فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Mar2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
أخبار وتقارير4
شؤون فلسطينية1
حوار
تقرير
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الملف1
الملف2
تحليل
شؤون العدو
شؤون إقليمية
شؤون دولية1
شؤون دولية2
قضايا
رأي - منير شفيق
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مجتمع
قصة قصيرة
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

رأي - منير شفيق

لينسحب شارون وليهدم الجدار

منير شفيق
عجيب أمر كل الذين أزعجهم أن يقرر أرييل شارون الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك مستوطنات، كما الانسحاب من الضفة الغربية بنسبة 40%، والانكفاء وراء الجدار ليفرضه ((الخط الأزرق)) الفلسطيني. وهؤلاء معظمهم من النخب وبعض السياسيين الذين أجهدوا أنفسهم عندما اندلعت الانتفاضة وتصاعدت المقاومة وصمم الشعب الفلسطيني على الصمود وتحمّل أقسى التضحيات، بالتشديد على أن الجيش الإسرائيلي لا يمكن أن ينسحب من أرض فلسطينية كما انسحب من جنوبي لبنان، وبلا قيد أو شرط. ولكي يثبتوا أن الانتفاضة والمقاومة والصمود عبث في عبث.
وكان بمقدورهم أن يأتوا بعشرات التفصيلات والجزئيات التي تظهر اختلاف الوضع بين جنوبي لبنان وأرض فلسطين. ولم يقبلوا أن يستثنوا جزءاً واحداً، ولا حتى شبراً واحداً منها. وعندما قيل لهم تمعّنوا جيداً في الأسباب التي فرضت على الحكومة الإسرائيلية اتخاذ قرار الانسحاب من جنوبي لبنان من طرف واحد، وبلا قيد أو شرط، علماً أنها أصرّت على احتلاله 22 عاماً. وهددت حتى قبل الانسحاب بشهر أنها ستحرق أرض لبنان كما جاء على لسان وزير خارجيتها في حينه.
وبديهي أنهم ما داموا يظنون أن الانسحاب المذل من جنوبي لبنان قد تم لأن أرض الجنوب غير أرض فلسطين، ومن دون أن يدركوا ما معنى المقاومة والإصرار على مواصلتها، وما معنى وصول جيش الاحتلال إلى نقطة القناعة بأن البقاء أصبح مكلفاً ومخسّراً، ولا بصيص أمل في توقف الاستنزاف والخسائر، إلى جانب توفر ظرف لبناني وعربي وإسلامي وعالمي يسهم، بصورة مباشرة، وغير مباشرة (وغير المباشر أكثر من المباشر) في تفضيل الانسحاب، بلا قيد أو شرط، على مواصلة حرب أصبحت عبثية عندما لم يعد بإمكانه تحقيق أهدافه من خلال الحل العسكري – الأمني.
هذه الإشكالية هي الإشكالية التي كانت وراء هزيمة كل جيوش الاحتلال التي استعصى عليها إخضاع الشعب ووصلت إلى نقطة اليأس من القضاء على المقاومة. وذلك بعد أن استخدمت كل أساليب القضاء عليها، ولم تصل إلى نتيجة. ولم يعد أمامها إلا القتل من أجل القتل, والتدمير من أجل التدمير. ومن ثم استمرار النزف والخسائر، وربما الكارثة الاقتصادية والاجتماعية داخلياً، وسوء السمعة على نطاق عالمي.
الذي يتمعن في التسويغات التي ساقها شارون لتدعيم قراره باتخاذ خطوات انفرادية تتلخص بكلمة واحدة: إنه وصل إلى قناعة بأن استمرار الوضع الراهن سيعود على (إسرائيل) بالمزيد من الخسارة في مختلف الأصعدة. أي وصل إلى المعادلة التي هدفت استراتيجية المقاومة والانتفاضة والصمود الشعبي الفلسطيني إلى إيصاله إليها. وهي استحالة القضاء على المقاومة والانتفاضة والصمود، أو المجيء بقيادة بديلة تأتي بعد حكومة أبي مازن (محمود عباس) إذا سارت الأمور كما كان يخطط بوش وشارون.
هذا يعني أن شارون فشل في الاستراتيجية التي تبناها خلال ثلاث سنوات، بما فيها في عهد الائتلاف مع حزب العمل، أو بعبارة أخرى فشلت استراتيجية الحل العسكري – الأمني من جهة، وولج الوضع الداخلي الإسرائيلي في مآزق خانقة لم يعهدها يوماً: اقتصادياً واجتماعياً ومعنوياً من جهة ثانية. أما من الجهة الثالثة، وهي لا تقل خطورة وتأثيراً، فقد هبطت سمعة (إسرائيل) في نظر الرأي العام الغربي إلى مستويات لم يعد ينفع معها كل التواطؤ والمساعدة من قِبل الحكومات الغربية. فعندما يعتبر 59% من الرأي العام الأوروبي بأن دولة (إسرائيل) أخطر دولة على الأمن والسلم في العالم. وهو ما لا يجرؤ سياسي رسمي أوروبي واحد على قول ربعه يعني أن استمرار المعركة مع الفلسطينيين، على المنوال الذي سارت عليه خلال أربعين شهراً، ولا سيما إذا صعّد الجيش الإسرائيلي أكثر، مُخسّرة إلى أقصى الحدود.
من هنا يصبح إنقاذُ الوضع بالانسحاب، ولو بلا قيد أو شرط، ولو حمل انتصاراً لاستراتيجية الانتفاضة والمقاومة والصمود، أقلَّ ضرراً من الاستمرار. وبهذا تتبخر كل نظرية استحالة الانسحاب من أرض فلسطينية، بلا قيد أو شرط. والمطروح بهذا الانسحاب أوسع كثيراً من الشريط الحدودي اللبناني ويشمل مليون ونصف إلى مليوني فلسطيني في الأقل. وبهذا يكون الانتصار الذي حققته المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله في لبنان ممكناً على الأرض الفسلطينية كذلك.
وإذا صحّ ما تقدّم فكيف لا يتوقف بعض من هؤلاء، ولا نقول كلهم، أمام أنفسهم ليقولوا لو وضعنا كتفاً إلى جانب الشعب الفلسطيني في صموده ومقاومته وانتفاضته، وأسهمنا في حشد التأييد له فيما اختار من استراتيجية، بدلاً من تثبيطه وطعنه من الخلف، لكنا أسهمنا في الإسراع بدفع شارون إلى النتيجة التي وصل إليها. وهذا ينطبق أيضاً على الدول العربية التي لو حافظت على موقفها في قمة عمان وحتى قمة بيروت لعجّلنا في تأزيم وضع شارون.
على أن المشكلة اليوم أبعد مما سبق لأن قرار شارون باتخاذ خطوات من جانب واحد حسم الموضوع المشار إليه أعلاه. وهذا يفسر تدافع المبادرات والضغوط على شارون لكي لا ينسحب وعلى الفلسطينيين لكي يساعدوه على عدم الانسحاب. فعندما تحاول الإدارة الأمريكية أن تضغط عليه، ولا تقتنع معه، لأول وهلة، هذا مفهوم تماماً. وعندما تحاول أوروبا، بما فيها الدول المعارضة، بشكل أو بآخر لسياسات شارون، أن تبذل جهدها لمساعدته على عدم الانسحاب، فهذا مفهوم أيضاً. أما أن يأتي من أطراف عربية وفلسطينية فهو غير مفهوم ومثير فعلاً للدهشة.
طبعاً هذه الأطراف الأخيرة تثير اعتراضها من زاوية التهويل بأن خطة شارون تستهدف ابتلاع 60% من أراضي الضفة (كل ما وراء الجدار) وما تحتها من مياه جوفية، وما حولها من حدود مع الأردن ومصر، فضلاً عن القدس. ولكن لماذا يُترك لشارون المهزوم، وقتئذ، أن يأخذ نفساً، ولا يشدد عليه النكير ليهدم الجدار وينكفئ إلى ما وراء الخط الأخضر؟ فالمعركة من الناحية السياسية ضدّ شارون حول الجدار هي في مصلحة الموقف الفلسطيني، بل هي أفضل من الوضع الراهن. فالجدار لا يتمتع بإجماع إسرائيلي، ولا بتأييد أوروبي، أو دولي (حتى لو أيدته أمريكا)، كما يثير غضب الرأي العام العالمي ولا سيما الغربي. فضلاً عن أنه نقطة توحيد (وتجزيء) للموقف العربي. فالخوف هو فقط من جانب الذين يتهافتون على تجميد كل الشيء والتعلق بحبال الهواء التي اسمها تجدد المفاوضات. أما إذا حافظ الشعب الفلسطيني على وحدته، وعلى روحه الكفاحية المقاومة، وواصل الضغط بمختلف الوسائل المتاحة من أجل هدم الجدار وتفكيك المستوطنات ودحر الاحتلال وفي المقدمة استنقاذ القدس، فإن السحر سينقلب على الساحر وتصبح هزيمته محققة حتى الإطاحة به من الداخل.
وهنالك خوف آخر يثار هنا وهو نابع من خشية وقوع الفتنة بين الفلسطينيين في حالة الانسحاب من طرف واحد لماذا؟ هنالك سلطة فلتبقَ سلطة. وهنالك شعب صامد مستعد لمواصلة الكفاح لمطاردة الاحتلال فليبقَ كذلك. وقد كان الوضع هكذا منذ أربعين شهراً. ولم تحدث فتنة ولا اقتتال، وهو ما كان عليه الوضع، ولا يزال، في لبنان تنسيق بين سلطة ومقاومة بحيث لا تعتدي الثانية على سياسة الأولى وصلاحياتها. ولا تعتدي الدولة – السلطة على المقاومة لقمعها وكبتها خدمة لضغوط أمريكا والدولة العبرية. وبكلمة أخرى، الخوف من فتنة داخلية بعد اندحار الاحتلال ليس في مكانه، لأن الأمر هنا بيد الفلسطينيين وحكمتهم وبعد نظرهم ما دام ثمة اتفاق على الهدف. وهو دحر الاحتلال إلى ما وراء الخط الأخضر وعدم السماح له بالتهام ما يريد التهامه من أرض ومناطق. وهنا يمكن أن يضاف أن ما قدّم من تضحيات خلال الأربعين شهراً الماضية يجب أن يفرض على الجميع أن يكونوا في مستوى مسؤولياتهم، ولماذا لا يكونون، وقد مروا بما هو أصعب وأعقد وأفلتوا من الفتنة والحرب الأهلية؟ أي لا بد من أن يجدد التأكيد على الشعار الذي رفعته حماس والجهاد وغيرهما من الفصائل الفلسطينية في التسعينات الماضية بأن ((الدم الفلسطيني حرام)). وبهذا يصبح الانتصار في فرض الانسحاب الجزئي على شارون قابلاً لأن يصبح انتصاراً أكبر يشمل كل الأراضي التي احتلت 1967.
وخلاصة، إن هذا التقدير للموقف يحتاج إلى درجة من رباطة الجأش ومثلها من الخيال.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003