|
































| |
|
قراءة سياسية في الحالة الفلسطينية
الداخلية بعد اغتيال القائدين ياسين والرنتيسي |
|
القدس/مها عبد الهادي
شكّل تاريخ الثاني والعشرين من آذار/مارس اليوم الذي شهد اغتيال مؤسس حركة حماس
الشيخ أحمد ياسين منعطفاً في التاريخ السياسي للشعب الفلسطيني، بل إن هذا اليوم
بات يشكل مرحلة جديدة ليس فقط في عمر حركة حماس ومسيرتها، بل وفي الحياة
السياسية الفلسطينية وتحولاً في اتجاه القضية الفلسطينية.
فرغم أن عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين وبعده اغتيال د. عبد العزيز الرنتيسي
شكلتا نقلة نوعية جديدة في حرب الحكومة الصهيونية اليمينية المتطرفة بقيادة
شارون وموفاز ويعالون ضد الفلسطينيين، والتي طالت جميع الشخصيات القيادية في
الحركة السياسية منها والعسكرية، إلا أن هذه الحركة ذات الهيكلية النادرة
تجاوزت الأزمة واستعدت بناءً على تجاربها السابقة والأزمات التي عصفت بتاريخها
إلى أسوأ الاحتمالات، واستطاعت أن تدير بقوة الحياة السياسية الفلسطينية وسط
التلاوين السياسية الأخرى على الساحة الفلسطينية.
وكما يصف الكثير من المحللين فإن توجهات السياسة الداخلية الفلسطينية ممثلة
بعناصرها المختلفة: السلطة، السلطة والمقاومة وعلى رأسها حماس، حماس وقوى
المقاومة الأخرى، وبين حماس والشارع الفلسطيني، والعلاقة الداخلية في حماس باتت
تتجه إيجابياً بما يتفق ونبض الشارع الفلسطيني.
ويمكن حقيقة بعد رحيل القائدين الشيخ أحمد ياسين ود. عبد العزيز الرنتيسي رسم
صورة الحالة السياسية الفلسطينية بتركيباتها المختلفة من خلال المؤشرات
التالية:
أ- العلاقة بين حماس وقوى العمل السياسي الأخرى:
حاول شارون عبر عمليات اغتيال رؤوس حماس استفزاز الفلسطينيين لتحقيق عدة أغراض
منها:
1- قطع الطريق على التفاهمات الفلسطينية التي كانت في طريقها إلى النضوج، بين
مختلف الفصائل الفاعلة لا سيما بين حركتي فتح وحماس، سواء بما يتعلق بكيفية
التعامل مع فرضية الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة، أو بما يتعلق
بإمكان التوصل إلى استراتيجية سياسية وميدانية للانتفاضة؛ وذلك لإبقاء الخلافات
الفلسطينية على حالها.
2- محاولة تقويض بنية المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وترتيب الأوضاع الأمنية
فيه، بما يتلاءم مع مصالح (إسرائيل)، قبل الانسحاب المزمع منه بحسب خطة شارون.
3- استدراج الفلسطينيين إلى ردّة فعل عنيفة وغير محسوبة، ما يسّهل عليه
الاستفراد بهم والإمعان في البطش بهم عبر القيام بردّ أكثر عنفاً، مستنداً إلى
جبروت (إسرائيل) من الناحية العسكرية.
4- الإبقاء على خياره الأمني والتملّص من الضغوط التي تحثه على فتح مجال
للخيارات السياسية.
لكن شارون في الجانب الذي أغفله وحّد الفلسطينيين والقوى السياسية فيها على هدف
واحد هو هدف المقاومة، وبدل أن تتشتّت الساحة الفلسطينية زادت تقارباً وتآلفاً
في عدة مظاهر:
1- تعزيز الحوار الوطني: ظهرت في الأيام الماضية مؤشرات انفراج في الحوار
الوطني الفلسطيني، حيث بدأت الفصائل المختلفة المنضوية تحت لواء منظمة
التحرير الفلسطينية وكل من حركتي حماس والجهاد, حواراً جاداً على قاعدة
المساواة بين القوى المتباينة لغرض تشكيل قيادة سياسية موحدة.
2- توحيد الإرادة: وفرت عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين فرصة نادرة للفلسطينيين
حتى يوحدوا إرادتهم السياسية إزاء قضيتين أساسيتين:
القضية الأولى: الاتفاق على كيفية إدارة شؤون شعبهم، في حال أقدمت (إسرائيل)
على الانسحاب من قطاع غزة بما يضع حداً لحالة الفوضى والفلتان الأمني، وبما
يسقط رهان شارون على عدم قدرة الفلسطينيين على تقديم نموذج في غزة، يساعدهم على
مواصلة نضالهم لتحرير كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية
حرة ومستقلة وعاصمتها القدس، وحل مشكلة اللاجئين.
القضية الثانية: الاتفاق على استراتيجية وطنية واقعية واحدة، وخطة واحدة،
وقيادة واحدة وتعمل على تحقيق الأهداف والحقوق الوطنية عبر كافة أشكال النضال
والمقاومة القادرة على تحقيقها وإنجازها. فاستراتيجية العمل الوطني الفلسطيني
إذا توحدت انطلاقاً من فهم مغزى اغتيال الشيخ أحمد ياسين، تقدّم رداً
استراتيجياً على هذه الجريمة النكراء.
والواقع أن استجابة حماس للمشاركة في العملية السياسية تنطوي على عدد من
المضامين المهمة. فبعد اغتيال زعيمها الشيخ أحمد ياسين راهنت أوساط إسرائيلية
على زيادة نفوذ التيار المتشدد داخل الحركة كرد على هذه العملية الإجرامية,
في حين كشفت التطورات عن صعود واضح للتيار المعتدل. لأن حدوث الانسحاب في ظل
غياب حماس عن المشاركة الواقعية, قد يجعلها خارج الحسابات الإقليمية ويتعزز
اتهامها بالتطرف. كما أنها تشير لانتقالها من حركة للمقاومة إلى قيادة وطنية
تجيد التعامل مع المستجدات, مادامت تحافظ على ثوابتها.
واللافت للانتباه أيضاً أن السلطة الفلسطينية تدعم مشاركة القوى الأخرى. ولعل
إدراج ممثلين عن حماس والجهاد والشعبية ضمن الوفد الفلسطيني في قمّة تونس
المؤجلة, يرجّح تراجع ممانعاتها حيال مبدأ ((شركاء في المقاومة.. شركاء في
القرار السياسي)) الذي تتبناه حماس, ويهدف دعم رئيس السلطة الفلسطينية للحوار
في هذه المرحلة, إلى رغبة منه في تأكيد مكانته ومركزية دوره في العملية
السياسية. فالمؤشرات الظاهرة تعطيه وضعاً متميزاً عند تشكيل القيادة الوطنية
الموحدة. مما يساعده على مواجهة المتحفظين على استمرار دوره المحوري داخل
حركة فتح.
كما أن مشاركة العقيد محمد دحلان في الحوار ترمي إلى رغبة في إنهاء ما يتردد من
حساسيات بينه وبين حركتي حماس والجهاد. ويعيد تصويب مسار علاقته المتوترة مع
الرئيس عرفات. ويضاعف, ضمن عوامل أخرى, من ملامح الإجماع الفلسطيني حول
الحوار.
وتبدو الجولة الأخيرة من الحوار جادة في الاتفاق على أجندة مشتركة. لأنها
تطرقت إلى جملة من التفاصيل الدقيقة. وظهر في الأفق إدراك عام ومسؤول لخطورة
الأجواء الإقليمية والدولية الراهنة. وهو ما يفرض ترتيب البيت من الداخل عبر
الوصول لتفاهمات وطنية موحدة.
وكانت حماس قد شاركت مع الفصائل الأخرى في نقاشات سابقة بهدف التوصل إلى صيغة
قيادة موحدة، إضافة إلى المبادرة التي قيل بأن حماس تعدّها بشأن الأوضاع في
قطاع غزة بعد الانسحاب، والقوى الفلسطينية صوّرت موقف الحركة بأن حماس بدأت
تميل أكثر للانخراط في إدارة الحياة العامة وليس الاقتصار على العمل الجهادي.
وهيأت الظروف عقب اغتيال الشيخ الفرصة أكثر لحماس بعد أن زادت شعبيتها وتصاعدت
قوتها في الشارع الفلسطيني، بشكل بات يؤهلها لطرح خطة إنقاذ للوضع الفلسطيني
تقوم على برنامج مرحلي تلتقي عليه كافة الفصائل.
لكن لا تخلو المسألة من خلافات في حاجة لتذويبها. فقد ربطت حماس المشاركة في
إدارة غزة بمدى وطبيعة وآليات الانسحاب منها. ولا يزال هناك تباين إزاء
محددات وقف إطلاق النار والنطاق الذي تعمل فيه المقاومة وأهدافها في
(إسرائيل).
وإذا كانت حماس قبلت بتعديل في خطابها وأولوياتها, فإن المعلومات المتوافرة
من (إسرائيل) والولايات المتحدة تشير إلى رفض مشاركتها السياسية. لأن نتائجها
تقود إلى أحد خيارين: إما وصف السلطة الفلسطينية بالإرهاب أو رفع هذه التهمة
عن حماس. وفي حصيلتها تدحض الاتهامات التي ترميها بالتطرف. من هنا لا
يستبعد بعض المراقبين قيام (إسرائيل) بعملية كبيرة, مثل اغتيال شخصيات مؤثرة
من فصائل مختلفة. ما يتسبب في خلط الأوراق السياسية والعودة إلى المربع الأول
من التأزم.
خلاصة القول أن دماء الشيخ الشهيد فاضت ببركتها، لتشمل الواقع الفلسطيني
بمجمله، فعززت الوحدة الوطنية، وشكلت حماية من محاولات البعض تفجير الساحة
الفلسطينية، ومحاولة آخرين تقديم مزيد من التنازلات على صعيد حقوق الشعب
الفلسطيني في مؤتمر القمّة العربية.
ب- ولادة جديدة للمقاومة:
والنقطة الأخرى المهمة أن دماء الشيخ الطاهرة وحدت الصف الفلسطيني على خيار
المقاومة، ليصبح الخيار الوحيد لكل الفصائل الفلسطينية.
فوقائع التاريخ تؤكد أن هذه العملية التي استهدفت الشيخ أحمد ياسين هي أول
الطريق لسقوط (إسرائيل)، وهي الولادة الجديدة للمقاومة لا انحسارها، لأن تاريخ
الإسلام شاهد على أن القائد إذا قتل صار رمزاً يستلهم منه المسلمون فقه حركتهم
ووقودها وعنفوانها وهذا الذي سيحدث في فلسطين. ويمكن لمس عناصر التغيير فيما
يلي:
1- تغير نهج المقاومة وعرفها بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين، كما يستشف من
تصريحات الاجنحة العسكرية للفصائل جميعا بما فيها ((كتائب شهداء الأقصى))
و((كتائب أبو الريش)).
فاغتيال الشيخ ياسين كشخصية دينية سياسية وضع المقاومة الفلسطينية على المحك،
والأهداف الإسرائيلية التي كانت محظورة قبيل الاغتيال أصبحت بعد استهداف الخط
السياسي الأول في القوى الفلسطينية مسموحة الآن، وكل الفصائل باتت تنتظر الفرصة
المواتية لاقتناص الأهداف.
2- تحوّل العلاقة بين عناصر المقاومة الفلسطينية إلى علاقة تكاملية، حيث خلقت
الانتفاضة المجيدة نوعاً من التعاون الميداني بين الفصائل، وهنا يمكن القول أن
القادة الميدانيين تجاوزوا ببنادقهم خلافات القادة السياسيين وعملوا معاً يداً
بيد.
والشواهد على ذلك كثيرة خصوصاً تكرار العمليات المشتركة بين الأجنحة المسلحة
الفلسطينية وإكمال المقاومين أحدهم دور الآخر في تنفيذ تلك العمليات.
3- توجهات المقاومة حالياً إلى صوغ استراتيجية مشتركة سياسية وميدانية للعمل
المقاوم على أساس الاقتصاد بالقوى، في معركة هي بطبيعتها طويلة الأمد ولا تحسم
بضربة قاضية.
وما يمكن قوله هنا أن المقاومة الفلسطينية بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين وكسر
(إسرائيل) لحاجز الاغتيالات السياسية باتت جميعها في ميزان إسرائيلي واحد ودقّ
ناقوس الخطر بالنسبة لها جميعاً، وهو ما يقول بأن تطوراً نوعياً ستشهده
المقاومة الفلسطينية في المستقبل القريب على صعيد هيكليتها وأدائها.
ج- العلاقة بين حماس والسلطة:
يتفق الكثيرون بأن هناك متغيرات جوهرية طرأت على الوضع الفلسطيني الداخلي. فكما
قلنا قبل قليل كان من الملاحظ تزايد اهتمام حماس بالمشاركة السياسية خصوصاً في
الأشهر الأخيرة قبيل وعقب اغتيال الشيخ، كاستجابة للتحديات والمخاطر التي تواجه
القضية الفلسطينية، وأداة تجسيدها الحركة الوطنية الفلسطينية.
فقد أصبح رأس حماس مطلوباً أيضاً، وأصبحت حماس بالتالي بحاجة أكبر للانضواء تحت
مظلة الشرعية الفلسطينية، مثلما أصبح النظام السياسي الفلسطيني بحاجة ملحّة
لمشاركة حماس. فلم يكن مصير السلطة والمعارضة مرتبطاً كل منهما بالآخر مثلما هو
الآن.
فالاحتلال والعدوان الإسرائيلي يستهدفهما معاً، ويريد خلق قيادة مطواعة وسلطة
عميلة، وإذا استمرت حماس والجهاد خارج النظام الفلسطيني، ستبقى حالة الفوضى
والفلتان الأمني، الناجمة عن الاحتلال والعدوان، وعن حالة التعددية في السلطات
والاستراتيجيات ومصادر القرار. وهذا يساعد الحكومة الإسرائيلية على المضي أبعد
في عدوانها وفي سياسة إسقاط الحل المتفاوَض عليه وعملية السلام، والسعي لفرض
الحل الإسرائيلي المنفرد من جانب واحد، وعلى جثّة الشريك الفلسطيني، ومحاولة
إعادة الصراع إلى المرحلة التي كانت تناقش فيها القضية الفلسطينية بمعزل عن
الفلسطينيين أصحابها الأصليين والشرعيين.
وهذا التشخيص يقول بأن السلطة لم تعد قادرة على العمل، ولن تكون قادرة على
الحياة طويلاً، ما لم تتوصل إلى اتفاق وطني شامل تشارك به حماس وكافة الفعاليات
والفصائل الوطنية والإسلامية، على أساس تحقيق الأهداف الوطنية، وبما يضمن
وحدانية التمثيل الفلسطيني.
والسلطة باتت تدرك بأن الزمن الذي كان فيه أحد يتفرد بالقرار الفلسطيني انتهى
إلى غير رجعة. فحماس والجهاد الإسلامي والفصائل الوطنية والإسلامية وصلت إلى
درجة من القوة والنفوذ التي لا يمكن لأحد بعدها أن يتجاوزها. وهناك إمكانية
لبلورة برنامج وطني جديد، يستند على خيار المقاومة، ويعمل على إعادة صياغة
م.ت.ف على أسس جديدة كلياً، بحيث يتم استيعاب المتغيرات الجديدة التي شهدتها
الساحة الفلسطينية وخصوصاً منذ أكثر من ثلاثة أعوام. والسلطة بحاجة لحماس
والفصائل الوطنية والإسلامية أكثر ما هم بحاجة لها، فمن خلال التحالف الوطني
تستعيد السلطة مشروعيتها ومصداقيتها وتكون قادرة على البقاء على قيد الحياة.
ولعل الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع وعدد من قادة
السلطة وفتح إلى بيت عزاء الشيخ ياسين ولقائهم الدكتور الرنتيسي (رحمه الله)،
تشير إلى أن طبيعة العلاقة بين الحركة والسلطة قد تتحسن في الفترة القادمة بعكس
التحليلات التي ترى عنصر التوتر وعدم الاستقرار.
ويتفق العديد من المراقبين بأن قادة الطرفين: السلطة وحماس وصلا إلى قناعات
واضحة، فلا السلطة قادرة على اجتثاث حماس أو إضعاف قوتها، ولا حماس تريد إضعاف
السلطة أو النيل منها أو إظهار نفسها على اعتبار أنها بديل.
ويضيفون أن كلا الطرفين توصلا أيضاً إلى مواقف أصبحت راسخة بأن استخدام لغة
العنف لا يمكن أن تحل المشاكل، وأن لغة الحوار هي الأفضل لتجاوز كل العقبات،
رغم تباعد المواقف السياسية بين الطرفين في ظل تمسّك السلطة بخيار التسوية
وتمسّك حماس بخيار المقاومة.
لكن هذا طبعاً يبقى رهن التطورات، فتكرار التهديدات الإسرائيلية باستهداف هرم
السلطة الفلسطينية ياسر عرفات قد تقلب معادلة الصراع رأساً على عقب، وقد تحسم
خيار السلطة التي تعيش الآن حالة من الإرباك والضبابية، وهذا الحسم قد يكون
باتجاه تبنّي السلطة خيار المقاومة وخيار الشارع الفلسطيني بشكل استراتيجي بكل
ما يترتب على ذلك من مخاطر بالنسبة لها على الصعيد الخارجي بما فيه حل السلطة
ذاتها لانتفاء الأسباب التي قامت لأجلها، إضافة إلى خسرانها دائرة الأصدقاء
العرب والغربيين، وما يعنيه هذا الخيار هو احتمالية عودة الصراع إلى صورته
الأولى قبيل مجيء السلطة.
أما الخيار الآخر المرجح أكثر فهي أن تبقى سياسة السلطة تتماشى مع المقاومة من
جانب ومع أي فرصة سياسية قد تلوح في الأفق من جانب آخر، وهو الخيار الأقرب
للتطبيق: فمن جهة تستخدم السلطة ورقة القرب من قوى المقاومة لتحسين صورتها
الداخلية واحتواء الرأي العام الفلسطيني بشكل إيجابي لها، وكورقة ضغط أخرى
ترفعها في وجه الإسرائيليين والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها العرب ((إنكم
إذا أبقيتم سياسة التهميش فإن خيارنا قد يصبح المقاومة)).
ومن جهة أخرى تبقي على هامش التسويات السياسية المحتملة في حال تغير الموقف
الدولي.
د- حماس من الداخل بعد الياسين:
على الرغم مما تحمله عملية اغتيال الشيخ ياسين من دلالات خطيرة، تشمل توسيع
رقعة استهداف القادة السياسيين والدينيين إلا أن الحركة تجاوزت الأزمة:
1- تماسك الحركة: فعملية الاغتيال لم تؤثر على البنية العسكرية والتنظيمية
لحركة حماس، مع أن (إسرائيل) حاولت الإيحاء بذلك، بل ولعبت على وتر يظهر وجود
انقسام في صفوف الحركة متمثلاً بوجود تيارين يمثلهما مشعل والرنتيسي. إلا أن
ذلك أُسقط لكون الشيخ ياسين ليس له علاقة مباشرة بالعمل العسكري، مثل الشهيدين:
إبراهيم المقادمة وصلاح شحادة اللذين اغتيلا سابقاً، واستطاعت بعدهما كتائب
القسام الجناح العسكري لحماس توجيه ضربات موجعة لـ(إسرائيل).
2- ترسيخ قوتها: القراءة السياسية الواضحة لإقدام الدولة العبرية على اغتيال
الشيخ أحمد ياسين كانت تقول بأن شارون يسعى لإزاحة حركة حماس عن الخارطة
السياسية والعسكرية بشتّى الوسائل والضغوط الداخلية والخارجية، لاعتقاده بأن
خيار التصفية والملاحقة والاعتقال هو الكفيل دائماً بإضعاف حركة حماس وتقليص
قوتها في الشارع الفلسطيني.
لكن قراءة الخارطة السياسية حتى بعد اختفاء الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي
عن الحلبة تقول بترسيخ حماس نفسها كقوة سياسية رئيسية ترفض التهميش والقمع.
وخلال الأشهر الأخيرة شهدت حماس التقدم الأبرز في تاريخها خصوصاً بعد انهيار
حكومة محمود عباس أول رئيس وزراء فلسطيني ومواصلة حصار رئيس سلطة الحكم الذاتي
ياسر عرفات ومقاطعته والشلل الذي يلفّ حكومة قريع، ومع استمرار (إسرائيل) في
فرض إجراءاتها المشددة على فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، ومواصلة عمليات
التنكيل والاغتيال، والفشل في تطبيق خطة خارطة الطريق، ظلت حماس قادرة على
تقديم نفسها بأنها صاحبة الحجة الأقوى والسبيل الأفضل في مقارعة الاحتلال.
وأمام عجز السلطة وعدم قدرتها على اتخاذ إجراءات ملموسة على أرض الواقع لا سيما
إحجامها عن ردّ تُهم الفساد عنها، باتت الطريق شبه مؤهلة لحماس للعمل على ترسيخ
نفسها على أساس أنها قوة سياسية رئيسية ترفض تهميشها أو قمعها.
3- تجاوز الإرباك الحركي: بعد غياب الشيخ أحمد ياسين توقع محللون بأن هذا سيضع
حماس أمام حالة إرباك كبيرة بسبب الدور المحوري المهم، والمكانة العظيمة،
والرمزية الفائقة التي تمتع بها الشيخ حتى لحظة استشهاده، مما كان له دور مركزي
هام وفاعل على صعيد الحركة وقيادة المجتمع الفلسطيني، غير أن الحركة سعت ومنذ
اللحظة الأولى لجريمة الاغتيال إلى محاولة ملء جانب من الفراغ الناجم عن الفقد
العظيم، فتم وعبر تنفيذ لوائحها الداخلية، إعلان د. الرنتيسي قائداً للحركة في
قطاع غزة، بصفته نائب الشيخ الشهيد في حياته، وبذلك لم تسمح الحركة بحدوث أي
فراغ قيادي، وقد تمت مبايعة القائد الجديد للحركة في القطاع في ملعب اليرموك
بغزة، وتم الإعلان الرسمي عن مباركة المكتب السياسي لهذا الاختيار الشرعي
والقانوني للدكتور المجاهد عبد العزيز الرنتيسي الذي استشهد بعد ثلاثة أسابيع
فقط من توليه المنصب، فقامت حماس بإعلان قائد جديد سري هذه المرة.
وما يلاحظ أن الطبيعة المؤسسية والشورية الجماعية لحركة حماس قلصت الكثير من
سلبيات استشهاد الشيخ، حيث أن آليات القرار تتم بطريقة تضبط المسار وسياسات
الحركة، وفقاً لمصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، يعزز ذلك منظومة من
القيم الأساسية الإسلامية والتنظيمية الراسخة، التي تكرس وحدة الحركة وتزيد
بناءها قوة وصلابة، وخاصة عند المنعطفات السياسية الحادة.
5- الشارع الفلسطيني وحماس: وعلى صعيد آخر اكتسبت حماس وبرنامجها السياسي
المقاوم، المزيد من المساندة والتأييد من الشعب الفلسطيني، والأمّة العربية
والإسلامية، فقد شهدت مختلف الساحات تفاعلاً كبيراً، وفعاليات كثيرة، سياسية
وجماهيرية، في وقت كان قد ضعف فيه صوت الجماهير والشعوب العربية، رغم العدوان
المستمر على فلسطين والعراق. فجاءت جريمة الاغتيال لتعيد الحياة لحركة
الجماهير وتفاعلها مع القضية الفلسطينية وحق المقاومة وحركة حماس.
وهذا التفاعل يؤكد التفاف الجماهير حول الحركة والمقاومة، بما يزيد من تكريس
شرعية المقاومة وحركاتها.
وكما يقول الكاتب الصهيوني في ((هآرتس)) غي باخور ((فقد انغمرت غزة برمتها
بحماس، ومن سعى إلى تقزيمها منحها الآن أبعاداً وطنية وتاريخية هائلة)). أضاف
((إذا كانت (إسرائيل) أرادت منح شرعية لفكّ الارتباط عن غزة بحيث لا تتكرر صورة
الهروب من لبنان، فإن الاغتيال يمنع مجرّد فكّ الارتباط، لأنه إن حصل فسيكون
القطاع كله حماس ومعادياً يتطلع للثأر)).
|
| |
|