فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Mar2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
أخبار وتقارير4
شؤون فلسطينية1
حوار
تقرير
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الملف1
الملف2
تحليل
شؤون العدو
شؤون إقليمية
شؤون دولية1
شؤون دولية2
قضايا
رأي - منير شفيق
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مجتمع
قصة قصيرة
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

قضايـــا

"عداء السامية" في أوروبا
بين الأسباب الإسرائيلية والواقع العربي ودور المسلمين


تجدّد الحديث عن ((عداء السامية)) بقوّة في أوروبا، والمقصود هو عداء اليهود، وربط ذلك بما عرفته أوروبا تاريخياً، واقترن الحديث في الآونة الأخيرة بمخاوف متزايدة من الربط بين هذه الظاهرة الأوروبية نشأة وواقعاً، وبين الوجود السكاني للمسلمين في أوروبا، وتعرّضه لأخطار متزايدة، تضاعفت بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن، ويمكن أن تتضاعف أيضاً نتيجة إقدام بعض السياسيين على محاولة الربط بين مواقف إسلامية تؤيّد المقاومة الفلسطينية ضدّ الممارسات الإسرائيلية، وبين أعمال تُصنّف في خانة ((عداء السامية)).

خلط مقصود أم منهجية!
في أواخر عام 2003 نُشرت في الشبكة العالمية دراسة مطوّلة، وأعطيت عنوان ((عداء إسلامي للسامية في أوروبا))، وهو عنوان مضلّل، أنكره بشدّة واضعو الدراسة أنفسهم، وقال أحدهم، فيرنر بيرجمان، من ((مركز برلين لدراسات عداء السامية))، إنّ العنوان لا يعبّر عن المضمون، وإن الدراسة لأسباب عديدة لم توصل إلى نتائج واضحة ويجب إجراء سواها، وكان واضعوها قد امتنعوا لهذا السبب عن نشرها، بعد أن تضمّنت رصد أعمال عدوانية ضدّ اليهود ومنشآتهم في فترة زمنية معيّنة، ولم يكن ممكناً توضيح الخلط ما بين أعمال يرتكبها أوروبيون عموماً -وليس المسلمون منهم- نتيجة عداء تاريخي، وبين أعمال تربط بين هذا العداء والممارسات الإسرائيلية الحالية ضدّ الفلسطينيين، ثمّ الاحتجاجات في إطار مناهضة العولمة بما يتضمّن العداء للسياسة الإسرائيلية والنفوذ اليهودي في السياسة الأمريكية، ولا يتبقّى –وفق الدراسة المشار إليها- سوى أعمال صادرة عن بعض أوساط الشبيبة المسلمة، لا سيما في فرنسا، تستهدف اليهود ومنشآتهم، ولكن ليس على سبيل العداء لليهود عموماً، إنّما نتيجة الاحتجاج الغاضب على الممارسات الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين.
مثل هذه النظرة المنهجية نفتقدها عندما يعلن مسؤول سياسي مثل فولفجانج تيرزي، رئيس المجلس النيابي في ألمانيا، أنّه يخشى من ((تلاقي الإسلاميين والمتطرّفين اليمينيين على عداء اليهود))، ومثل هذه المخاوف تتناقض تناقضاً مباشراً مع حقيقة أنّ المسلمين كانوا في مقدّمة ضحايا التطرّف اليميني العنصري في أوروبا عموماً، لا سيّما في التسعينات الميلادية الماضية.
ويعمّم ساسة آخرون مواقف مشابهة، عبر التعبير عن خشيتهم من التداخل المتنامي بين عداء اليهود، والتطرّف اليميني، والعداء للأجانب والأقليات، والواقع أن محور عداء اليهود قائم من الأصل في نطاق التطرّف اليميني، ويشمل العداء للأقليات والأجانب، وفي مقدّمتهم الأتراك والغجر.
وقد بدأ بعض الباحثين بالربط ما بين حركة مناهضة العولمة الناشطة في فرنسا أكثر من سواها، وبين تنامي العداء لليهود هناك، على خلفية النفوذ اليهودي القوي في صناعة القرار الأمريكي، وبالتالي في العمل على نشر العولمة بمنظورها الأمريكي عالمياً، أمّا الربط بين ذلك وبين الإسلاميين، فلا يعدو أن يكون ((اتهاماً)) ينكره من الباحثين على سبيل المثال، أنطوني ليرمان، المدير السابق لمعهد الدراسات اليهودية في بريطانيا، والذي يستبعد ما يقال بصدد ظهور ((حركة لاسامية جديدة)) على وجه الاحتمال، يتلاقى عليها الإسلاميون واليساريون في فرنسا على وجه التخصيص.

أسباب التركيز على "عداء السامية"
من العسير حصر الأسباب التي أثارت التصعيد في التحذير من تجدّد انتشار العداء لليهود في أوروبا، هل هي نتيجة تنامي الرفض الأوروبي الشعبي للممارسات الإسرائيلية وفق ما وثقته مؤخّراً الدراسة الاستطلاعية للمفوضية الأوروبية في بروكسل، والتي كشفت عن اعتقاد غالبية الأوروبيين بأن ((الولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) هما الدولتان الأخطر على الأمن والسلام الدوليين))، أم أنّ جهات متنفّذة تعمل على تركيز الأنظار على قضية العداء لليهود، ذات التأثير المعروف في الدول الأوروبية، لتخفيف درجة الرفض العلني والانتقادات الحادّة المتزايدة للسياسات والممارسات الإسرائيلية.
وتلفت الجهات المتخصصة الأنظار إلى تنامي الحوادث المصنّفة كعداء للسامية، والتي تتراوح بين نشر شعارات نازية، وتشويه المقابر، وإلقاء زجاجات حارقة على المنشآت اليهودية، وتقول إنّ هذه الحوادث ازدادت بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وتفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001، لا سيّما في فرنسا وألمانيا، وتقول الإحصاءات الألمانية، إنّ عدد هذه الحوادث بلغ عام 2002 أكثر من 1200 حادثة، بزيادة 50% عن العام السابق.
ورغم أنّ الطبقة السياسية عموماً تميّز بين مواقف العداء لليهود، ومواقف النقد للسياسات الإسرائيلية، إلاّ إنّه ليس من السهل تمرير نقد تلك السياسات دون التعرّض للاتهام بالعداء لليهود عموماً، وكان من الأمثلة على ذلك مواقف السياسي الألماني يورجن موليمان، والتي انتهت الضجّة حولها بموته، ربّما منتحرا، بعد أن تعرّض لحملة تتهمّه بالعداء للسامية نتيجة انتقاداته الحادّة للسياسة الإسرائيلية، ولم يصل الأمر إلى مستوى الفصل في الموضوع أمام القضاء، ولكن غالبية ما يقال بصدده بعد وفاته، أنّه كان يتحدّث ((بخلفيّة عداء للسامية)) أثناء معركة انتخابية خاضها.
ورغم وجود ما يوصف بميول عنصرية عموماً على المستوى الشعبي في أوروبا، يقدّرها الباحثون بحوالي عشرين في المائة، إلاّ أنّ ذلك لا يستهدف اليهود دون سواهم، بل يشمل أقليات كالغجر والأتـراك كما سبقت الإشارة، ولكن كان يلفت الأنظار مثلاً، التركيز على جانب ((عداء اليهود)) في فترة التسعينات الميلادية، أثناء ما عُرف بموجة اعتداءات التطرّف اليميني العنصرية، وهذا رغم أنّ الممارسات العملية ضدّ اليهود كانت محدودة من ناحية النسبة العددية، ومتركّزة على أعمال من قبيل تشويه المقابر ونشر الشعارات، وهذا مقابل وصول أعمال الاعتداء على الأجانب من الأتراك والفييتناميين وسواهم في ألمانيا مثلاً، إلى مستوى إضرام حريق في البيوت، والقتل والإصابات البالغة.
الواقع أنّه يتمّ إبراز العداء لليهود خاصة على خلفية التاريخ النازي ولأسباب سياسية راهنة بطبيعة الحال. ويساهم في إبراز ذلك التركيز على ما يتمّ رصده من حالات تستأثر باهتمام السياسيين والإعلام، عندما تصدر بعض المواقف ذات العلاقة عن مسؤولين سياسيين، وهذا رغم أنّ بعضها لا يتجاوز حدود المواقف الشديدة التناقض مع السياسات الرسمية في البلدان الأوروبية، أي لا يقف موقف عداء معمّم ضدّ اليهود لتصنيفه في خانة ((عداء السامية))، ومن الأمثلة على ذلك النائبة البريطانية التي أبدت تفهمها الكبير للعمليات ((الاستشهادية)) أي بما يرفض مباشرة الحرص السياسي والإعلامي الأوروبي الشديدين على وصفها بالانتحارية فقط، ومن الأمثلة أيضاً ما وقع احتجاجاً على العرض الفني في السويد الذي أثار غضب السفير الإسرائيلي، لأنّه يعبّر عن موقف مشابه.
ولكن توجد بالمقابل مواقف أخرى يخلط أصحابها بالفعل بين نقد السياسات الإسرائيلية وعداء تعميمي لليهود، أو تنطلق ابتداءً من عداء اليهود فحسب، ممّا يؤدي إلى إجراءات فورية ضدّ من تصدر عنهم من السياسيين أو سواهم.

دور للمسلمين
ويمكن للمسلمين في أوروبا أن يساهموا إسهاماً إيجابياً ومؤثّرا على الرأي العام على صعيد التعامل مع مسألة ((عداء السامية))، لا سيّما عندما يعلنون مواقف ما ترتبط بأحداث الأرض الفلسطينية، أو بمناهضة الهيمنة الأمريكية، وذلك من خلال الحرص على بيان أربعة أمور أساسية، وتكرار ذلك باستمرار:
1- الموقف الإسلامي من اليهود موقف مبدئي يحدّده الإسلام، أنّهم أهل كتاب، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بتاريخ الأوروبيين مع اليهود، وليس فيه عداء لليهود بسبب انتماء ديني، ويصدر عن النص القرآني الكريم: ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين. إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون))- الآيتان 8 و9 من الممتحنة.
2- موقف الرفض القطعي للسياسات والممارسات الإسرائيلية والتأييد للمقاومة الفلسطينية، موقف ((سياسي)) و((إعلامي)) ويستند إلى نصوص المواثيق الدولية مثلما يستند إلى الاقتناعات الذاتية ويفرضه الواجب الإنساني المحض أيضاً، فرفض العدوان والاحتلال والقتل واغتصاب الأراضي، وسائر ما يرتبط بذلك، موقف مفروض على المسلم، سيّان عمّن تصدر هذه الممارسات وسيّان من يتعرّض لأن يكون ضحيّتها، ومن الطبيعي أن يشمل ذلك الفلسطينيين، من مسلمين وغير مسلمين.
3- كذلك فإنّ موقف الرفض للهيمنة الأمريكية، بمختلف أشكالها وممارساتها، هو موقف سياسي، وإعلامي، وفكري، صادر عن رفض تلك الهيمنة بأبعادها العدوانية على الإنسان، وبخطورتها الكبرى على السلام والأمن في العالم، ولا سيّما الشعوب والبلدان الأضعف في عالمنا المعاصر، بما يشمل المسلمين وغير المسلمين، بغض النظر عن تركيز الهجمة على البلدان الإسلامية في الوقت الحاضر، وليس لذلك علاقة بعداء لليهود، باعتبارهم يهوداً، وإنّما هو الرفض لممارسات كل من ((يؤثّر)) على السياسات الأمريكية باتجاه الهيمنة، ولا يتبدّل رفض تلك الهيمنة، فيما لو كانت دون تأثير النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية عليها.
4- إنّ ما صنعته النازية والفاشية في أوروبا، تجاه اليهود وسواهم، هو موضع إدانة المسلمين بحدّ ذاته، وهي إدانة لا ترتبط بتقلّب الأجواء في أوروبا أو سواها ما بين التركيز أو عدم التركيز على مسألة ((عداء السامية))، بل تصدر عن موقف مبدئي إسلامي، وعن حقيقة أنّ الإسلام يفرض على المسلم رفض كلّ عمل إجرامي يصدر عن أيّ جهة، ويستهدف أيّ إنسان من البشرية، ويتضمّن أيّ شكل من أشكال العدوان والظلم والعنصرية.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003