ممثّل حركة حماس في لبنان الأستاذ
أسامة حمدان:
ليكن انسحاب شارون من غزّة دون أثمان سياسية
لسنا معنيين باستلام السلطة في القطاع
حماس تدعو لحوار فلسطيني - فلسطيني وفلسطيني - عربي
الكيان الصهيوني هو الذي يحرّض على الفتنة
حاوره/رأفت مرّة
هادئ بطبيعته، محيط بكل القضايا السياسية المطروحة كعادته، يفصّل حيث تدعو
الحاجة، ويختصر حيث تكفي العبارة. التحليل لديه أساس لتبيان حقائق الأمور، لكن
نهاية التحليل لا تحيد عنده عن تقديم قراءة كاملة لقضية شائكة وحساسة مثل قضية
الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، بشكل يتقاطع مع المصلحة الفلسطينية ومشروع
حماس.
مع ممثّل حركة حماس في لبنان الأستاذ أسامة حمدان كان هذا الحوار.
كثر التشكيك في
مشروع شارون للانسحاب من قطاع غزة، فهل ترى أن هذه الخطوة جدية أم مناورة؟
• يجب وضع المسألة في حجمها الطبيعي، شارون أعلن أنه يفكر بإخلاء المستوطنات في
قطاع غزة، ثم تتالت بعد ذلك التصريحات من طرف الاحتلال، وصولاً إلى الحديث على
لسان وزير الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز بالانسحاب من غزّة، لكن ضمن عبارة تقول
((لن يبقى جندي إسرائيلي واحد داخل قطاع غزة))، وهذا يعني أن هناك تفكيراً
جدياً داخل الحكومة الإسرائيلية للانسحاب من غزة دون أن يحدث الآن، خاصة أن
الحديث يدور عن الانسحاب خلال عام، ونحن نعرف من خلال التجربة أن الإسرائيلي
كثيراً ما تتقلب قراراته لمصالح خاصة به. هذه القضية يجب وضعها في سياق آخر
وهو: أن خطوة الانسحاب من قطاع غزة ليست مستقلة عن غيرها، فقد بدأ الحديث
الإسرائيلي عن بناء الجدار والبدء في تنفيذ هذا البناء، ثم بعد ذلك الحديث عن
فكّ الارتباط ثم بعد هذا الانسحاب من غزة، مما يوحي أن هناك برنامجاً
إسرائيلياً يتدرج شارون في طرحه وتقديمه للرأي العام العالمي. خلاصة هذا
البرنامج محاصرة الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية، وحرمان الشعب الفلسطيني
من الحصول على نتائج سياسية لصموده ومقاومته على مدى السنوات الثلاث الماضية.
وهذا يعطينا نتيجة أن الإسرائيلي أقرب إلى الانسحاب من قطاع غزة وتخفيف وجوده
الأمني، وهذا لا يعني أن الانسحاب سيطلق للشعب الفلسطيني حريته في قطاع غزة.
يجب أن لا ننسى أن العدو سيبقى محاصِراً قطاع غزة ومتحكّماً بمنافذه.
المعروف أن المشروع الإسرائيلي مشروع توسّعي احتلالي،
لكننا اليوم نسمع عن انسحاب، إذاً ما هي المبررات التي تدفع شارون لهذا
الانسحاب؟ وما هي المكاسب التي سيحصل عليها سياسياً وداخلياً؟
• من أهم المكاسب التي سيحصل عليها شارون محاولة مقايضة هذا الانسحاب بتنازلات
فلسطينية وقبول أمريكي لحصول العدو على ثمن لهذا التنازلات في الضفة الغربية.
ومعروف أن خطة شارون تقوم على ضمّ أكثر من 52% من الضفة الغربية للكيان
الصهيوني، وحصر الفلسطينيين في معازل من خلال الجدار. هو لا يريد أن يواجه أزمة
سياسية مع الولايات المتحدة فيقدّم الانسحاب مشروعاً سياسياً يحصل من خلاله على
تنازلات في موضوع الجدار. ونلاحظ أن الوفد الأمريكي الذي زار الأراضي المحتلة
أخيراً حاول إدخال الانسحاب وكأنه جزء من خارطة الطريق لتبرير الخطوة.
الفائدة الثانية أن قطاع غزة مثّل استنزافاً أمنياً ومعنوياً للجيش الإسرائيلي
وفشل في البقاء أثناء توغله. تقرير قيادة الجيش كان يقول إن الكلفة المادية
والمعنوية لحماية المستوطنين في غزة تعادل أو هي أكبر من الكلفة التي يتحمّلها
الكيان الصهيوني لحماية مفاعل ديمونا. فشارون يحاول أن يحافظ على معنويات جيشه.
الفائدة الثالثة على الصعيد الفلسطيني أن شارون يلقي الكرة في الملعب الفلسطيني
لتقوم السلطة الفلسطينية –حسب ما يتخيل- بحماية أمن الكيان الصهيوني.
ويمكن أن ندرج في أهدافه ما يتعلق بالشأن الداخلي الإسرائيلي. الكل يعرف أن
شارون واجه أوقاتاً عصيبة تتعلق ببعض القضايا المرتبطة بالفساد. مثل هذه
المبادرات السياسية تشدّ الرأي العام الإسرائيلي باتجاه موقف جديد يضطر معه
للتغاضي عن بعض هذه القضايا.
هل تتخوفون من أثمان سياسية يحاول شارون تدفيعها للشعب
الفلسطيني؟
• أعتقد أنه إذا كانت خطوة الانسحاب بلا قيد أو شرط فلا خوف، لكن الحقيقة هناك
بوادر للتحرك للحصول على أثمان سياسية واضحة. ومن بينها تلك الأصوات غير
المنطقية التي انطلقت بالتهديد والوعيد إذا ما حاولت المقاومة السيطرة على قطاع
غزة، مع أن المقاومة لم تقل شيئاً من هذا. والأثمان السياسية واضحة كما قلت من
خلال زيارة الوفد الأمريكي. أضف أن الكيان الصهيوني حرّض كثيراً على الفتنة من
خلال مسؤولين كبار فيه. وللأسف التجربة الفلسطينية الرسمية مليئة بتقديم
تنازلات سياسية.
نلاحظ منذ فترة أن هناك مسلسلاً منظماً للإخلال بالأمن
داخل المجتمع الفلسطيني، هجوم على الصحفيين، ضرب لمسؤولين فلسطينيين. ما هي
أهداف هذه الاعتداءات وهل لها علاقة بالمحاولات الإسرائيلية لجرّ المجتمع
الفلسطيني إلى فتنة؟
• هذه الحوادث يمكن وضعها في سياق عام، وهو فشل الكيان الصهيوني في إحداث فتنة
على قاعدة الصراع بين المقاومة والسلطة، وهو ما دفعه إلى محاولة الفتنة على
أساس ميداني بين أجهزة وأطراف ربما تختلف فيما بينها على إدارة الأمور. وأعتقد
أن الاعتداء على الصحفيين مختلف عن الخلافات بين الأجهزة الأمنية. والصحفيون
قاموا خلال الفترة الماضية بدور كبير لمصلحة الشعب الفلسطيني من خلال كشف جرائم
الاحتلال. أما الصراع بين الأجهزة فلنا ملاحظتان: يجب أن لا يظن البعض أن مثل
هذا الصراع يقرّبه من واقع القيادة الفلسطينية، على العكس شعبنا يرفض هذا
الأسلوب. الجانب الثاني هو أن وظيفة هذه الأجهزة الدفاع عن الشعب الفلسطيني.
وهناك إشارة تتعلق بالعملاء فقد يحاول الاحتلال الاستفادة من عملائه لإحداث
فتنة. فيجب ملاحقة العملاء ومحاسبتهم، فالانسحاب الإسرائيلي لا يكتمل إلا إذا
اقتُلعت بقاياه من قطاع غزة.
تتهم حماس بأنها في حال الانسحاب من غزة ستتولى
السيطرة على القطاع، ما تعليقكم على ذلك؟
• لسنا معنيين باستلام السلطة في قطاع غزة، لأننا نعتقد أن الانسحاب ليس نهاية
المطاف بالنسبة للمقاومة، بل هو إنجاز أول يجب أن تلحقه خطوات أخرى. ونمدّ يدنا
للجميع لحماية وحدة شعبنا. وأؤكد أن حركة حماس لم تطلق أي موقف يشير إلى ذلك،
فمُطلِق هذه المواقف إما جاهل بطبيعة حماس أو مغرض يريد إحداث فتنة.
ما هو المطلوب فلسطينياً لتفادي أزمة سياسية قد يسعى
شارون لتمريرها؟
• المطلوب خمس قضايا أساسية:
أولاً: أن نرفض رفضاً قاطعاً أن تكون هذه ضمن صفقة سياسية.
ثانياً: يجب أن يكون هناك حوار فلسطيني فلسطيني لإدارة شؤوننا.
ثالثاً: إذا حصل الانسحاب فهذا يعني أن برنامج المقاومة قد أثبت جدواه على
الأرض. فنحتاج إلى مراجعة الأداء السياسي الفلسطيني وتكريس المشروع الفلسطيني.
وقد يدفع ذلك إلى تشكيل قيادة وطنية موحدة.
رابعاً: نحن بحاجة إلى إجراء نقاش فلسطيني – عربي حول هذه الخطوة حتى لا تحاول
الإدارة الأمريكية استغلالها للضغط على المنطقة العربية.
خامساً: التفاهم فلسطينياً لإحباط الهدف الإسرائيلي بمنع الشعب الفلسطيني من
الحصول على مكاسب سياسية في الضفة الغربية.
إذاً يجب أن تبني حماس الخيار السياسي الذي يؤمن
بانسحاب إسرائيلي فقط عن أراضي 67؟
• يجب عدم استباق الأمور، نحن واضحون في مواقفنا، الاحتلال هو احتلال لكل الأرض
الفلسطينية ومشروعنا الوطني هو مشروع تحرير كامل الأرض الفلسطينية، بغض النظر
عن الإنجاز الذي يتحقق عند كل مقطع زمني نضالي فلسطيني. إذا أراد الإسرائيليون
أن ينسحبوا إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو فلينسحبوا وانسحابهم لن يلقى
اعتراضاً من جانبنا. نحن نتعامل مع الواقع دون خلل بالأهداف أو انغلاق في
الأفق.
إذا أخلى شارون المستوطنين والجنود عن قطاع غزة فهل
حركة حماس ستتوقف عن المقاومة ضمن القطاع؟
• إذا خرج الاحتلال من قطاع غزة فلن يكون للمقاومة أهداف داخل القطاع، وهذا لا
يعني أن تلقي المقاومة السلاح، بل على العكس المقاومة معنية بتطوير أدائها
لإكمال المشوار. فهناك الضفة الغربية واللاجئون وبقية الأرض الفلسطينية.
هل تتخوف المقاومة من أن تدفع ثمن الانسحاب من قطاع
غزة، وذلك على قاعدة التحالف بين الأجهزة الأمنية التي دخلت في صراع سابق معها؟
• نحن نتمنى أن تكون العلاقات الفلسطينية – الفلسطينية دوماً إيجابية، وبالتالي
حصول مصالحات داخل السلطة الفلسطينية إذا كان هدفه مصلحة الشعب الفلسطيني، فهو
ما يسعدنا وندعمه، ولكن إذا كان هدف المصالحات النيل من المقاومة أقول إن
الواقع الفلسطيني يختلف اليوم عما كان عليه عام 94 وعام 96. فالشعب الفلسطيني
سيتحالف ضدّ أي استهداف للمقاومة وهو ما ظهر في الأشهر الماضية في غزّة.