|
































| |
|
أرض المبعدين مرج الزهور تبكي
الرنتيسي |
جنوب لبنان/حسين عطوي
كان رذاذ المطر يتناثر فوق الأعشاب الندية التي حنت هاماتها كأنها في حداد على
من وطئ أرضها سنة كاملة. وعصفور صغير بِسُمرته يقف في نفس المكان الذي كان يقف
فيه القائد الشهيد كل يوم ليعرض للعالم معاناة المبعدين. كان يشدو بحزن كأنه
يبكي فراق الحبيب، ولما دنوت منه طار مذعوراً..
الأشواك تكاثرت في تلك البقعة المباركة من أرض مرج الزهور كأنها تقول أن
المبعدين كانوا شوكة في حلق الكيان الصهيوني خارج الوطن، وعادوا ليكونوا
أشواكاً في خاصرة هذا الكيان اللقيط، وواحدة منهن تعلو مشرئبة أكثر من الباقيات
بهامتها التي لبست تاجاً زمردياً كلون الدم الذي صبغ غزة مساء السبت في السابع
عشر من نيسان/أبريل لعام 2004.
في الطريق من زمريا حيث كان معبر الاحتلال إلى الجنوب المحتل إلى مرج الزهور،
تطالعك وراء كل صخرة وعند كل انعطاف وفي ظل الأشجار صورة القائد الذي لم يكلّ
حتى عاد إلى أرض الوطن. وفي تغريد كل عصفور وصدح البواشق والغربان في تلك الأرض
وفي خرير الماء، في الجدول الذي كان الشهيد أبو محمد يستحم فيه في عزّ البرد
القارس، صوت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي مصرحاً بلغاته المتعددة مفنداً كذب
المحتل وزور كيانه.
ساحة بلدة مرج الزهور ما زالت جدرانها مزينة بشعارات كتبها المبعدون عام 1993،
وفي قلوب أبناء مرج الزهور حب للمبعدين ووفاء؛ خاصة للشهيد الدكتور عبد العزيز
الرنتيسي رحمه الله. وفي باحة مسجد البلدة التقت ((فلسطين المسلمة)) ثلّة من
رجال مرج الزهور يحملون في عقولهم ذكريات جميلة مع المبعدين وخاصة مع الشهيد
القائد أبو محمد.
إمام البلدة
إمام بلدة مرج الزهور الشيخ محمد الحاج هو واحد من الذين تتلمذوا على يدي
القائد الشهيد وإخوانه المبعدين يقول: بداية نقول إنا لله وإنا اليه راجعون.
ماذا نتكلم عن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الله عزّ وجلّ أعطاه مميزات كثيرة
عن غيره، بفصاحته وعلمه. ومهما تحدثنا عنه فاللسان يعجز، لكن وللأسف مصيبة
الأمّة أن قادتنا يسقطون الواحد تلو الآخر، فمن قبل الشيخ أحمد ياسين، واليوم
الشهيد الدكتور الرنتيسي وقبلهم كثر ممن كانوا مبعدين في مرج الزهور. صدق من
قال: كم من رجل يعد بألف رجل وكم رجل يمرّ بلا عداد. والدكتور عبد العزيز هو من
الصنف الأول. الذي يحصل اليوم أن هناك مواقف تستنكر والعلماء يستنكرون ولكن
برأيي الاستنكار لم يعد مفيداً، وإن لم نعدّ العدّة كما أمر الله تعالى فإن كل
ما يجري كلام لا قيمة له.
وأضاف الشيخ محمد الحاج: جسم الأمّة مريض ونحتاج للعودة إلى الله تعالى وبعدها
الوحدة. والآية واضحة فالله تعالى يقول: ((إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم)). نتذكر مواقف الدكتور الشهيد الجريئة وطلاقة لسانه العالية. كنا
نسهر معه أحياناً كثيرة، كان قمّة في العلم والعطاء. والإنسان يأسف كيف يسقط
هؤلاء القادة وبقية المسلمين لا يحركون ساكناً. ويتابع الشيخ الحاج: أذكر أننا
كنا يوماً في إحدى سهراتهم المباركة في المخيم وكان في الجلسة الدكتور الشهيد
عبد العزيز والدكتور عزيز دويك والشيخ حامد البيتاوي خطيب المسجد الاقصى والشيخ
عبد الله الشامي والمنشدين أبو رامي وأبو أشرف الهندي، وكنا نتحدث عن العلم
فقال الدكتور الشهيد: ليس كل شيء شهادات وعندنا في فلسطين وفي أي دولة عربية
هناك أناس كثر عندهم شهادات عالية. وبدل أن يحيوا الرغبة في العلم والدين نجدهم
يميتون الناس بدل إحيائهم، ولكنه الإخلاص المفقود، فالإخلاص لله تعالى في أي
عمل يقوم به، يوفقه عز وجل ويجعل الخير على يديه. والشهيد أبو محمد كان الخير
كل الخير على يديه. الدكتور عبد العزيز وإخوانه المبعدون تركوا أثراً طيباً في
نفوس أبناء مرج الزهور. بدليل أنه عندما ذهبت الدفعة الأولى وبعدها الثانية،
المشاهد التي رأيناها من خلال وداعنا لهم، وكأننا ودعنا أحب الناس لنا. وعندما
ودعته عند المعبر بكيت وبكيت، وما زالت بلدتنا إلى اليوم في سيرتهم وشعاراتهم
على جدراننا لم تمحها السنين.
الحاج ياسين الحاج قال: كان الدكتور عبد العزيز صديقاً لي. ونحن أحببناه وهو
أحبنا وعاش في بلدنا ونحن مصيبتنا بوفاته كبيرة وخسارتنا لا تعوّض لأننا فقدنا
بوفاته عالماً وقائداً عربياً. نتأسف عليه ونترحم ونتذكر الأيام الجميلة التي
عشناها معه. وكان خبر استشهاده مصيبة على الأمّة وخاصة على مرج الزهور.
ونقول رحمه الله وصبّر أهله وإخوانه وأولاده.
رئيس البلدية
رئيس بلدية مرج الزهور محمد عبد اللطيف الحاج قال: الذي حصل أشعرَنا أننا فقدنا
أحد أبنائنا الكبار، ونأسف أن يسقط مثل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بدون أي
استنكار، ونأسف على الذل العربي بسقوط هؤلاء ونقول رحمة الله عليه ونتمنّى أن
يكون البديل على خطّه. وعلى المقاومة ردّ الاعتبار وإيلام العدو الصهيوني.
جاء لبلدتنا وصلّى معنا وخطبنا في ذكرى المولد النبوي الشريف، وكل حجر في
البلدة يذكره ويرجو له الجنة.
الشاب أحمد وليد يوسف كان صغيراً يذهب للمبعدين ويلتقي بالدكتور عبد العزيز،
استفاد كثيراً من علم وعمل أبطال فلسطين في مرج الزهور، كان التزامه بالإسلام
واحدة من ثمار المبعدين وعلى رأسهم الشهيد أبو محمد التي غرسوها في مرج الزهور
قال: أولاً رحمة الله على الشيخ المجاهد الشهيد أحمد ياسين وكل مجاهدي الأمّة.
والدكتور الرنتيسي تعرفنا عليه واعتبرناه واحداً منا. واستفدنا كثيراً من دروسه
ومحاضراته. كنت دائماً أذهب إليهم لأسمع خطابه ومحاضراته. فكان فذاً عالي
الهمّة بعيد النظر. قوي الإرادة، مؤمناً بنصر الله. وأضاف: البلدة كلها تأثرت
لأنه كان محباً وواعظاً ودالاً على طريق الخير. وله فضل في مرج الزهور مع
إخوانه بحيث شجّعوا الناس على العلم وزرعوا في نفوس الشباب الإيمان والمحبة.
يوم تشييع الدكتور عبد العزيز الرنتيسي كانت مرج الزهور تشيّع أحد أبنائها
المغتربين في الخارج فكان حزن البلدة حزنين وجنازتها جنازتين وأساها كبيراً.
رئيس البلدية ختم بالقول: عزاؤنا باستشهاد الدكتور عبد العزيز هو بصمود الشعب
الفلسطيني واستمرار الانتفاضة والردّ على المجرمين الصهاينة.
الصحفي سعيد معلاوي
في طريق العودة من مرج الزهور نحو الجنوب كان بانتظار ((فلسطين المسلمة)) رجل
أحبّ الشهيد الرنتيسي وأحبه، ورثاه على صفحات جريدة النهار اللبنانية بدموعه
ومداده.
كان يجلس ويده على خدّه يضغط عليه بقوة، والدمعة تصارع مقلته تريد الخروج لكنه
يحبسها، لأن الشهيد أبو محمد أبى أن يبكي فراق الشهداء فهم أحياء عند ربهم
يرزقون.
الأستاذ سعيد معلاوي صاحب كتاب ((نسور في مرج الزهور)) وأحد الذين عاشوا مع
المبعدين والدكتور الرنتيسي يوماً بيوم أيام معاناتهم وإبعادهم، استرسل بالحديث
بوجع قلبه فقال: الدكتور الرنتيسي رجل ولا كل الرجال، الرجل الذي كان يختصر
هموم الأمّة ومعاناتها. وكان يحمل في قلبه فلسطين وكل المستقبل الواعد. كان
بالنسبة لي أخاً وصديقاً ورفيقاً لأننا أبناء تاريخ واحد وجذور واحدة وأمّة
واحدة. كنت أرى فيه الحلم الكبير الذي كنت آمل أن نصل وإياه إلى برّ النصر
باقتلاع الغدة السرطانية الموجودة فوق ارضنا في فلسطين.
كان أبو محمد قريباً من كل القلوب، عالي الجبين تتجسد فيه شخصية القائد المؤمن
بقضيته وبعدالتها والمحب لكل أبناء شعبه. لقد عايشته سنة كاملة بقضها وقضيضها،
هناك فوق تلال مرج الزهور وكنت بجانبه كالسيف وعلى مدار الساعة. كنا نتبادل
الأحاسيس والمشاعر والكلمات التي تعنينا جميعاً والمصير الواحد الذي لا يفرق
بين فلسطيني ولبناني أو شامي أو عراقي أو أردني. كان أبو محمد نير العقل والفكر
ويعرف ماذا يريد. وقف كالطود وعلى مدى سنة كاملة في ربوع مرج الزهور، أمام
وسائل الإعلام المحلي والعالمي، ليجيب على كل الأسئلة التي كانت تراود العدو
والصديق في آن.
كان وبعونه تعالى النهر الذي لا ينقطع والبحر المليء بالإيمان. أمضينا الليالي
الطوال بين إخوة لنا في هذه الأرض الطيبة ننقل معاناتهم إلى العالم، ونشد من
أزرهم حتى تمكنّا وإياهم وبالصبر أن يعودوا إلى الديار بعد سنة من الإبعاد، رغم
أن القرار الصهيوني كان لسنتين إن لم نقل إلى الأبد. وفي اللحظات الأخيرة
للإبعاد تعانقت والدكتور الشهيد والدموع تنهمر من كلينا، واستمر ذلك عشرين
دقيقة متواصلة على مشارف معبر زمريا الذي يسيطر عليه العدو الصهيوني والعملاء،
وهو يهمس في أذني: يصعب علي فراقك يا سعيد. فتمنيت له أن يصل
إلى دياره وعائلته والإخوة المبعدين بخير. واستمريت في تلقف أخباره ومتابعة
وقفاته أمام وسائل الإعلام وفي مقدمة المتظاهرين في غزة، فكنت كلما رأيته أو
سمعته يتحدث أشعر بالاعتزاز والفخر وأرى فيه أحد قادة هذه الأمّة. إلا أن أوغاد
العصر تمكنوا من النيل منه، فاستشهد وروى بدمه أرض الوطن كما كان يشتهي ويتمنى.
كل وقفاته كان فيها العز وكان كأنه الدورة الدموية، يعمل من الهواتف إلى
المقابلات والتنقلات، وتحدث يوماً مع بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة آنذاك.
ومنذ شهرين أرسل لي صحافياً فرنسياً إلى جريدة النهار، وكلّفه أن ينقل تحياته
ومحبّته لسعيد معلاوي، واليوم وبعدما آلت الأمور إلى ما آلت إليه، فإن الأمّة
التي أنجبت أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي لا خوف عليها. ختم الأستاذ سعيد
معلاوي وفي قلبه وعقله الكثير الذي لم يقله في الشهيد الدكتور عبد العزيز
الرنتيسي.
وأنا أعيد صياغة هذه الكلمات كنت أتذكر الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وهو يقف
مرتجفاً من شدّة البرد، والثلج يحيط به ويغالب شفتيه لتنطق بحب فلسطين وأهلها
وثرى غزة والخليل وصفد وحيفا والقدس، فيما قدماه نصف العاريتين تغوصان في الوحل
وهو يتنقل من خيمة إلى أخرى متفقداً إخوانه الذي وجد نفسه أباً وأخاً حنوناً
يخفف عنهم معاناة الإبعاد ووحشة المكان. سقط الرنتيسي في عزّ عطائه ولكنه القدر
الذي لا اعتراض على قضائه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
رحم الله الدكتور عبد العزيز الرنتيسي فقد عاش أبياً قائداً كبيراً وارتقى
شهيداً ليروي بدمه ثرى فلسطين الطاهرة.
|
| |
|