|


































| |
|
وجــوه |
الحاجة خيرية الفايد.. خنساء أخرى
وأي خنساء؟!
ياسر الزعاترة
للأمهات في فلسطين حكايات تتجاوز بكثير روعة الاستشهاد. فهنا يكون المصنع، وهنا
تكون المدرسة، وقبل ذلك وبعده تكون البطولة وتكون المعاناة.
أمهات فلسطين لسن ككل الأمهات، ففي أجواء الاحتلال واللجوء والخوف والقهر تختصر
حياة الأمهات في صور أبنائهن، وتغدو المسيرة كلها محطات متلاحقة لأطفال يولدون
ثم يكبرون يوماً إثر آخر، والعين والقلب والروح تحرسهم من رحيل إلى رحيل ومن
مدرسة إلى أخرى ومن لقمة إلى مثلها ومن طرف إلى آخر.
تغيب الأنا عند أمهات فلسطين على نحو استثنائي، بل إنها تغيب كذلك عند كثير من
الآباء. فهنا ليس ثمة غير فلذات الأكباد تقدمهم الأمهات للدنيا، ثم للآخرة
تقرباً إلى رب عظيم يكافئ الصابرين. ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)).
الذين يدركون ما يعنيه هذا الكلام، هم وحدهم الذين يمكنهم الوصول إلى عمق إحساس
الأمهات بأبنائهن حين يصابون أو يستشهدون أو يقتلون. فكيف حين يتوزعون بين ذلك
كله؟
الحاجة خيرية ذياب الفايد، واحدة من تلكم الأمهات الصابرات الرائعات، اللواتي
دفعن ثمن الاحتلال قبل أن يفيض بهن كأس القهر فيرحلن عن دنيا ليس فيها من العدل
إلا القليل.
يوم الجمعة 2/1/2004 كان خاتمة الرحلة الطويلة للحاجة خيرية، من الولادة أيام
احتلال البريطانيين لفلسطين إلى الاحتلال الأول فالثاني وصولاً إلى الانتفاضة
الأولى فالثانية فالثالثة، وأخيراً انتفاضة الأقصى التي لم تغادرها إلا إلى
الدارة الآخرة.
سكت القلب الطيب أخيراً، بعد أن فاض الكأس، ولم يعد بإمكانه احتمال المزيد من
القهر.
في حكاية الحاجة خيرية الفايد تختزل حكايات كثيرة لأمهات فلسطينيات، سرق
الاحتلال فلذات أكبادهن واحداً تلو الآخر قتلاً واعتقالاً ومطاردة.
خنساوات بلا عدد يقدمهن هذا التاريخ الفلسطيني الجديد للدنيا بأسرها، ولأمة
العرب والمسلمين بشكل خاص. ومع كل واحدة منهن تنبت حكاية من رحم الجرح لكنها
تتمدد على نحو أروع في فضاء من البطولة لا يحد، فيما لا تعدم الخاتمة الكثير من
الحزن والقهر الذي لا يفضي إلى اليأس في وعي أمة تدرك أن الدنيا محطة للآخرة،
وأن الآخرة خير وأبقى للذين يتقون وعلى ربهم يتوكلون.
الحاجة خيرية، لاجئة فلسطينية طردها الاحتلال من بيتها في الأراضي المحتلة عام
48، فاستقرت في مخيم جنين، ذلك المخيم الذي غدا رمزاً للبطولة والصمود، أما
معركته التي خاضها بضع عشرات من المجاهدين ضد جيش مسلح بأكثر أنواع التكنولوجيا
تقدماً، في نيسان عام 2002، فقد كتبت في صفحات الخلود للمعارك الأكثر روعة في
التاريخ.
في تلك المعركة البطولية استشهد للحاجة خيرية بطلان رائعان، هما أمجد ومحمد، لم
تكحل عينيها برؤيتهما قبل مواراتهما الثرى، فقد أُخرجا بعد وقت طويل من بين
الأنقاض جثثاً مشوهة.
بعد استشهاد أمجد ومحمد اعتقل الاحتلال شقيقهما عبدالرحمن، الذي لم تتمكن الأم
من زيارته في سجنه منذ اعتقاله قبل عام كامل.
لم يتوقف مسلسل القهر الذي يطارد قلب الحاجة خيرية، فابنها الرابع خالد بات
مطارداً ولا يمكنها رؤيته، وكذلك حال الخامس وليد الذي بدأت مطاردته بعد زواجه
بفترة وجيزة. وكانت تهمة الجميع هي مقاومة الاحتلال والانتساب إلى الجناح
العسكري لحركة حماس. أما البيت فقد هدمته جرافات الاحتلال.
عندما داهم الجنود البيت الذي تسكن فيه لاعتقال وليد كانت الحاجة خيرية وحيدة،
لكن ذلك لم يشفع لها عند القتلة الذين عاثوا فساداً في البيت واحتجزوها في
البرد الشديد، مما أدى إلى إصابتها بنوبة قلبية حادة ألزمتها الفراش.
خلال أيامها الأخيرة لم يكن على لسانها سوى أسماء ابنائها الثلاثة، تطالب من
حولها بالمجيء بهم كي تراهم وتودعهم، لكن الجميع وقفوا عاجزين عن تلبية نداء أم
في حالة احتضار، فعبد الرحمن في قبضة عدو لا يرحم أمهات ولا أطفال، فيما ثمن
قدوم وليد أو خالد هو الموت أو الاعتقال الطويل.
واصلت الحاجة خيرية نداءها على الرجال الثلاثة، لكنهم لم يلبوا النداء، لأن
أسوار الاحتلال حالت دون ذلك، وليس لأنهم لم يسمعوا، فقد كانوا معها بأرواحهم،
تمتزج دموعهم بدموعها، وهي التي ربتهم على العزة والكبرياء وحب الحهاد.
عندما لم يحضر الرجال أغمضت الحاجة خيرية عينها وأسلمت الروح، بعد أن أيقنت أن
اللقاء لن يكون هنا، بل هناك ((في جنات ونهر، في مقعد صدق عن مليك مقتدر)).
|
| |
|