تعيش مدينة جنين، شمال الضفة الغربية بعد عامين على اجتياحها ظروفاً إنسانية
واقتصادية واجتماعية وصحية صعبة نتيجة استمرار الحصار والاعتداءات الإسرائيلية،
وقلّة فرص العمل.
يؤكد أهالي جنين أن مدينتهم بحاجة إلى جهود جماعية ومصادر تمويل كافية لإعادة
النهوض بها، وبناء ما دمره الاحتلال من بنية تحتية ومنازل وإيجاد بدائل لتشغيل
الفلسطينيين بعد إغلاق كافة الأبواب أمامهم.
وحسب آخر الإحصائيات فإن عدد الشهداء الذين سقطوا في جنين خلال الاجتياح
الإسرائيلي وصل إلى 412 شهيداً، فيما أصيب الآلاف بجراح واعتقل الآلاف أيضاً
بقي منهم نحو 1200 أسير رهن الاعتقال.
ويعتبر الحصار المطبق على مدينة جنين أبرز مظاهر العدوان الإسرائيلي المتواصل،
ثم جاء الجدار الفاصل ليحرمها من الاتصال التجاري والجغرافي مع كثير من بلداتها
والمدن الفلسطينية داخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية، كما حرمها من التواصل
مع باقي المدن الفلسطينية، ومنعها من تصدير منتجاتها الزراعية مما كان له بالغ
الأثر في تردي الوضع الاقتصادي لمئات العائلات.
كما أدى الحصار إلى ارتفاع نسبة البطالة نتيجة منع العمال الفلسطينيين من
المدينة التي تعتبر الأكثر اعتماداً على العمل داخل الخط الأخضر من الوصول إلى
أماكن عملهم.
أوضاع متردية
وعن الوضع الإنساني في المدينة بعد عامين على الاجتياح يقول الشيخ خالد سعيد
إنه تردى بشكل كبير، مشيراً إلى التراجع الملحوظ في الخدمات الطبية والصحية.
مضيفاً أن هناك أضراراً كبيرة وتراجعاً في الخدمات الإنسانية على مستوى الرعاية
الصحية والمساعدات الغذائية.
وأوضح سعيد أن عدداً من المؤسسات الخيرية أبدت استعدادها لتقديم ما يلزم لإعادة
إعمار جنين والمساعدة في تخطي الظروف الراهنة وآثار الاجتياح، إلا أنها ظلت دون
المستوى المطلوب حيث تفاقمت الأزمة مع إغلاق أبواب العمل وارتفاع البطالة وقلة
الدخل.
وأشار إلى أن الأوضاع الاجتماعية شهدت تدهوراً في بعض جوانبها، حيث فقد الآلاف
من أرباب الأُسر مصادر دخلهم إما بمنعهم من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط
الأخضر أو لمصادرة أراضيهم ومزارعهم في الجدار الفاصل.
ومن الناحية الأمنية أوضح سعيد أن مدينة جنين كسائر المدن الفلسطينية تشهد
شيئاً من الانفلات الأمني بسبب الممارسات القمعية. وقال: وجود الاحتلال ساهم في
كثير من التجاوزات التي تبذل جهود مختلفة لاحتوائها، سواء بلجان الإصلاح أو
بالجهود الفردية التي لا تنفذ قراراتها في كثير من الأحيان نتيجة غياب القوة
التنفيذية.
ورأى سعيد أن غياب التطبيق العادل للقانون قبل وأثناء وبعد الاجتياحات يساهم في
تردي الوضع الأمني، مشيراً إلى أن ((غياب السلطة ليس وحده الذي أدى لانعدام
الأمن)).
من جهته أوضح الصحفي أحمد أبو الهيجا من جنين أن البطالة في المدينة تضاعفت،
مشيراً إلى أن جنين من أكثر المحافظات الفلسطينية اعتماداً على العمالة داخل
الخط الأخضر، حيث هناك محلات تجارية تعتمد على الفلسطينيين من داخل الخط
الأخضر، إضافة لوجود عمال أصبحوا محرومين من العمل.
وأضاف: انهيار قطاعي التجارة والعمل المرتبطين بمناطق الخط الأخضر فاقَمَه
إقامة الجدار الفاصل، موضحاً أن ((إحكام الحصار حول مخيم جنين حرم العمال من
الوصول إلى أماكن عملهم، مما جعل المدينة تعيش في حالة شلل تام، وظروف اقتصادية
سيئة للغاية)).
القطاع التجاري
وتابع أبو الهيجا: شهدت بعض المناطق وقرى المدينة خلال انتفاضة الأقصى حركة
تجارية في القرى الواقعة على الخط الأخضر حيث يستطيع عرب الداخل الوصول إليها
كونها بعيدة عن التوتر، إلا أن إقامة الجدار جعلها في معزل، مما دفع التجار إلى
الرحيل منها وبالتالي انهيار القطاع التجاري في القرى.
وعن طبيعة الوضع الزراعي بعد عامين على الاجتياح أوضح أبو الهيجا أنه أصيب
بسلسلة نكسات، حيث لم يعد المزارعون قادرين على الوصول إلى مزارعهم التي
التهمها الجدار وبالتالي عدم القدرة على فلاحتها.
أضاف: حُرِم السكان أيضاً من تسويق منتجاتهم خاصة من الخضروات سريعة التلف
والتي لا تتحمل أي تخزين أو تأخير في النقل أو على الحاجز أو في المزارع.
موضحاً أن مصير جزء كبير منها كان التلف أو بيعها بأجرة النقل فقط.
القطاع التعليمي
أما في القطاع التعليمي فيشير أبو الهيجا إلى أن تكرار اعتداءات المستوطنين
وجنود الاحتلال والاجتياحات في عدة قرى في محافظة جنين، ساهم في عرقلة المسيرة
التعليمية وتوقف الدراسة فيها.
وقال: يعتبر القطاع التعليمي داخل المدينة منتظماً إلى حد ما، نتيجة بُعده عن
مناطق الاحتكاك بالجنود أو المستوطنين الإسرائيليين، باستثناء فترات الاجتياحات
ومنع التجول، وإذا تعطلت الدراسة في المدارس الحكومية يتم الاستعاضة عنها
بالمدارس الشعبية. لكن في القرى القريبة من المستوطنات أو معسكرات الجيش تتعطل
الدراسة ويتعرض الأطفال للاعتداءات، فمثلاً تعتبر قرى عانين ويعبد والطيبة
وتياسير من أكثر البلدات معاناة من الناحية التعليمية، حيث تشهد احتكاكاً
مباشراً مع المستوطنين وتتعرض المدارس والطلبة لإطلاق النار والغاز المسيل
للدموع.
في انتظار المأوى
من جهته يقول المواطن محمد فريحات (أبو أشرف) إن قوات الاحتلال حاصرت منزله
لاعتقال ابنه وبعد تنفيذ عملية الاعتقال فجرت المنزل.
وأضاف فريحات الذي كانت قوات الاحتلال قد أعدمت ابنه قبل تدمير منزله بعام، أنه
لا زال يعيش في بيت مستأجر دون أن تقدم أية جهة على إعادة إعمار بيته أو
مساعدته في بناء بيت جديد، موضحاً أنه عبأ استمارة روتينية بما حل به من قبل
الاحتلال وقدمها لوزارة الأشغال إلا أنه لم يتسلم أية مساعدة إلى الآن.
وقال: تتذرّع وزارة الأشغال بقلة الموارد المالية والإمكانيات، وفي انتظار أن
تتحقق الوعود أبقى أنا وأبنائي الثمانية مشردين بين البيوت.
أما التاجر محمد أبو موس فيقول إن مجموع خسائره نتيجة حملات المداهمة وتفجير
منزله ومحلاته التجارية زادت على 300 ألف دينار، لكنه لم يعوّض بشيء منها.