في إثبات براءتهم.


 
اعتقال الشيخ رائد صلاح وإخوانه:
محاولة إسرائيلية لضرب الحركة الإسلامية وإضعافها

فلسطين/إبراهيم السعيد
عام مضى على اعتقال الشيخ رائد صلاح، زعيم الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 48، وعدد من إخوانه، دون أن تستطيع النيابة العامة الإسرائيلية إقناع المحكمة بإصدار حكم عليهم. وفي الوقت الذي يتم إطلاق سراح أعضاء التنظيمات الإرهابية اليهودية المتهمين بقتل الفلسطينيين والاعتداء عليهم والتخطيط لتدمير أماكنهم المقدسة، بعد أقل من شهر على اعتقالهم، فإن الجهاز القضائي الصهيوني يواصل اعتقال الشيخ وإخوانه على الرغم من أن بريق التهم التي وجهت إليه لدى إلقاء القبض عليه خفّت إلى حد كبير. وحتى وسائل الإعلام الإسرائيلية المؤسساتية التي تتبنّى بشكل تلقائي الروايات الرسمية للدولة، لم تعد تنشر التسريبات المغرضة التي تحرص الأجهزة الأمنية الصهيونية على إغراقها بها، في مسعى لخلق جوّ يسمح بإدانة الشيخ وإخوانه بتهم تمويل ما تسميه الدولة العبرية ((المنظمات الإرهابية)) الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب الاتصال بمن تدعي أنهم ((ممثلو دول ومنظمات معادية)).

محاكمة سياسية
في محاولة منها لدرء الحرج عنها، حرص جهاز المخابرات الإسرائيلي الداخلي ((الشاباك))، وشرطة الاحتلال على مطالبة المحكمة التي تنظر في التهم الموجهة للشيخ رائد ورفاقه بأن تكون هذه الجلسات سرية. ومعنى أن تكون هذه الجلسات سرية، فإنه لا يحق للشيخ ولا حتى موكله الاطلاع على بعض المواد التي تقدم للمحكمة على اعتبار أنها أدلة على قيام الشيخ وإخوانه بالتهم الموجهة إليه، بالطبع يبرر ((الشاباك)) والشرطة، إصرارهما على سرية جلسات المحكمة، بخشيتهما من أن يؤدي عقد المحكمة في العلن بالكشف عن بعض المصادر التي اعتمدت عليها في الحصول على تلك الأدلة المفبركة من أجل إدانة الشيخ رائد وإخوانه. وبالمناسبة، مثل هذه المسوغات لا تجرؤ الأجهزة الأمنية الصهيونية على طرحها عندما يدور الحديث عن محاكمة الإرهابيين اليهود، فهؤلاء يسمح لموكليهم بالاطلاع على جميع المواد ويسمح لهم بالرد عليها وإعداد ردود عليها، على الرغم من أن هؤلاء متهمون بعمليات قتل وتخريب واسعة النطاق. والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف يكون بإمكان فريق الدفاع عن الشيخ رائد أن يعمل في ظل عدم قدرته على الاطلاع على بعض المواد المتعلقة بما تعتبره الأجهزة الأمنية أدلة على علاقة الشيخ رائد بالتهم المنسوبة إليه؟ وهي تمويل أنشطة حركة حماس في قطاع غزة، والاتصال بممثلي حركات ودول معادية للدولة العبرية.

تبريرات واهية
أثناء محاكمة أعضاء التنظيم الإرهابي اليهودي الذي عمل مؤخراً في مدينة حيفا ضد الفلسطينيين وضد ممثليهم السياسيين، ومن بين ذلك إقرار أعضاء هذا التنظيم بالتخطيط لاغتيال النائب عصام مخول أحد قادة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، تبين أن أعضاء التنظيم حصلوا على مساعدات مالية من عائلات يهودية في مدينة حيفا، مع علم هذه العائلات أن هذه الاموال ستستخدم في الاعتداء على العرب في المدينة، ومع ذلك فإن النيابة العامة لم تطالب باعتقال الذين قدّموا الأموال لأعضاء التنظيم الإرهابي. لكن الجهاز القضائي الإسرائيلي العنصري الذي يعتقل الشيخ وإخوانه منذ أكثر من عام، لا يجرؤ على القول إن الأموال التي تجمعها الحركة الإسلامية داخل الأراضي المحتلة عام 48 تستخدم في عمليات المقاومة التي تنفذها حركة حماس، لكنها تتبع منطقاً أعوج في تبرير مواصلة اعتقاله. وتقول النيابة العامة إن قيام الحركة الإسلامية التي يقودها الشيخ بتقديم مساعدات لأبناء الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في عمليات نفذتها حركة حماس يعني في الواقع تشجيعاً على مواصلة عمليات المقاومة التي تقوم بها الحركة، مع أن الحركة الإسلامية تقوم بكفالة حتى أبناء العملاء الذين قتلوا على خلفية تورط آبائهم في أنشطة خيانية صرفة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الطابع السياسي للمحاكمة. وهنا يتوجب أن نشير الى أن الدولة العبرية نفسها تتولى رعاية عائلات الإرهابيين اليهود الذين أدينوا بقتل عشرات الفلسطينيين، فعائلة المجرم باروخ جولدشتاين، منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل والتي استشهد فيها تسعة وعشرون فلسطينياً، تحصل على مساعدات مالية كبيرة من الدولة بشكل منتظم، فضلاً عن التبرعات التي تصل لهذه العائلة من الكثير من الجمعيات، بعلم الدولة.

نزع الشرعية عن الحركة الإسلامية
الحملة ضد الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر والتي انتهت باعتقال الشيخ رائد صلاح وإخوانه، كانت في الحقيقة نتاج مخطط إسرائيلي يُجمع عليه أركان اليسار واليمين في الدولة العبرية ويهدف إلى نزع الشرعية عن الحركة الإسلامية، وقيادتها. العداء للحركة الإسلامية ولشخص الشيخ صلاح تجاوز التباينات الأيديولوجية بين الصهاينة، فنجد أن أول من دعا إلى إخراج الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح عن نطاق القانون، هو رعنان كوهين، أحد قادة حزب العمل الإسرائيلي، الذي اعتبرها معضلة استراتيجية للدولة العبرية. وبعد ذلك امتدت الدعوات لتشمل جميع الأطياف السياسية الصهيونية. في هذه الأثناء واصلت الأجهزة الأمنية العبرية جمع ما تعتبره أدلة على تواطؤ الحركة الإسلامية وتآمرها ضد الدولة العبرية.
الوزير السابق رفائيل إيتان، والذي كان في حينه وزيراً للتعليم في عهد نتنياهو كشف النقاب عن وثيقة قدمتها الأجهزة الأمنية للحكومة وتدعوها إلى التعامل مع الحركة الإسلامية كخطر استراتيجي. لكن الأجهزة الأمنية الصهيونية اختلفت في طريقة التعامل مع الحركة. ففي حين انساقت بعض الأجهزة الأمنية إلى الدعوات إلى إخراج الحركة الإسلامية عن نطاق القانون ومنع مشاركتها في الانتخابات البلدية، فضلاً عن إغلاق مؤسساتها، واعتبار أعضائها خارجين عن نطاق القانون، فإن أجهزة أمنية أخرى رأت أن إخراج الحركة الإسلامية عن نطاق القانون الإسرائيلي يعتبر خطوة ((غير حكيمة))، وارتأت هذه الأجهزة أن ذلك يعني أن يتجه أعضاء الحركة الإسلامية للعمل السري ضد الدولة العبرية بما قد ينتج عن ذلك نتائج مأساوية على الدولة العبرية وأمنها، على اعتبار أن الحديث يدور عن حركة ذات حضور قوي وشعبية واسعة.
من هنا جاء تركيز الدولة العبرية على التعامل الأمني الانتقائي مع الحركة الإسلامية هو ((الأسلم)) في الوقت الحالي، حسب اعتبارات الدولة العبرية، وقد جاء اعتقال الشيخ رائد صلاح وتقديمه للمحاكمة جزء من هذا التعامل الأمني الانتقائي، الذي توافق عليه المستويان الأمني والسياسي في الدولة العبرية، بغرض شلّ الحركة الإسلامية وإرباكها بعد اعتقال قيادتها.

نتائج معاكسة
حسب كل الدلائل فإن الحملة الأمنية الانتقائية ضد الحركة الإسلامية وقائدها الشيخ رائد صلاح قد أدت إلى نتائج عكس المرجو منها، فالحملة زادت من التفاف جماهير الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة عام 48 حول الحركة، وكرست مكانة الشيخ رائد صلاح كقائد بالنسبة للإسلاميين ولغيرهم، في الوقت نفسه حددت هذه المحاكمة بالنسبة للجماهير الفلسطينية معالم القيادة التي يراهن عليها الجمهور الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 48، وهذا ما أدى إلى حالة التضامن غير المسبوقة التي عبرت عنها جميع ألوان الطيف السياسي الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة عام 48، حتى من قبل تلك الجهات التي كانت تعتبر نفسها في حالة تنافس مع الحركة الإسلامية.
ولم يعد ينطلي على الجماهير الفلسطينية هناك مزاعم الدولة العبرية بأن محاكمة الشيخ رائد صلاح تأتي في أعقاب اكتمال ملفه لدى دوائر المخابرات، سيما بعد أن تبين أن هذا الملف غير مترابط ويناقض ذاته، وعرف الجميع أن الأمر يتعلق بسياسة عامة وشاملة تستند إلى إرث العداء الصهيوني ضد الفلسطينيين بشكل عام، وخصوصاً ضد أولئك الذين يصرون على التصدي لمخططات الدولة العبرية، وعلى رأسهم الشيخ رائد صلاح.
 

يحمل القضايا ولا يرتاح


ولد الشيخ رائد صلاح عام 1958 في مدينة أم الفحم. درس فيها المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، ثم أكمل تعليمه الجامعي في كلية الشريعة بمدينة الخليل. اعتُقل بتهمة الارتباط مع منظمة محظورة -أسرة الجهاد- عام 1981، وبعد عملية تبادل الأسرى بين القيادة العامة والإسرائيليين، خرج من السجن وفرضت عليه الإقامة الجبرية، فعمل بعدها في المهن الحرة. تزوج عام 1985 وعمل عام 1986 محرراً في مجلة ((الصراط)) الشهرية الإسلامية حتى نهاية عام 1988، في مطلع عام 1989 خاض انتخابات رئاسة بلدية أم الفحم عن الحركة الإسلامية، ليحصل على رئاسة البلدية بنسبة 70% من أصوات الناخبين، وانتخب مراراً كرئيس للبلدية إلى حين استقالته منها عام 2001م.
الشيخ رائد صلاح أصبح رئيساً للحركة الإسلامية عام 1996، ثم رئيس ((مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية)) ورئيس ((مؤسسة الإغاثة الإنسانية))، وذلك على إثر الانقسام الذي حصل في الحركة الإسلامية في ذلك العام نتيجة اختلاف الرؤى حول خوض انتخابات الكنيست الإسرائيلي، حيث اختار الشيخ عبد الله نمر درويش مؤسس الحركة ومن وافقه موقف المشاركة بنواب عن الحركة في الكنيست، بينما اختار الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال الخطيب ومن وافقهم عدم الخوض في الانتخابات، مما أدى إلى بروز حركتين إسلاميتين منفصلتين.
الشيخ رائد صلاح أخذ على عاتقه مهمة إعمار وإحياء المسجد الأقصى المبارك وإحباط كل محاولات الاعتداء عليه، وخلال هذه السنوات شنّت عليه حملة رسمية من قبل أذرع المؤسسة الإسرائيلية والإعلام العبري وراحوا يتهمونه بالإرهاب وتهديد أمن الدولة، وتعرض للتحقيق والمنع من السفر خارج فلسطين ومنع من دخول المدارس الثانوية والجامعات لإلقاء المحاضرات في المناسبات العامة، واستمرت الحمله في ازدياد.
وفي ليل 13 أيار/مايو عام 2003 قام أكثر من ألف عنصر من قوات الأمن الإسرائيلي باعتقال الشيخ رائد صلاح من جانب والده المحتضر في مستشفى الخضيرة، بالإضافة إلى 13 من قيادات ونشطاء الحركة، وأشرف على حملة الاعتقال كل من: رئيس جهاز الأمن العام ((الشاباك)), ومدير عام شرطة (إسرائيل).
لم تقف الحركة الإسلامية مكتوفة الأيدي إزاء اعتقال الشيخ رائد صلاح فقد شرعت في حشد ثلاثين ألفاً ليخرجوا في مظاهرات احتجاج وتضامن في جميع القرى والمدن، كما نصبت عشرات خيام الاعتصام في أنحاء القرى والمدن وأسرعت في إرسال رسالة إلى ثمانين سفيراً وقنصلاً أطلعتهم فيها على حقيقة اعتقال الشيخ رائد صلاح، كما وجهت نداء عاجلاً للهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان للتدخل بسبب الوضع الصحي للشيخ رائد.
كما تحرك بعض الساسة كالنائب طلب الصانع مطالباً وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الإفراج الفوري عن الشيخ رائد صلاح، ومحذراً الحكومة الإسرائيلية من العواقب. وتمّ تشكيل ((اللجنة الشعبية للدفاع عن معتقلي الحركة الإسلامية)) تضم ممثلين عن الأحزاب والحركات السياسية وجمعيات حقوق الإنسان في الداخل الفلسطيني.
كما شهد مهرجان ((الأقصى في خطر)) السنوي هذا العام حشوداً لم يسبق أن شاركت في الأعوام السابقة، فاحتشد ما يناهز 100 ألف من فلسطينيي 1948 المهرجان الذي خُصّص لدعم قضية ((رهائن الأقصى)).
كما قامت أكثر من 150 شخصية أكاديمية وسياسية بنشر بيان عبر صحيفة ((هآرتس)) الإسرائيلية تطالب فيه التوقف عن الملاحقات السياسية وإطلاق سراح الشيخ رائد صلاح وإخوانه، واحتشد الآلاف أمام المحكمة في كل موعد جلسة مطالبين بالإفراج عن المعتقلين.
 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003