|


































| |
|
تحليل |
لها أسبابها السياسية والتنطيمية
أزمة فتح: صراع داخلي ومعارك على النفوذ والسلطة
لم يكن تقديم نحو 400 عضو من ((الكادر الوسط)) في حركة التحرير الوطني
الفلسطيني ((فتح)) في الضفة الغربية وقطاع غزة استقالات جماعية من عضوية
الحركة.
فقد أثارت هذه العريضة التي ترافقت مع موعد انعقاد المجلس الثوري لحركة فتح
اهتماماً كبيراً وأثارت الكثير من الضجة، كونها سلّطت أضواء كاشفة على الأزمة
التي تعيشها الحركة بعد سلسلة أحداث إلى جانب أزمة النظام السياسي الفلسطيني
برمّته.
والأزمة كما لخّصها موقّعو البيان الذين خلت أسماؤهم من أسماء كوادر بارزة,
وكان غالبيتهم من مدينة جنين ومن الأسرى ومن الأعضاء السابقين لمجالس الطلاب أو
موظفين صغار في السلطة، انخرطوا في صفوف فتح واعتقلوا لسنوات هو احتلال
الفاسدين لها، وهو ما أثار تذمّر الموقعين الذين لم يعد لهم مصلحة في البقاء في
هذا الحزب كما يقولون.
أما الكوادر البارزة فلم تستقل ولن تستقيل، لأنها المستفيد الوحيد من حكم الحزب
الفتحاوي مادياً وسياسياً.. فـ((النهب)) و((الفساد))- كما أشار الموقعون يتم
بواسطة الكوادر البارزة، والأمر كما قالوه أن السلطة لم تحاسب أحداً من هؤلاء
على ما سرق وما نهب.
ومما جاء بالرسالة أن: ((حركة فتح بدأت تتآكل من الداخل، بفعل التناقضات
الداخلية، ففتح ليست موحدة ولا واحدة)).
وأشارت الرسالة إلى أن مؤسسات الحركة ((أجسام بدون أي فعل، والصراعات داخل
الأقاليم تنبئ بكوارث وفتن وصراعات على أوهام ومصالح وفوائد)).
ورأت الرسالة أن الحركة ((لم تقم بعملية نقدية شاملة لمواقفها وبرامجها
وأهدافها بل ظلت تعتمد الغمغمة ومنطق الترقيع، والغياب التام للبرنامج التنظيمي
والنضالي وحالة الإفلاس السياسي)).
وقال الموقعون إن استقالتهم تعبير عن ((الاحتجاج على الحالة المأساوية التي
وصلت لها حركة فتح، ولم يتم التعاطي مع النداءات للإصلاح ووقف حالة التدهور،
التي تعصف بالحركة)).
وكان كوادر فتح المستقيلون قد أشاروا في رسالة الاستقالات الجماعية: ((ندرك
تماماً أن هذا البيان وهذه الاستقالة ستضرّ بنا شخصياً وبوظائفنا ولكننا سئمنا
الحالة التي وصلت إليها الأمور، وندرك أن الكثيرين منا سوف يتعرضون للضغط
والابتزاز لحملهم على التراجع ونفي ما ورد في هذا البيان والبعض الآخر سيلاحق
بالشائعات، لكننا مصممون على ترك الحركة بلا رجعة ما دامت بهذا الشكل المهين)).
فتحاويون يعترفون
وهذا التشخيص لواقع فتح هو قديم ولعل فيما قاله فيصل الحوراني أحد الناشطين
والكتاب الفلسطينيين في ورقة مقدمة إلى مؤتمر ((مواطن)) السنوي في رام الله، 18
و19/12/2003 ما يؤكد ذلك، حيث قال ((إن الفساد الغارقة فيه السلطة الفلسطينية
ليس فساد الذمم أو الفساد المالي وحده.. وكلما تعلق الأمر بأطراف ناشطة في
الحياة العامة، فإني أضع الفساد السياسي في المقدمة، وأعدّه أباً لكل فساد
وأمه، بما في ذلك فساد الذمم...)). وأضاف ((الفساد السياسي في فتح، كما هو في
الفصائل الأخرى، ناجم عن أسباب عميقة ذات صلة بالبنية الاجتماعية التي أفرزتها،
وهو يمتد في مجالات عدّة يؤثر فيها، ويتأثر بها)).
ويعترف الفتحاويون أنفسهم بوجود أزمة كبيرة وحادة في فتح، ويقول قدورة فارس
الوزير والنائب الفتحاوي في المجلس التشريعي وأحد القادة الشباب في فتح، إن
المؤسسات القيادية سبب كل العلل التي تعيشها الحركة اليوم. ويضيف: ((نعم هناك
تراجع في دور فتح وفي نسبة تأييدها، ولو بحثنا في الأمر لوجدنا أن أنماط
التفكير لدى شعبنا لم تتغير وكل ما تغير هو في فتح، حيث غابت المؤسسة أو غيّبت
نفسها)).
ثورة داخلية
فأزمة فتح إذن -كما قلنا- ليست بنت اليوم وإنما تعود لسنوات طويلة. ففي العام
1993 وبعد سنوات من الانتفاضة الكبرى تمت المبادرة لتشكيل لجنة أطلق عليها
((لجنة الطوارئ)) لبحث كيفية ترتيب وضع حركة فتح في الأراضي المحتلة وبخاصة بعد
توقيع اتفاق ((أوسلو)) مباشرة، وإن كانت اللجنة قد بدأت أعمالها قبل التوقيع
على الاتفاق.
وتشكلت اللجنة من عدد من كوادر حركة فتح، تولى رعايتها المرحوم فيصل الحسيني
عبر أكثر من اجتماع وموضوعها واحد وهو كيفية إعادة ترتيب وضع الحركة والتنظيم
في الأراضي المحتلة. وكان هناك توجيهان آنذاك: إما بالتعيين وإما عبر إجراء
الانتخابات.
وعند الانتخابات تباينت وجهات النظر وظهرت الإشكاليات وأن الحركة في الأراضي
المحتلة وتحديداً في الضفة الغربية جزء من حركة منتشرة في القطاع وفي المنافي،
وإذا كانت هناك إمكانية لإجراء انتخابات في هذه المنطقة فهل هناك إمكانية
لإجرائها في كافة مناطق فتح.
واستمر هذا الجدل شهوراً طويلة دون التوصل إلى اتفاق واضح، وكانت هناك عدة
أسباب منها وجود قلق عند بعض الكوادر بأن الانتخابات ستلقي بهم إلى الخارج،
ولذلك فهم يميلون إلى التعيين للحفاظ على وضعهم، ومنها أن القديم لا يريد أن
يفتح الطريق للجديد، ومنها وجود إشكالية حقيقية حول آلية حقيقية بدءاً من
القاعدة ووصولاً للقمّة، ومنها موقف فتح في الخارج.
ورغم هذا الجدل والتباين والاختلاف فإن التوجّه نحو الانتخابات كان وبشكل عام
سيّد الموقف، وكانت ثمرة اجتماعات لجنة الطوارئ هي عقد انتخابات إقليمية قاعدية
على صعيد المحافظات والمواقع أيضاً، وهي التي أجريت لمرة أو مرتين في بعض
المناطق والمحافظات وحتى في بعض المواقع.
وهذه التجربة أيضاً لم يكتب لها النجاح للاستمرار وخاصة بعد تشكيل السلطة
بفترة، خاصة وأن هناك تياراً داخل حركة فتح وفي القيادة من مجلس ثوري إلى لجنة
مركزية لا يريد الانتخابات، ولا يريد أن يخضع للقاعدة ويفضل التعيين دون قوانين
أو ضوابط وتلقائياً دون مساءلة ويفضل أن يبقى في كرسيه إلى الأبد.
لكن ما يمكن قوله من تجربة الانتخابات إظهارها حقيقة أن جاهزية القاعدة
للديمقراطية وللانتخابات متقدمة على القمة التي أصبحت مفصولة عن القاعدة.
ومع الوقت بدأت البنية التنظيمية في حركة فتح تترهل، وأصبحت بحاجة إلى علاج
جذري وبخاصة بعد اتفاق ((أوسلو)) وانتقال القيادة من الخارج إلى الداخل بعد
تشكيل السلطة، ولهذا ضعفت ولم تعد الحركة المركزية.
عناوين الأزمة الفتحاوية
واستناداً إلى الحديث السابق يمكن القول إن الأزمة الراهنة لفتح لها عدة
عناوين:
1-تنظيمياً: كان للأبعاد التنظيمية دور هام وأساسي في تشكيل واستمرار أزمة فتح،
وذلك إثر التغييرات العميقة التي جرى إدخالها على تنظيمات هذه الحركة، خاصة بعد
تشكيل السلطة الفلسطينية وتحويل قسم كبير من الكوادر الأساسية للتنظيم إلى
تشكيلات الأجهزة الأمنية للسلطة؛ منها جهازا الأمن الوقائي في غزة والضفة،
وباقي الأجهزة الأمنية الأخرى، فيما توجه قسم آخر لاحتراف التفرغ في إطار تنظيم
حركة فتح.
والمحصلة أنه تم صنع قيادات بلا قاعدة ومفصولة، بل ومكروهة إلى درجة ما، وتم
استبعاد الانتخابات كمنهج بدأ يتأسس داخل الحركة، وتم القضاء أيضاً على
الهيكلية التنظيمية التي عملت طوال سنوات الانتفاضة بمركزية، وكانت النتيجة أن
تحولت حركة فتح من تنظيم إلى حركة تملك قيادة ولها أتباع ومؤيدون يتذبذبون ذات
الشمال وذات اليمين، ولذلك لا يمكن الحديث عن شيء اسمه تنظيم داخل حركة فتح.
2- إن أزمة فتح أصبحت أزمة النظام السياسي الفلسطيني برمته: ففي المرحلة
التاريخية الجديدة التي ترتّبت على خوض أول تجربة لتشكيل سلطة فلسطينية بعد عام
1994، خاصة مع ارتهان هذه السلطة إلى حد بعيد لسلطات الاحتلال، وفقاً للشروط
التي رتبتها اتفاقية أوسلو تصدت فتح لهذه العملية؛ ولكن من دون أن تكون جاهزة
بنيوياً لاحتواء تبعات هذه المسؤولية الشاقة وتداعياتها الخطيرة؛ ومن ذلك
مثلاً، ما خلّفته هذه المسألة من تعارض بين منطقيْ الثورة والسلطة، وما آل إليه
وضع فتح من تناقض بين ما كانت تمثله من حركة شعبية تعبر عن نبض الجماهير
الفلسطينية، وبين تحولها إلى حزب للسلطة، يفترض فيها أن تدافع عنها، وأن تتحمل
وزر أخطائها وخطاياها.
3-العنوان السياسي للأزمة: يمكن القول بأن الأبعاد السياسية تُعَدّ واحدة من
الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة، ويمكن رصد ذلك بتعطل الحياة السياسية الداخلية
في فتح بسبب رهانها على التسوية وتنكّرها للمقاومة وتنسيقها الدائم مع الاحتلال
وإسقاط الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وتصديها للمقاومين والتفريط بالحقوق
الفلسطينية والتخلي عن القدس وحق العودة.
إضافة إلى تقادم البرنامج السياسي لفتح والذي تعود آخر صياغاته إلى البرنامج
الذي كان قد أقرّه المؤتمر العام الخامس للحركة المنعقدة بتونس في عام 1990،
ومن بين أهم الأسباب المسؤولة عن ذلك، تعمّد القيادة في فتح إعاقة وتعطيل
انعقاد مؤتمر جديد للحركة، وفرض وإحلال برنامج السلطة الفلسطينية وخطابها
السياسي، محل البرنامج السياسي لحركة فتح.
4- عنوان الأزمة المتعلق بالقيادة: فقد تشكلت مظاهر عدة للخلل أصابت المبنى
القيادي لحركة فتح المؤسسَ رأسياً من ثلاث طبقات:
أ- قمة الهرم القيادي في فتح تعرضت لغياب أو تغييب عدد كبير من القادة
التاريخيين، أمثال كمال عدوان، أبو يوسف النجار، أبو علي إياد، أبو جهاد، أبو
إياد...
ب- والأمر الآخر أن الظروف كانت قد فرضت على الحركة أن يتصدر الجيل الثاني
لقيادة فتح من أعضاء اللجنة المركزية الحالية؛ ولكن من دون سجل تاريخي
للإنجازات العامة.
ج- دخول الجيل الثالث في قيادة فتح: وهذا الجيل تشكل في أغلبه من أبناء الداخل
في الأراضي المحتلة منذ عام 67؛ ومن أبرزهم مروان البرغوثي، ومحمد دحلان،
وجبريل الرجوب، وحسين الشيخ، حسام خضر، جمال الشاتي، أمين مقبول، أحمد غنيم،
جمال الشوبكي، محمد الحوراني، أحمد حلس، رشيد أبو شباك، سمير المشهراوي، حاتم
عبد القادر، قدورة فارس، عبد الفتاح سعادة، زياد هب الريح، بشير نافع، منير
العبوشي، ناصر حميد، وغيرهم...
وتكمن مشكلة هذا الجيل من حركة فتح، على وفرة كوادره، في أن الأغلبية من هؤلاء
هم من أبناء جيل واحد متقارب عمرياً، وأنهم مروا تقريباً بنفس التجربة النضالية
كقادة في حركة الشبيبة منذ مطلع الثمانينيات، وكمعتقلين في الحركة الأسيرة داخل
سجون الاحتلال، وكقادة ميدانيين للانتفاضة الأولى والثانية، وكمبعدين.
ولهذه الأسباب، فإن علاقات التنافس بينهم تبدو أعلى بما لا يقاس مع أي علاقة
أخرى للتعاون أو التنسيق أو الانتظام في إطار قيادي واحد. وقد سمح هذا الوضع
لبعض القيادات الحالية في حركة فتح بالاتكاء على هؤلاء، والمساهمة في خلق
((تنظيمات فتح)) داخل التنظيم؛ لخدمة المعارك الموهومة للصراعات على السلطة.
أزمة مرشحة للتفاقم
وفي ظل هذه الوقائع فمن المرشح أن تتفاقم أزمة فتح لأن قيادتها اختارت
استراتيجية إدارة الأزمة، عوضاً عن اعتماد استراتيجية حلها، وهو ما يعني أنها
اختارت أن تتعايش مع هذه الأزمة أو ربما تعتاش عليها.
ويمكن القول إن تعاطي قيادات في حركة فتح (مجلس ثوري ولجنة مركزية ومتنفذين) مع
حركة فتح في الأراضي المحتلة ومع السلطة ومع رفض الانتخابات، كل ذلك كان وراء
مأزق فتح التي إن فقدت مشروع السلطة ستفقد نفسها أيضاً إذا ما واصلت هذا النهج.
|
| |
|