جون
كيري...
((اليهودي الكاثوليكي)) الزاحف صوب البيت الأبيض
ياسر الزعاترة
في مقال له نشر في صحيفة ((نيويورك تايمز)) تحدث الرجل عن تجربته في حرب
فيتنام، وعن اللحظات التي جاءه فيها خبر قتل ((ديك بيرشنغ)) صديق طفولته وفترة
دراسته الجامعية، حيث كان متوجهاً إلى الحرب وهو الضابط الجديد في البحرية.
كان ذلك في العام 1968، وكان عمره أربعة وعشرين عاماً، وما إن وصل ميدان الحرب
حتى وجد ((الأعداء أشدّ قوة هذه المرة))، وفيما كان الجنود يحاربون، ((كان
المسؤولون يجلسون في طمأنينة في واشنطن وهم يرسلون إلى ميادين القتال المزيد من
القوات)).
برومانسية واضحة تحدث الرجل عن الرجال الذين اقتيدوا ((من شرفات المنازل وغرف
المعيشة في بيوتهم الآمنة ليزجّ بهم خلال أسبوعين تقريباً في عالم نيران
القناصة والكمائن والصواريخ والشراك القاتلة...))
تحدث بعد ذلك عن فقدانه لصديقه الآخر ((دون دروز)) الذي شكل منعطفاً آخر في
حياته، الأمر الذي جعله يقرر توظيف كل طاقته وقوته لمهمة وضع نهاية للحرب.
إنه (جون كيري) ذلك الرجل ((البورجوازي)) المتحدر من عائلة أرستقراطية من
((نيوإنجلاند)) -شمال شرق- والذي أصبح مرشح الحزب الديمقراطي لمنافسة جورج بوش
في انتخابات الرئاسة الأمريكية.
ولد (جون كيري) عام 1944 لأسرة كاثوليكية هاجرت إلى الولايات المتحدة مطلع
القرن العشرين، لكن قصة كاثوليكيته بدت إشكالية خلال الأسابيع الأخيرة.
صحيفة ((يديعوت أحرونوت)) الإسرائيلية قالت إن ((كيري)) ذو أصل يهودي وأن
عائلته قد تنصرت، لكن أخيه عاد وتهوّد. وبشرت الصحيفة بأن (كيري) نفسه ((نشيط
في منظمات مؤيدة للإسرائيليين بوضوح، وبين مديري حملته الانتخابية يهود
وإسرائيليون، وهو قريب في مواقفه من حزب العمل)).
المركز الإسرائيلي لتوثيق المحرقة اليهودية وضع بدوره النقاط على الحروف، حين
أفاد بأن جدة (كيري) اليهودية قد فقدت شقيقها وشقيقتها في المحرقة، وكذلك حال
جده اليهودي الذي ولد عام 1873 في قرية تقع فيما يعرف الآن بجمهورية
((تشيخيا))، أما والده فقد هاجر عام 1905 بعد أن غير اسمه إلى الولايات المتحدة
معلناً اعتناق الكاثوليكية.
هكذا يكون (جون كيري) أول رئيس يهودي للولايات المتحدة، فيما هو ثاني رئيس
كاثوليكي إذا أصر على أنه كاثوليكي بعد جون كيندي.
هناك الكثير مما يطرحه (كيري) في مواجهة جورج بوش خلال الحملة الانتخابية،
فالاقتصاد هو العنصر الرئيس ومن ضمنه الصحة والتعليم، فيما يعتمد الموضوع برمته
على الملف الأمني والاستنزاف الحالي في العراق، وتبعاً لذلك تأتي مسألة السياسة
الخارجية التي يرى (كيري) أن فريق بوش قد دفعها إلى منحدرات سيئة بسياسة
الأحادية القطبية وإدارة الظهر للشركاء الأوروبيين الذين يعد بترتيب علاقة أفضل
معهم طوال ولايته.
مقابل كل تلك الملفات، ومعها تلك الرومانسية المميزة لجورج كيري، يبدو الملف
الفلسطيني هو عنصر التطابق الوحيد بينه وبين جورج بوش، بل إن أحدهما سيزايد على
الآخر في حب اليهود ودولتهم والدفاع عنها.
يذكّر المشهد الجديد بنظيره في الانتخابات الماضية حين تنافس بوش ونائبه تشيني
مع آل جور الذي قيل إنه من أصول يهودية من جهة أمه أيضاً، مع نائبه اليهودي
(القح) ليبرمان، حيث فاز (بوش) وليتبين للجميع أنه أكثر إخلاصاً للدولة
العبرية، والمشروع الصهيوني من منافسه الآخر.
الآن تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فنحن أمام رجل مجرّب هو جورج بوش وآخر ((يهودي))
لم يجرّب بعد، لكن الفارق هو أن التطابق في السياسة حيال القضية الفلسطينية لم
ينسحب على ملف لا يقل أهمية بالنسبة للمسلمين، ألا وهو العراق، مع أن أحداً لا
يتوقع من (كيري) أن يبادر في حال فوزه إلى سحب قواته من العراق، لكنه قد يكون
أكثر هدوءاً وحكمة في التعاطي مع الملف من خلال عدم إدارة الظهر للقوى الدولية
الأخرى.
في المسألة الفلسطينية أعلن (كيري) برنامجه بوضوح حين قال ((سأقف إلى جانب
حليفتنا (إسرائيل) حتى أدفع السلام إلى الأمام))، وفيما ثمّن خطوات شارون
المهمة بشأن المستوطنات وفك الارتباط، فإن عرفات بالنسبة إليه لم يكن شخصاً
جديراً بالشراكة في المفاوضات لأنه دعم الإرهاب.
(كيري) الذي ترشحه الاستطلاعات للفوز على (بوش) لن يغير ولن يبدل في سياسة
الدعم المطلق للدولة العبرية، لكنه قد يفعل ذلك في العراق، الأمر الذي لا يبدو
مؤكداً، لسبب بسيط هو أن مصلحة الدولة العبرية هناك تكمن في استمرار سياسة بوش،
لكن موازنة الأمور لاتزال تقول إن (بوش) هو الأفضل بالنسبة إلينا، لأن فريقاً
متطرفاً في قيادة الولايات المتحدة سيكون أفضل بكثير من فريق عاقل معتدل سبب
قدرة الأول على توريط هذه الإمبراطورية المتغطرسة في مزيد من المشاكل مع العالم
أجمع، وتلك هي وصفة التراجع لكل الإمبراطوريات في التاريخ.. ذروة القوة المفضي
إلى الغطرسة ثم إلى التراجع وصولاً إلى النهاية.
|