|
































| |
|
بعد الاغتيالات: التفاف فلسطيني
حول حماس |
فقط الذي زار سرادق العزاء الذي أقامته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتقبّل
التهاني باستشهاد قائدها في قطاع غزة الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، يدرك
حجم تأثير عملية الاغتيال الجبانة على تعاظم الالتفاف الجماهيري والشعبي حول
الحركة. فالسيل البشري الذي لم يتوقف طوال أيام العزاء الثلاثة كان خير دليل
على هذا الالتفاف. ليس من المبالغة القول أن أكثر من سبعمائة ألف فلسطيني زار
السرادق، ليس كلّ أولئك من أعضاء أو أنصار حركة حماس، فتجد هناك مختلف ألوان
الطيف السياسي في الشعب الفلسطينيي. القادمون إلى سرادق العزاء مثّلوا جميع
شرائح المجتمع الفلسطيني، وزراء السلطة ونواب التشريعي وممثلي الفصائل
والجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية فضلاً عن ممثلي العشائر والقبائل،
إلى جانب أولئك الذين لا انتماءات سياسية لهم. على الرغم من القيود التي تفرضها
قوات الاحتلال على الحركة عبر الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال قطاع غزة، إلا
أن حافلات الركاب والسيارات الخاصة دفعت بعشرات الآلاف القادمين لتقديم واجب
العزاء. فهناك إحساس سيطر على سكان القطاع بأن الحديث يدور عن مصاب وطني جلل
خرج عن نطاق حركة حماس. فقد زار المنتمون لليسار واليمين وممثلو المسيحيين
سرادق العزاء، حتى أن متحدثاً باسمهم قال إن المسيحيين مستعدون لأن يؤوا عناصر
حماس وقادتها في عيونهم.
لماذا استهداف حركة حماس
الذي يصغي للفلسطينيين في شوارع مدن ومعسكرات اللاجئين في أرجاء الضفة الغربية
وقطاع غزة يكاد لا يسمع إلا سؤالاً واحداً: لماذا تركز (إسرائيل) في عمليات
التصفية على قادة حركة حماس؟، الذين يطرحون هذا التساؤل لا يريدون جواباً،
فالجواب معروف لهم، بالنسبة لهم فإن معرفة الدولة العبرية لأداء حركة حماس
الجهادي وفعلها المتميز في مجال المقاومة، فضلاً عن عمق امتدادها في قلب
الجمهور الفلسطيني رشّح قادة الحركة كي يكونوا أهدافاً لصواريخ القتل الصهيونية
التي تطلقها مروحيات الأباتشي أمريكية الصنع.
الجمهور الفلسطيني بات لا يساوره أدنى شك حول الطرف الفلسطيني الذي ترى الدولة
العبرية أنه يشكل خطراً حقيقياً على وجودها، وبالنسبة لهذا الجمهور فإن حركة
حماس هي التي تشكل هذا الخطر منذ زمن، وبسبب هذا الخطر نشأت حالة التضامن
والتعاطف الطبيعي بين الجمهور الفلسطيني والحركة التي يرى هذا الجمهور أنها
تشكل الخطر على العدو المشترك لكل أبناء الشعب الفلسطيني. وإن كان هناك من دليل
عملي على الالتفاف الجماهيري حول حركة حماس فقد كان بلا شك ما دلّت عليه الحملة
التي نظّمتها الحركة لجمع التبرعات لجهازها العسكري في أعقاب اغتيال الشيخ أحمد
ياسين. فقد كانت استجابة الجمهور الفلسطيني للتبرع تفوق كل التوقعات، على الرغم
من حالة التدهور الاقتصادي التي تعاني منها الأراضي الفلسطينية، سيما قطاع غزة.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل أيضاً على أن هناك ثقة جماهيرية عميقة بحركة حماس
والشفافية التي تميز تعاطيها مع المال العام.
الأكثر رواجاً
التأييد والتعاطف مع حركة حماس أصبح حالة شعورية عامة في الحالة الفلسطينية.
وإن كانت الرموز والدلالات تبقى ذات أهمية في ذاكرة الشعوب، فقد سجل
الفلسطينيون أن حركة حماس وقادتها والتأييد لها أصبح جزءاً هاماً ومفصلياً من
الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.
الفلسطينيون انهالوا على شراء رايات حماس، الأطفال يضعون شارات وعصابات حركة
حماس الخضراء على جباههم، صور قادة الحركة أصبحت رائجة بشكل كبير، لدرجة أن
الشركات التي تقوم بإنتاج هذه الصور عملت أثناء إقامة سرادق العزاء ساعات
إضافية لتلبية الطلب الكبير على صور الدكتور الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين، وصور
من ترجل من قادة الحركة سيما الشيخ صلاح شحادة والدكتور إبراهيم المقادمة
والمهندس إسماعيل أبو شنب. إلى جانب ذلك تبين أن هناك إقبالاً كبيراً على شراء
الفانيلات التي تحمل صور الدكتور الرنتيسي والشيخ ياسين بشكل لافت، وكذلك قامت
شركات توزيع الأشرطة والأقراص المدمجة بإغراق الأسواق بالآلاف من أشرطة تحمل
خطب الرنتيسي الجماهيرية. هذه مؤشرات تشي بأن هناك حالة من الإقبال الشديد على
الرموز التي جعلت حماس جزءاً من الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني، بشكل أدى إلى
أسلمة هذا الوعي.
تقدير لشخص الرنتيسي
كان هناك الكثيرون الذين اختلفوا من ناحية سياسية مع الدكتور الرنتيسي في
حياته، لكن ومع ذلك فإن المرء يفاجأ بحجم التقدير لهذا الشخص في نفوس
الفلسطينيين. التقدير للرنتيسي لا يقتصر على أولئك الذين عرفوه عندما أصبح
يضطلع بدور هام في الشأن العام الفلسطيني. والذي يبعث على المفاجأة هو أن
قطاعات شعبية كبيرة في الجمهور الفلسطيني، وبالذات داخل قطاع غزة ترتبط بذكريات
شخصية مع الرنتيسي. فلا زال سكان القبائل البدوية التي تسكن قرية القرارة،
الواقعة جنوب شرق قطاع غزة، يذكرون ذلك الطبيب الشاب الذي كان يفد إليهم أواسط
السبعينيات، قاطعاً عدة كيلومترات مشياً على الأقدام، وهو يحمل حقيبته لكي يقوم
بحملات ختان للأطفال مجاناً في هذه المنطقة النائية نسبياً. كان الدكتور عبد
العزيز الرنتيسي، يقوم بمثل هذه الأنشطة الخيرية في العديد من القرى والتجمعات
الزراعية الفلسطينية التي تلفّ مدينة خانيونس. الرنتيسي كان يقوم بمثل هذه
الأنشطة الخيرية، ضمن نشاطه في جماعة الإخوان المسلمين التي انضم إليها، في مصر
بعد التحاقه بالدارسة في كلية الطب هناك عام 1965. حياة الرنتيسي الخاصة وما
تضمنته من دلائل كفاح أصبحت على لسان كل مواطن فلسطيني، حيث تم حفظ السيرة
الذاتية لهذا المجاهد.
أكثر ما أثار الاحترام الكبير لشخص الرنتيسي، هو عناد الرنتيسي في مواجهة
الأعداء؛ وحتى المنتمين إلى الاتجاهات السياسية الأخرى من الذين تقاسموا معه
زنازين السجن، لا زالوا يذكرون تلك المواقف الأسطورية التي ميزت هذا الرجل.
فالجميع يذكرون أن محققي جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلية ((الشاباك)) قد
يئسوا من جدوى التحقيق مع الرنتيسي، حيث يشهد الذين شاهدوه في السجن أنه بمجرد
أن يقوم السجانون الصهاينة بإحضار الرنتيسي للمحققين في أقبية التحقيق، حتى
يقوم بمهاجمتهم باللكمات، ولا ينفك عن ذلك إلا بعد أن يغمى عليه من شدة ما
يتعرض له من تعذيب، من هنا كان يتم تقديم لوائح الاتهام ضده بناء على اعترافات
أشخاص آخرين، حيث إن قانون ((تامير))، المعمول به ضد الفلسطينيين يتيح للمحاكم
العسكرية الإسرائيلية إدانة أي فلسطيني بناء على اعتراف شخص آخر ضده، في حال
تعذّر استخلاص اعتراف منه. ومعارف الرنتيسي لا زالوا يذكرون كيف نجح في إتمام
حفظ القرآن الكريم، في غضون سبعة وعشرين شهراً قضاها في زنزانة انفرادية واحدة.
أكثر ما يميّز الرنتيسي، ويجعله مثالاً لعناصر حماس ولكل من عرفه هو صلابته
وعناده واستعصائه على الاستجابة للضغوط، الأمر الذي أوجد له شعبية كبيرة داخل
قواعد حركة حماس؛ فأبناء الشعب الفلسطيني لا زالوا يذكرون الموقف التاريخي الذي
وقفه الرنتيسي في صيف العام 1998، عندما أصرّ الرنتيسي على تحميل السلطة
مسؤولية اغتيال القائد الشهيد محيي الدين الشريف، أحد قادة ((كتائب الشهيد عز
الدين القسام)) في الضفة الغربية، وعلى الرغم من أن قادة أجهزة السلطة حاولوا
أن يضغطوا عليه ويخيفوه، إلا أنه قام بعمل وصفه أحد قادة اليسار الفلسطيني
بـ((الاستشهادي))، عندما نفى ادعاءات السلطة وتحمّل لقاء ذلك الأذى والاعتقال
لأكثر من عام في سجون السلطة.
الأمر نفسه ينسحب على تسليم القادة المعتقلين في سجن الأمن الوقائي في بيتونيا،
حين سلّمهم جبريل الرجوب للاحتلال لقاء صفقة فضحها الرنتيسي عبر الصحافة
والفضائيات.
لا يختلف إثنان على أن عملية اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وعلى رغم ما
تركته من ألم في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أنها في الوقت ذاته دللت على
حجم التفاف الشعب الفلسطيني حول الحركة وبرنامجها، لكن هذا أيضاً بفضل مواقف
الرجل وتاريخ وتراث الرنتيسي العظيم الذي يبدو أنه ضارب في أعماق الشعب
الفلسطيني، وسيظلّ أحد أهم رموز النضال الفلسطيني في المستقبل.
|
| |
|