فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

May2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
بشارة النصر
رمز المقاومة
قائد صلب
لم تخفه السجون
خطر وجودي على العدو
صلاح الرنتيسي
أحمد الرنتيسي
إجماع فلسطيني
إدانة عربية
الحركات الإسلامية
إجماع دولي
الأجنحة العسكرية
قادة غزة
ما يقوله الصحفيون
مرج الزهور تبكيه
د.موسى أبو مرزوق
التفاف فلسطيني
الشارع العربي
قراءة سياسية
قيادات عربية وإسلامية
قلق الصهاينة
الشيخ والثقافة
حمزة هذا الزمان وحسينه
شهادات في الشيخ
الشيخ رائد صلاح
النهار على مقربة
هدية العدد
لوحات فنية
صور أخرى

 

شيخ الشهداء.. أحمد ياسين
حمزة هذا الزمان وحسينه


الدكتور محمد عبد الله الجعيدي
أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة مدريد

الإمام الصالح الفقيه والقائد العادل النزيه أبو محمد أحمد بن إسماعيل الياسين الجوراني الفلسطيني الموحِّد، المرتقي إلى العُلى، بعد أدائه صلاة فجر يوم الاثنين، الثامن والعشرين من محرم الحرام، سنة 1425 للهجرة/ 22- 3- 2004م. يا طليق النفس والروح والإرادة؛ ويا رهين المحابس؛ محبس علّة الجسد، ومحبس الاحتلال علّة الوطن، ومحبس تشريد شعبك وأوجاعه، نقف اليومَ بين يديك، وحسب اليراع والقوافي من جلال القَدرِ عن وصف يدِقُّ!
أنت الأحمد التابع إصلاحاً وإحساناً، وإسماعيل الابن تضحية وعطاءً، والياسين حاضن الذكر الحكيم دعوةً وفرقاناً.
أيها الشيخ الجليل. يا أبا اليتامى والأرامل، والثكالى والمحتاجين، يا إمام المجاهدين والمحسنين، كان مولدك بشرى، حملَتها إلينا انتفاضةٌُ على الانتداب الصهيوفرنجي، اشرأبت مقاومةً، بعز الدين قسَّاماً. واليوم، تقف انتفاضة الأقصى، بلحم شعبها حياً، تذود عن الأرض والعرض وعن العقيدة والأمة وعن البقاء، بك أحمداً وياسيناً.
يا حمزة هذا الزمان الفلسطيني وحُسينه، بيد يهودا الخائن، الخارج على كل قانون أو شريعة، قتلتك الأنظمة الرسمية القائمة على المحسوبية والزبائنية والتبعية والرذيلة. قايض الطواغيتُ الخونة دمَك، مع العدو المتجبّر وراعيه المستكبر، بتفويض جديد للبقاء في كراسٍ متهافتة ذليلةٍ، فما أغنى عنهم غدرهم بك وبشعبك وبقضيتك، وما كسبوا بضلالهم وخطاياهم تزلفاً للمفسدين في الأرض، أعداء الله والإنسان والأوطان.
يا ابن طه، بكل ما أصابه من غدر أبناء الحقد والجريمة حاملِي أيديولوجية القتل اليهودية. أيها المؤمن بالمسيح نبياً ورسولاً، وشاهداً على جرائم حاملي أيديولوجية التلمود وغدرهم. هذي فلسطينُك، هذي مريم الطهور، في هذا الزمن الموبوء بالإرهاب اليهودي، والعدوان والاغتصاب الصهيوفرنجي، والاستسلام والتخاذل الرسمي، تحتضنك على كرسيك، والقاتل هو القاتل وإن اختلف عرقُه وموطنه، فالقصد واحد والخطيئة واحدة والجريمة متناسخة.
كنتَ، أبا ذر، على ذلك الكرسي، بالعيون ننظر إليك، بينما راحت القلوب والأذهان والذاكرة، تحلّق في أفق كل قرية وكل مدينة وكل مسجد وكل كنيسة تحتضنها أرض الوطن، حيث كنت في كل واحد من هذه الأمكنة حاضراً، روحاً وسيرةً، ورمزاً وقدوةً، بينما العين المجردة ترنو إليك وتعانقك، على كرسيك المتواضع، عند باب تلك الردهة التي كانت تحتضن مؤتمرنا العلمي العالمي الأول، في جامعة غزة الإسلامية.
فيا ابن جورة عسقلان وأقنوم هذا الزمان، ويا ابن غزة هاشم وخليل الرحمن، ويا ابن القدس وبيسان، أنت العلامة البارزة في تاريخنا الفلسطيني المقاوم، وأنت الشاهد الأبرز على حقيقة أنْ ما ضاع حقٌ وراءَه مطالب.
فقد أدركت مبكراً، بحسّك الإنساني وجرحك الفلسطيني، وقد أنضجتهما سنواتُ النفي والاغتصاب، أنَّ الأيديولوجية الصهيوفرنجية قد حكمت على العرب، مسلمين وغير مسلمين، وعلى المسلمين، عرباً وغير عرب حكماً بالإبادة، لا سبيل لاستئنافه، في عالم متسافل، لا قيمَ فيه ولا موازين ولا ضوابط، إلاَّ بالمقاومة، بكل أشكالها، على قاعدة أنَّ هذا النوع من الدفاع عن النفس مستمر ما دام العدوان قائماً على أرض الإسراء والمعراج، ليدرك الغاصبون المغيرون، على بلادنا، من أنتَن الأوكار، خلف البحار، أنَّ الصهيوفرنجية أو الردة المسيحية التي لفظتهم، ثم مكّنتهم من اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، لن تستطيع، وإنْ جهدت، توفير الأمنَ لهم، في ديارنا.
يا أخا القسَامِ إعزازاً للعقيدة وافتداءً لفلسطين. يا أحمد الياسين. في قمم الأعراب، ضعفت النفوس، فثقلت عليها المكوس؛ وفي غزة ومزارع شبعا والفلّوجة اشرأبَّت بك العزيمةُ، فولّى شبح الخنوع والهزيمة، واتسعت جغرافية المقاومة في العراق، وغدت المواجهة مع الاحتلال حتمية، وحملت فصائلُها المجاهدة اسمَك نبراساً وبيارق تحرير عربية إسلامية، لا مكان في نفوس حامليها المؤمنة الأبية، لا للخيانة، ولا التبعية والجاسوسية.
كنتَ، أبا محمد، الصِدِّيق الصادق في التعبير عما يكمن في صدورنا ويجول في خاطرنا، من أمل في عيش كريم، على تراب وطننا، تتحقق به إنسانيتُنا، ويكون لنا وحدَنا، كغيرنا، الخيار في اختيار حاضرنا ومستقبلنا. كنت، أبا محمد، الشهيد الشاهد على تآلب البعيد والقريب، على شعبنا ووطننا، وعلى عقوق أقربين، ما زالوا يتطلعون ويحلمون، بقهر مدننا وقرانا ومخيماتنا، من على ظهر دبابة إسرائيلية، أو من تحت مظلة تهبط من أباتشي أمريكية. كنت شاهد صدق على جهادنا وتضحياتنا، وتشردنا ومعاناتنا، وكنت صادقاً في طلب الشهادة، سبَّاقاً إليها، من أجل انتزاع حريتنا، وتحرير وطننا ومقدساتنا، فما كنت صاحب مصلحة ولا حالماً ((بمنصب؟!))، تشتريهما بمصالحنا وحقوقنا، وتدفع ثمنهما من لحمنا وقوت أبنائنا، وكرامتنا وأرضنا.
يا أبا محمد، لله درّك، أنت الحي بيننا وفينا، وأنت الحي بين أموات زماننا الأحياء، فما قتلوك بصواريخهم، وما مزّقوا جسدك الطاهر ببراثنهم وأنيابهم الخبيثة، ولكنْ شُبِّهتَ لهم، وهم، من عمى البصيرة والحقد، لا يعلمون.
يا ثالثَ العُمَرَين عدلاً وزهداً، وتواضعاً وتسامحاً، عشت مهاجراً مجاهداً، ومتَّ شهيداً، فكانت حياتك، كما استشهادك، فضلاً من الله علينا ونعمة، فابتهلنا إليه أن نكون معك، يومَ لا ينفع مال ولا بنون، نجاةً بالنفس من مهالك ((ليالي غزة وكازينو أريحا)) وأوزار مقيميها ومالكيها ومرتاديها، ممن تنصبوا فهادوا وحاق الحق في صدورهم وفسُد الدم في عروقهم، وارتشوا ففسقوا وفرطوا وطغوا وتجبروا، وأصبحوا عيناً وسُمّاً للعدو على مجاهدينا وعلينا، وعبئاً يثقل كاهل شعبنا وينتهك حرماتنا، ويقتل قضيتنا، ويمكّن الغاصبين من حقنا ومنا.
يا خالد الذكر، في القلوب والتاريخ. يا سيف الله المسلول، في حياتك ومماتك. إنَّ مَنْ تنادوا، من الأعراب، إلى منتجع الشرم سنة 1996 وتدافعوا، للتباكي على يهود الخزر، وإدانة دفاع المقاومة الفلسطينية عن شعبها، بما في اليد من حيلة وحجر، قد تخاذلوا، قُبيل انعقاد قمة تونس الموؤودة عن مجرد نصرة شعبك، واستنكار جريمة الغدر الصهيوفرنجي بجسدك المُقعَد.
فمنهم، قُبَيل المكيدة وبُعيدها، من جدد، بالوراثة، العهدَ لتشرشل، منادماً شارون القاتل، مُثمَلاً بأنخاب الغدر معه والجريمة. ومنهم من نادم سفيره، وعقر له، كامرئ القيس. ومنهم من يمم الوجهَ نحو البيت الأبيض، حمَّال مذلة هبَّاط عزيمة، للعهد والأوطان خوّانُ. ومنهم من تواطأ في تحضير مشروع مكيدة، يحمل بصمات أعراب أُوسلو الغبية وأختامهم الكريهة، للرد على جريمة اغتيالك بإدانة مقاومة شعبنا المشروعة ضد الاحتلال، وتجريدها من أقوى أسلحتها إنسانية وفعاليةًً، في ردعه، ورده عن جرائمه وشروره المتطايرة.
كانت المهمة الموكلة إسرائيلياً وأمريكياً، إلى أولئك الأعراب، والمرتدين منهم في أُوسلو بخاصة، حمايةُ الكيان الغاصب من المقاومة الشعبية الفلسطينية، وتوفير هروب آمن، لشارون الخزري ومستعمريه وعسكرييه القتلة، من قطاعنا الصابر، لا يجرح غروره الصهيوني، المستهتر بدمنا وحقوقنا، وقيمنا ومقامنا.
على تراب جورة عسقلان، يا فارس المكان، درجت خطواتك الأولى. وفي ذلك المسجد العُمري، على أطرافها، قد تكون، أيها الشيخ المهيب، قد أديتَ أولى صلواتك، خلف مشهد الحسين، على جده وعليه أطيب السلام، حيث ثوى رأسه الشريف قبل نقله، في سنة 549هـ/ 1153م، إلى القاهرة، حاضرة الصلاحَين الصالحَين، مُجترِحَيّ النصر لأمتنا وعقيدتنا، على الفرنجة الغاصبين، في عكا وقبلها حطين، على أرض فلسطين.
كنتَ في ذلك المزار الطهور تسبّح بحمد الله، وترفع الرأس شاكراً حامداً متضرعاً، بين يديه، أن يمنَّ عليك بشهادة كشهادة صاحب المزار. وها أنت، يا أبا محمد، قد نلتها في أسمى معانيها، فهنيئاً لك بها، وهنيئاً لشعبنا الفلسطيني، ولأمتنا ولفلسطيننا، بك وبشهادتك.
سجَّل التاريخُ أن القائد الاستشهادي المعروف بـ((الكامل))، صاحب ميافارين الذي قاوم الغزاة التتار، على أبواب فلسطين، حتى الشهادة، فجزّوا عنقه، إلا أن المسلمين تمكنوا من استخلاص الرأس ودفنوه في المشهد المذكور. فهل كان هذا الدرس أيضاً من حصيلة ذكريات الطفولة في ذهنك، يا شيخنا، وأنت الأقرب إلى المكان وابنُه؟!
يا توأم الأحمدين، أمام صمود عكا، وتحت أسوارها، هُزِم نابليون الفرنجي ودفن أحلامه، عائداً من حيث أتى، لا يلوي على شيء؛ وها هو شارون اليهودي، أمام مقاومة غزة، وفي سوافيها الرملية، يدفن أحلامه، وسيعود، بعون الله وسواعد المقاومة، من حيث أتى، لا يلوي على شيء. فهذه فلسطيننا الكنعانية العُمَرية رقم صعب، في حساب الحق والهوية، لا تقبل القسمة على سوانا.
من الجورة، مسقط رأسك، في حزيران 1936، إلى مثواك الأخير في غزة هاشم والإمام الشافعي، فالمسافة ليست بعيدة، ولا الزمن بحساب الشعوب والتاريخ طويلٌ؛ فرأس الحسين قُطع، عن جسده، في كربلاء، وحُمِل إلى مزار الجورة، ورأس الكامل جُزَّ في خطوط المواجهة مع التتار في أكناف فلسطين ونُقل إلى المزار عينه، ورأسك أنت، يا ابن الجورة، قطعَته، غدراً وخِسّةً، ثلاثةُ صواريخ فرنجية تلمودية جبانة على أبواب مسجد المجمع الإسلامي بغزة، سيحمله قريباً أبناءُ غزة وحيفا، والناصرة ويافا، تحت رايات الانتفاضة، إلى ذلك المزار الشريف، جنوب شرقي الجورة، ونعود جميعاً، نحن المثقلين بعبءٍ، كنتَ تحمله، أنت المحمول، من قبلُ ومن بعدُ، في قلوبنا وأرواحنا، فنصلي هناك صلواتك الأولى، في المكان نفسه، وإن اختلف الزمان قليلا، نقف ونركع، ونسجد ونرفع، وندعو الله بما دعوت، إنه السميع المجيب.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003