فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Jun2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تحقيــق
قضــايــا
شؤون فلسطينية
الغلاف1
الغلاف2
شؤون العدو1
شؤون العدو2
تقرير
تحليــل
رأي - منير شفيق
رأي - غازي حمد
شؤون دولية
حــوار - الزير
شؤون عربية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
الشيخ والبدايات
الشيخ والعمل النسائي
مقابلة - العوا
الشيخ والقائد
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

الشيخ والقائد

وداعاً.... شاعرنا الشّهيد

دمشق/سمير عطيه
على دروب القدس، تناثرت القوافي..
على دروب الوجع، تصحو ((القصيدة الرنتيسية)) لتكتب أجمل الأشعار وبأغلى ما يكون الثمن.
اليوم، تُعانق فلسطين شاعرها الشهيد الذي طالما غنّى لحلمها، وتغنى بمجدها، والذي رسم على طريق الوطن زيتونه الأخضر، ورسم على فضائه أروع الشموس قبل أن يخضب الأفق المقدسي بالشفق، ويعانق الأرض التي طالما أحب، ليلحق بمن عشق من الأنبياء والشهداء..
كان يمكن أن يجعل من قلمه رصاصاً في صدور الأعداء، غير أنه كان يريد أن يجاهد بلسانه وبقلمه وبسيفه، في زمن تيبّست فيه رصاصات الأشقاء وصارت أقلام الكثير منهم تهفو إلى ((لغة التعايش)) مع العدو الصهيوني.
كان يمكن أن يترك نفسه ليداوي الأطفال الذين تعلم العلم لعلاجهم، لكنه أراد لفلسطين أن تتعافى من علّة الاحتلال لا العلل الصورية البسيطة. من هنا يطرق نداؤه الشعري قلوبنا وهو ينادي في أبناء أمّته أن لا يخافوا الموت.
وقفتنا مع الشاعر الشهيد، وقفة فخر، وقراءة يحق للقصائد أن تفخر بصاحبها لأنها ستحلق من الآن فصاعداً في فضاء الوطن، جاعلة من تحليقه في أفق المجد طريقاً لتحليقها في صدور المحبين وألسنة المجاهدين وديوان الإباء والصمود. هنا، ونحن نبدأ لنرى في وصيته القديمة الجديدة نداء كي يسارع أبناء الأمة في صنع الحياة.. الحياة الكريمة والعزيزة عبر الممات الكريم والعزيز لقائد هو ((عبد العزيز))، لن أكتب أكثر فمطلع القصيدة خير من يقدم نفسه:

قمْ للوطنْ، وادفعْ دماكَ لهُ ثمنْ
واطرحْ بعيداً كلَّ أسبابِ الوهنْ
فالموتُ أهونُ مِنْ غبارِ مذلَّةٍ
فلربَّ ذُلٍّ دامَ ما بقيَ الزَّمنْ
أفمنْ يذوقُ الموتَ كأساً واحداً
يجلو كما الترياقُ أوصاب البدنْ
أمَّنْ يعيشُ العمرَ ميْتاً يشتهي
طعمَ البلى فيرد كلاّ، لا، وَلَنْ

وهذا النداء، نجده أيضاً في قصيدته الشهيرة ((حديث النفس)) التي انسابت على شفاهه في ((مرج الزهور))، وهو يؤكد على الوصية ذاتها في الحرص على الممات بكرامة خير من حياة الذلة:
 فالموتُ خيرٌ منْ حياةِ الخنَّــعِ
ولذا فشــدِّي همّتي وتشجَّعـي
وهو هنا يُذكِّر بملحمة الصمود التي ارتسمت في مسيرة الشيخ الشهيد أحمد ياسين مروراً بحكاية الثبات في مرج الزهور، وكيف تحولت خيمة اللاجئ إلى خيمة للإصرار ورفض التهجير والتمسك بالحلم والأمل في العودة إلى الوطن، في قصيدة حمل عنوانها ((التحدّي))، في كلمة تختصر كثيراً مما نريد أن نقول أو نُفصِّل:

عُودوا إلى المشلولِ ياسين العُــلا
بحماسِهِ دارتْ على البغيِ الدَّوائـِـرْ
فَغداً تعودُ لنــا الدِّيــــارُ تبثُّنا
أشـواقها، ونقــيلُ في ظـلِّ البيادرْ
لنكحِّــلَ العينين مِـنْ أطيافِهــا
ونردِّدَ التَّسبيــحَ مع رنّاتِ طائــرْ
عودوا إلى مرجِ الـزُّهور لتعلموا
أنَّ المبادئَ لا تـَذِلُّ إلـى مُـكابـرْ


وهو في هذا المقام لا يعرف اليأسُ طريقاً إلى قلبه فكيف يصل إلى قلمه؟! فالظلام الذي يلقي بسواده على فلسطين وأشواقها، ويحاصر ظلم الاحتلال آمال النفوس، كل هذا لن يغير الحقيقة الجلية أو يزلزل الإيمان الراسخ في الصدور:

أنَّى التفتُّ وجـدتُ أنَّ اللَّيـلَ آذن بـالرحيـلْ
فالكـلُّ منْ حَولي يسـوقُ بشـائرَ المجدَ الأثيلْ
والبدرُ يحكي في العـلا شـمماً بطولاتِ الرَّعيلْ

ولعلها ((فلسفة الشهادة)) المتعمقة في نفس شاعرنا الشهيد، ولذلك نرى أن ثقافة الاستشهاد تجعل من كل الذين صاروا في حواصل طيور خضر عند مليك مقتدر، وهذا ما نراه في قصيدة ((الشاعر الشهيد)) حين كتب رثاء في ((المهندس يحيى عياش)):

عيّاشُ حيٌّ لا تقلْ عيّاشُ ماتْ
أو هل يجفُّ النّيلُ أو نهرُ الفراتْ
عيّاشُ شمسٌ والشّموسُ قليلةٌ
بشُروقها تُهدي الحياةَ إلى الحياةْ

والجميل والعجيب في نفس الوقت، ما نقرؤه في ختام هذه القصيدة حين يتلو النداء الشعري على قلوب محبي عياش فيقول:

أبشر فإنَّ جهادنا متواصلٌ
إن غابَ مقدامٌ ستخلُفُهُ مئاتْ

ربما يكون عشق التضحيات أصدق ما في هذه الأبيات وأكثر ما يُعبِّرعن الهوية الشعرية للشهيد الحبيب، لذا فإنّ قصيدته ((حديث النفس))، وما بها من معانٍ وصور وانسيابية شعرية ورِقّة في موسيقى قوافيها وتنوعها، يجعل من هذه الأبيات شعاراً يرمز إلى هوية شاعرنا، ويلخص أمله في مسيرته التي اختلط فيها الوجع والألم بالحلم والأمل:

إنَّ الحياةَ وإنْ تطلْ يأتِ النَّعي
فإلى الزَّوال مآلُها لا تطمعي
إلآّ بنيلِ شهادةٍ فتشفَّعي
 

اشتاق الحبيب لمحبوبه.. فآثر الرحيل


بيروت/أحمد الحاج
بالكاد انتظر المساء ليلقى حبيبه، ما غرّته الدنيا يوماً فكيف وقد خلت من الحبيب. ((فليعلم الله أنني في شوق للقائه ولقاء الأحبة.. شيخنا وحبيبنا أحمد ياسين..))، كلمات لم ينقطع عن تردادها (صقر فلسطين)، الدكتور عبد العزيز الرنتيسي منذ استأذنت الشهادة حبيبه.
ما جالس الشيخَ يوماً إلا ونهضت السعادة من كبوتها، وسكنت الضحكات المتلألئة المستبشرة وجوه الحاضرين.
بدأت الحكاية حين نضج الألم في عقول الحكماء، والتقى الشيخان في أوائل السبعينات من القرن الماضي، فاستعصما بحب الله وانصهر شوق عيونهما وإسراء قلبيهما إلى القرى التي هُجّروا منها.
لقد وجد الدكتور الرنتيسي في الشيخ ياسين أنفاسه ودقات قلبه التي طالما بحث عنها في أزقّة وحَواري المخيمات ومساجد غزّة هاشم.
وجد فيه ثبات جبال الجليل، وسلاسة نهر عكا في الربيع، وصرخة الفقراء في خيام اللاجئين. إذاً فمن أفضل منه ليروي به ظمأ فؤاده إلى قدوة تستحق قيادة شعب استثنائي، لتحقيق نصر بقضية استثنائية في قدسيتها وأبعادها الحضارية. وهكذا اقتبس الرنتيسي من الياسين شعاع التطبيق العملي لفكر ونهج الإخوان المسلمين. ومنذ ذلك الحين لم تفصل روحَهما غياهبُ السجن ولا حتـى الطائرات العاجزة عن فصل الروح عن الروح.
يقرّر الشيخ ياسين في العام 1976 بناء مجمع إسلامي في غزة ليكون شراعاً لسفينة العمل الإسلامي، ونواة لنهضة إسلامية طال انتظار التراب المقدّس لها. ومَن غير فاروق غزة يعينه على زرع يعجب الزرّاع ليغيظ به المحتلّ ومن يراهن على بقائه، فتهتدي غزة إلى طريقها، وينبلج فجرها فيكبر المجمع تحت أعين الشيخين.
في الثامن من شهر كانون الأول/ديسمبر 1987، مقطورة إسرائيلية يسيّرها حقدها الغبي الحالك، تدوس عدداً من العمّال الفلسطينيين. فينتفض ربيع غزة، وتقدّم الجامعة الإسلامية في القطاع أعطر أزهار ذلك الربيع القاني. وفي اليوم الثاني يجتمع حكماء غزة العاملين لإحياء دينها وعلى رأسهم الشيخان ليعلنوا موت الخريف، وولادة أمّة، تلك هي ولادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
ويدخل من وحّد المنهج والحب في الله قلبيهما السجن معاً. لكن السجن بقي أصغر بكثير من أن يضمّ أرواحاً عظيمة، فحوّل وصالُ قلبيهما الألمَ لذة والحزن مسرّة والسجنَ سياحة للروح تتدبّر فيه القرآن الكريم.
ويغوص كلّ واحد من الشيخين في أعماق الآخر مكتشفاً لآلئ لم يلحظ مدى روعة جمالها وبريقها طيلة أكثر من ستة عشر عاماً من المودّة النامية. فالرّوح في السجن أكثر شفافية، وقيل إن السفر سمّي سفراً لأنه يُسفر –أي يكشف- عن أخلاق الرجال، فكيف بظلام وعذاب سجن أُعدّ للرجال الرجال.
يؤتى بالشيخ أحمد ياسين فيعذّب عذاباً لو آسته الجبال لتلعثمت هاوية ونطقت بما أريد لها أن تنطق به، لكنّ الشيخ بقي يسبّح الله ويحمده على نعمته والسجّان يضرب بل لعلّه يُضرب، فيأتون بابنه عبد الحميد ويقاسي ما يقاسي من لؤم المحتلّ وتعذيبه أمام والده، أمّا الشيخ فلم تلن له قناة. ثمّ يجاء بالدكتور المجاهد عبد العزيز الرنتيسي فيُمنع من النوم ستة أيام متواليات وهو يُعذّب عذاباً شديداً لو لامس نجماً لأحرقه. لكن كل ذلك ما فتّ عضديهما فلم يعترفا بشيء خوفاً على الزرع. كأنهما حبيب بن زيد يطلب منه مسيلمةُ الكفرَ فيقول له لم أسمعك، ثم يقطع من جسده ويقول له أكفر فيردّدها ثانية: لم أسمعك إلى أن صعدت الروح إلى بارئها.
ثمّ يعود الشيخان إلى السجن معاً فيقف الدكتور الرنتيسي بين يدي الشيخ ياسين يمدحه شعراً، وذلك بما رأى من ثبات الشيخ، فينشد قصيدة لا تعكس سوى قلب يعصف ببحور من المودّة تجاه الممدوح ومطلعها:

يا طود يا بركان ياعلم ماذا يخطّ لوصفك القلم
يا من على الآلام قد طويت منك الضلوع وأنت مبتسم

لكنّ الشيخ ياسين بقي يردّد عبارته الشهيرة ((لا تمدحوا حياً)). يا الله ما أروع المادح وما أعظم الممدوح.
يُبعَد القائد الرنتيسي إلى جنوب لبنان، ليكون أخطر جيش متربص على حدود الوطن، ورغم عظم المسؤولية التي أوكلت إليه، إلا أن لسانه لم يفتر ذكراً لحبيبه القابع في السجن، فيربط على قلوب المبعدين بأحاديث عن الشيخ ياسين. فيقول كنا مجموعة في السجن أردنا أن ننظف أبدان بعضنا من الحشرات، فلمّا انتهينا من أبداننا ذهبنا إلى الشيخ أحمد ياسين لتنقية بدنه، فلم نعثر في جسده على أية حشرة، وأيقنا أنها كرامة من الله اختصّه بها، فقلنا باندهاش ما هذا يا شيخ؟ فأجابنا بتواضع معهود ((لعلّ دمكم ألذّ من دمي فذهبت الحشرات إليكم وتركتني)).
وتتفجّر انتفاضة الأقصى بعد أن نفد الصبر من الاتفاقات الصفراء، فيلازم الصقر فضاءه الذي وجده في الشيخ ياسين، ورغم الظروف الأمنية وتعرّض كلّ واحد منهما لسيل من محاولات الاغتيال، إلا أنه قلّما تجد أحدهما بعيداً عن الآخر.
وتأتي ساعة الظفر فيلقى الياسين ربّه شهيداً، ولأوّل مرّة نرى دمعة تسقط من عيني صقر فلسطين، إنها الحزن على الفراق والوعد باللقاء. يقف الصقر يوم استشهاد الياسين ليبشّر الجموع بقرب أجله ((ذكر لي الشيخ ياسين أنه رأى في منامه أنه قام يمشي، فأمسكت بيده ومشينا معاً والجماهير الغفيرة مشت خلفنا، وفسّر المنام بأنه سيلقى الله قريباً ثم ألحق به)). هي بشارة خفّفت عنه لوعة الفراق، ولعلّه كان مبتسماً حين موته بتحقيقها، ما أجمل الموت حين يجمعنا بالحياة.

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003