الشهداء…
وتشكيل الهوية في أدب المقاومة
بقلم: سمير عطيه
لم يكن غريباً أن تظل أبيات الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود تحلق في فضاءات
القلوب الفلسطينية المُفعمة بعشق الجهاد والاستشهاد..
ليس عجيباً أن تتحول قصائد المقاومة إلى أغان وطنية وأناشيد جهادية تبث روح
العزيمة وتأخذ بصاحبها نحو آفاق من الحُلُم بالتغلب على الجراح..
سأحملُ روحي على راحتي ألقي بها في مهاوى الردى
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا
حفظتها أصابع الأطفال لكثرة ما كانت تُزين بها دفاتر المدرسة، وأطلقتها في رحاب
الأمل ترانيم تبعث الحياة في اليباس الذي يزرعه الاحتلال في أرضنا الحبيبة.
قبل ذلك التاريخ، وفي الزمن الذي كانت فيه فلسطين ترزح تحت الاستعمار
البريطاني، كان الشاعر إبراهيم طوقان ((ابن جبل النار)) يعيش قريباً من نبض
شعبه، يعيش آمالهم وتطلعاتهم، ويذرف دموع القوافي على ما يُحدِّقُ بالوطن من
أخطار، وعبر قصائد متتابعة ابتداء قصيدته ذائعة الصيت ((الفدائي)) والتي شكلت
مع قصيدته الأخرى ((موطني)) توأم إرادة ظلتا محفورتين في صدور أبناء العروبة
حتى يومنا هذا!! وليس انتهاء بقصيدتي ((الشهيد)) و((الثلاثاء الحمراء)).
لقد كان الشعر والأدب مواكباً لبطولات أبناء القضية، فخلّد سيرهم وملاحمهم،
وتغنى ببطولاتهم، وكان منبراً لرفع الهمم، وتحفيز الدماء المستنفرة في شرايين
الغضب على أن تنثر ألوانها على تراب الأرض الطهور. كانت ترسم الجرح الفلسطيني
بنزفه على صفحات القلوب.
عبر عشرات الدواوين الشعرية، ستصادفك قصائد كثيرة حملت عنوان ((الشهيد))،
والشاعر في كل قصيدة يحكي عن تجربة أوحت له بهذا النبض الشعري، كأن يرثي بطلاً،
أو ينظر في مرآة التاريخ فلا يجد إلا الشهداء أجمل من يبقى من الناس روحاً بين
أرجاء الوطن.
وإذا أردنا أن نجتاز المسافة الزمنية لنصل بكم إلى انتفاضة الأقصى، سنترك
الدهشة تأخذ مداها في نفس القارئ وهو يستمع إلى هذا المثال الشاهد على الحضور
الإبداعي للشهيد روحاً ورمزاً عند أبناء الأمة من الشعراء، يتمثل هذا الحال،
وتسليط الضوء هنا في ما أقدمت عليه مؤسسة البابطين الثقافية في الكويت حين
أصدرت ثلاثة مجلدات ضخمة تشكلت مواجعها على صورة الشهيد ((محمد الدرة))، حيث
شارك في هذا الإصدار عشرات الشعراء من العالم العربي.
لقد استطاع كل شاعر تقريباً أن يرسم للشهيد لوحة خاصة، ويرى المشهد من زاويته
الخاصة، هذه الزاوية التي تنوعت في مناحيها الكلمات، وترقرقت فيها أوجاع الشعر
والشعراء.
طبعاً الحديث عن الشهيد محمد الدرة –رحمه الله– ينقلنا للحديث عن الصورة
العامة للمشهد الشعري في شهداء فلسطين، فالقصائد تتوزع بين الألم والأمل،
والآهات والصمود، وإذا كان المشهد في قصائد رثاء محمد الدرة تأخذ منحى الحزن
بشكل كبير، فالمشهد في الجانب الآخر، ليس كذلك، والنبض الشعري في القوافي ليس
محصوراً على النزف.
ويحضُرُنا هنا الشهيد ((فارس عودة))، والحديث عنه هنا ليس إقحاماً للاسم بل إنه
يأتي في سياقه الطبيعي، فلقد مثّل هذا الطفل صورة الإرادة والصمود والإقدام،
وهي صورة لا تتناقض مع صورة الضحية البريئة التي مثلها محمد الدرة.
لقد عرفتُ شاعراً في ((شبكة فلسطين للحوار)) على الانترنت، أحب أن يكون اسمه
الشعري والأدبي على اسم هذا الشهيد المقدام. وعلى الرغم من لهيب الرسالة التي
أوصلها الشهيد فارس، وهي إحراق الأرض تحت أقدام المحتلين، إلا أن الشعراء العرب
كانوا مقلّين في رثائه نسبة للكم الهائل من قصائد الرثاء في ((محمد الدرة))،
الأمر الذي يُقوّي وجهة نظر القائلين أننا أمة أدمنت الجراح، واستهوت الدموع
والأحزان، ولم تخرج بعد إلى فضاء القوافي التي تُبشّر بزمنٍ يرتدي حلل النصر
وقلائد الشموخ.
من هنا تتشكل لدينا الصورة التي ترتسم في المشهد الشعري في فلسطين، مشهد
الشهداء، بروعتهم ونزفهم، عبر صور بطولاتهم أو أطلال مجازرهم، شهداء يحتضنون
الأرض المقدسة في فلسطين حباً وعطاء، فداء لهوية وانتماء وتاريخ ووطن، وهم في
هذا لا ينبتون من شجرةِ عمقِهم العربية أو ينسلخون من روحهم الإسلامية.
والسؤال الذي يأتي في هذا السياق، هو في حقيقة الأمر قضية شائكة وفيها كلامُ
كثير وآراء مختلفة، مفاد السؤال : هل تراجع مكان قصيدة الشهيد في وجدان الناس؟
أمام حشد الصور في القنوات الفضائية، والدراما التلفزيونية؟
بلا شك، إن هناك تراجعاً، ولكن الذي أعتقده أنّ قصائد إبراهيم طوقان وعبد
الرحيم محمود أخذت بعداً في انتشارها لأنها لُحِّنت وتم إنشادها وغناؤها عبر
أثير الإذاعات في ذلك الحين، وهذا ما نراه اليوم في شاشات الفضائيات، وأشرطة
الأناشيد الجهادية والأغاني الوطنية التي أضفت زخماً على القصائد الشعرية التي
تناولت موضوع الشهداء. والأمثلة في هذا الميدان كثيرة ابتداء من الاغنية
الشعبية ((من سجن عكا طلعت جنازه )) وليس انتهاء بأنشودة ((فتنت روحي يا
شهيد)).
المشهد الشعري الذي يحتضن حكايات الشهداء، زاخر بالمعاني والمضامين، بل
والأشكال والقوالب الفنية للقصائد، من هنا أعترف بكل ثقة أن ما سبق وتحدثت فيه
عبر السطور السابقة ليس إلا لتشكيل بعض المفاتيح للدخول إلى رحاب هذا الموضوع
الكبير..