الأستاذة جميلة الشنطي
المحاضرة في الجامعة الإسلامية والناشطة في العمل النسائي:
كان الشيخ ياسين يضع ثقته الكاملة في العمل النسائي ويؤمن بدور المرأة الفاعل
غزة / ابتسام مصطفى
نواصل شرح الجوانب المختلفة من شخصية الشيخ أحمد ياسين، واهتمامه بالمرأة
والعمل النسائي.
- متى وكيف انطلق العمل النسائي في قطاع غزة؟
• كانت بدايات الانطلاق للعمل النسائي في قطاع غزة عن طريق افتتاح قسم خاص
للنساء في مسجد العباس في مدينة غزة سنة 1973، حيث تولّى الشيخ الشهيد منصب
إمام المسجد، فعمل على افتتاح قسم خاص للنساء بمبادرة منه وحده، فلم نكن نشهد
في ذلك الوقت خروج النساء للصلاة في المساجد أو تخصيص دروس لهن تُعلمهن أمور
دينهن في المساجد، بل كان يتم ذلك عن طريق جهد فردي تقوم به امرأة حظيت بشيء من
التعليم وترغب في تعليم غيرها، فكانت عدة نساء يحاولن العمل بهذه الطريقة عن
طريق زيارات يقمن بها لمعارفهنّ يحاولن أن يشجعوهنّ على الالتزام بأمور دينهن،
وكانت هذه الدروس تركز على العبادات فقط. ولكن بعد تحرك الشيخ ياسين ومن خلال
إيمانه بفكرة أن المرأة هي صانعة الأجيال ويتوقف عليها صلاح المجتمع، سعى إلى
إيجاد مكان للنساء في مسجد العباس يلتقي فيه بهن، ويحاول أن يمحو الأمية
الدينية التي سادت في ذلك العصر بفعل الاحتلال الذي عمل على ترويج مفاهيم معينة
تسهل هدفه لغزو المجتمع الفلسطيني ثقافياً، حتى يسهل السيطرة عليه أمنياً. ومن
هذا المنطلق سادت الكثير من المفاهيم المغلوطة التي دعت الشيخ الشهيد لمحاولة
التصدي لها عن طريق إعادة صياغة المجتمع بكل فئاته ومن ضمنها المرأة التي تلعب
دوراً كبيراً في آلية التغيير، فقد كان رحمه الله ذا بصيرة ثاقبة وفكر واع، كان
دائماً يردد أن الغرس لكي ينمو يجب أن يكون سليماً منذ البداية والتغيير يجب أن
يبدأ من الجذور.
ومن مظاهر اهتمامه بذلك أن ابتدأ بالمراحل المهمة في البناء وهي مرحلة رياض
الأطفال والمرحلة الجامعية، ثم توّج ذلك ببناء مدرسة دار الأرقم للفتيات.
- ما هي الدوافع التي تفسر اهتمام الشيخ ياسين بالعمل النسائي؟
• كان رحمه الله يدرك أساليب أعداء الإسلام في النفاذ للجسم الإسلامي عن طريق
الحلقة الأضعف؛ وهي المرأة، فحاولوا غزوها ثقافياً وحضارياً لسلخها عن هويتها
الإسلامية، ومن هنا عمل الشيخ ياسين على توجيه المرأة الفلسطينية التوجيه
الصحيح لما لها من وضع خاص فرضه عليها ظرف الاحتلال الذي حاول بكل الوسائل
تخريب المجتمع الفلسطيني عن طريق الإسقاط في العمالة، مستخدماً المرأة كوسيلة
ناجحة لذلك، ولما كان يقع على المرأة عبء تنشئة وصياغة عقل جيل النصر القادم
أولاها كل هذا الاهتمام.
وقد ترجم هذا الاهتمام عن طريق افتتاحه قسماً خاصاً للنساء في مسجد العباس، ومن
ثم انتشرت هذه الفكرة فيما بعد في جميع مساجد القطاع، فوجدت المرأة من يعلمها
أمور دينها ويبصرها بما يحيكه أعداء الإسلام لها من خطط.
وقد تقنن هذا العمل وتطور حين افتتح المجمع الإسلامي، وكان للمرأة مكان خاص فيه
انطلق منه عملها الدعوي.
- شهدت الثمانينات والتسعينات تطوراً هاماً في نوعية العمل النسائي, كيف كان
ذلك؟
• كانت مرحلة السبعينات مرحلة إنشاء وتأسيس قاعدة للعمل النسائي، تطورت بعد ذلك
عند إنشاء المجمع الإسلامي الذي كان بمثابة تجميع لجهود المرأة وشكل بداية
الانطلاق الحقيقي للعمل، إذ شمل العمل الكثير من التجمعات النسائية مثل مراكز
تأهيل المرأة ومشاغل الخياطة التابعة لوكالة الغوث. وقد وجّه الداعيات للاهتمام
بهذه التجمعات والعمل على نشر الوعي الديني بها، لأنها كانت مستهدفة من قبل
الذين يريدون أن يشيع الفساد في المجتمع الفلسطيني. وبالفعل قامت الأخوات
بإعطاء الدروس الدينية في هذه الأماكن، وقد أثمرت النتائج المرجوة التي كان
يطمح إليها الشيخ ياسين، فأصبح الكثير من النساء والفتيات على مختلف المستويات
العلمية يترددن على المساجد للاستماع للدروس الدينية.
كان يدعونا لاستثمار كل الوسائل في سبيل الوصول إلى الغاية التي نرجوها وهي حث
الناس للسير على طريق الدعوة، فكما استخدم الشيخ الكثير من الوسائل في تبليغ
دعوته عند الرجال، دعانا كذلك لاستخدام هذه الوسائل في إيصال دعوتنا لكل امرأة
في المجتمع وتحقيق الهدف؛ وهو إقامة المجتمع المسلم.
كان يدعو رحمه الله دائماً إلى محو الأمية الدينية وإشاعة الوعي السياسي
والتثقيف التعبوي والجهادي، تبعاً لخطورة المرحلة التي يمر بها الشعب
الفلسطيني.
وقد تعزز هذا العمل وأصبح أكثر بلورة حين أقيمت الجامعة الإسلامية، فأصبح العمل
أكثر تنظيماً وممنهجاً أكثر، وذلك لالتقاء الفتيات من كافة مناطق القطاع في
الجامعة ليتعلمن أصول دينهن، ومن ثم يقمن بتعليم نساء المنطقة التي يسكنّ بها،
فانتشرت الدعوة بفضل الله بهذه الطريقة. كان الشيخ رحمه الله يشجع عمل الأخوات
فيعقد لهن اللقاءات التربوية في المجمع، ويلتقي بهن في المساجد من خلال الدروس
التي كان يخصصها لهن، ويحدثهن ويستمع إليهن ويحفزهن للمناقشة والعمل للدعوة في
سبيل الله، ويبين لهنّ مدى أهمية الدور الذي يقمن به، ويلومهنّ أحياناً إذا لمس
منهن أي تقصير, كان يقول لهن دائماً ((إن ما تقمن به أقل من جهدكن الحقيقي))،
كان يستحث الهمم ويشجعهن على توسيع دائرة عملهن، ويدعم أي مشروع يقمن به.
- آمن الشيخ ياسين بالعمل المؤسساتي المنظم وشجع عليه, كيف طبق ذلك بالنسبة
لعمل المرأة؟
• كان رحمه الله يدعم عمل المرأة بكل الوسائل ويحاول أن يوفر لها الجو الملائم
لهذا العمل، فعمل على إنشاء فرع نسائي في كل عمل يقوم به إلى جانب المؤسسات
الخاصة بالنساء، فحين افتتح المجمع الإسلامي حرص على إنشاء قسم خاص بالعمل
النسائي، وخصص لها أماكن خاصة بها، مثل مراكز التأهيل التي عمل على إنشائها
لتوفير الحياة الكريمة لمن فقدت المعيل، فيساعدها على إعالة نفسها وعائلتها عن
طريق تعلم مهنة في هذه المراكز إلى جانب الاستفادة من الدروس الدينية التي
تقيمها تلك المراكز.
كان الشيخ يلتقي بالنساء من جميع الفئات العمرية وعلى مختلف مستوياتهن العلمية،
يخصص لكل فئة درساً مستقلاً يخاطب كل شخص على قدر عقله.
وكان يلتقي بهن في المجمع الإسلامي أو في بيته.. حتى النساء اللواتي لا يعرفن
الكتابة والقراءة كان يعطيهن درساً خاصاً بهنّ.
ولكن الفتيات المتعلمات كن محور اهتمامه، إذ وجد فيهن الدعامة التي يرتكز عليها
العمل الدعوي. فدعا إلى تثقيفهن وتوعيتهن بشتى الوسائل عن طريق عقد لقاءات
دورية لهن يلتقيهن ويحاورهن. وقد حاول أن يدخل عنصر الترفيه لجذب الفتيات
للدعوة، وكان هو صاحب فكرة إقامة الرحلات والأيام الثقافية والمخيمات في
الجامعة، وكذلك الندوات والمسابقات في المساجد، كان لا يجد وسيلة مناسبة إلا
واستخدمها في إيصال فكرته التي سخر حياته من أجلها؛ وهي إيصال الدعوة إلى كل
بيت ومن هنا استطاع الشيخ ياسين أن يجعل من المرأة الفلسطينية إنساناً جديداً
غير ما خططه أعداء الإسلام لها، واستطاعت المرأة المسلمة أن تقف بحزم أمام هذه
المغريات.
كان يشجع الأخوات على إنجاح عملهن، فكان يحرص أن يحضر شخصياً كل عمل يقمن به
ويشاركهن نشاطاتهن رغم كثرة أعبائه، ويلتقي بهن دائماً حيث كانت تترك مشاركاته
تلك أثراً طيباً في نفوسهن فيدفعهن ذلك للعمل أكثر.
ومن هنا نجد لاهتمام الشيخ ياسين شخصياً بكل تفاصيل العمل النسائي في غزة
والدور المميز الذي حاز عليه العمل النسائي بالنسبة للحركات الإسلامية في
العالم.
-آمن الشيخ ياسين بدور المرأة السياسي إلى جانب الدور الدعوي، كيف شجّع الشيخ
ياسين المرأة على الانخراط في العمل السياسي؟
• كان يحرص دائماً على وضع الأخوات في صورة ما يستجدّ على الساحة من أحداث،
ويأخذ رأيهن ويشاورهن ويطلب منهن أن يكنّ دائماً في المقدمة سواء في المسيرات
أو المهرجانات العامة، ويحرص على أن يكون لهن مواقع مناسبة في شتى المجالات.
لم يكن يفرض عليهن رأيه أبداً، بل يجلس يحاورهن ويستمع إليهن ويختلفن معه في
الرأي فتبدو عليه علامات السعادة أن وجد من بناته وأخواته من وصلن إلى هذا
النضج السياسي والعقلية المتفتحة، فكان يحترم رأينا كثيراً.
كان يعطي الأخوات جزءاً كبيراً من وقته، ويُفرد لهنّ وقتاً خاصاً، ومهما كثرت
مشاغله كان يحرص أن لا يقاطعهن أبداً حتى ينهين ما أردن مناقشته من قضايا، وكان
لتشجيعه قيام الكثير من الأنشطة التي قامت الأخوات بها مثل: المؤتمر التربوي
الأول (بالتعاون مع جمعية الشابات المسلمات)، مؤتمر مناهضة قانون العقوبات، يوم
دراسي تربوي في الجامعة الإسلامية، والكثير من المسيرات التي كان يدفعنا الشيخ
للقيام بها، إلى جانب مؤتمرات سياسية قامت بها اللجنة النسائية في حزب الخلاص.
ومن آخر ما دعى إليه الشيخ رحمه الله إقامة جمعية نسائية خاصة بأسر الشهداء
تنظم أمورهن وترعى شؤونهنّ، وتعالج المشكلات التي تتعرض لها تلك الأسر بعد غياب
الزوج أو الأب.
- كان لطالبات العلم مكانة خاصة في نفس الشيخ ياسين وخاصة اللواتي تفوقن منهن,
ما مدى اهتمام الشيخ بتشجيعهن؟
• وضع الشيخ ياسين طلب العلم على قمة سلم أولوياته، فقد كان يؤمن أن العلم هو
الذي يجلب القوة، وبالعلم نحارب أعداءنا وننتصر عليهم بإذن الله، فقد ابتدأ
اهتمامه –كما أسلفنا- بالمراحل التعليمية الدنيا ابتداء من رياض الأطفال
وانتهاء بالمرحلة الجامعية. كان يشجع المرأة على أن تكون متعلمة حتى تعي ما
يدور حولها وتستطيع تربية جيل واع مثقف يستطيع النهوض بمسؤولياته تجاه مجتمعه.
كان يشجّع دائماً على تكريم أوائل الطالبات في المدارس في كافة المراحل
التعليمية، وذلك عن طريق إقامة مهرجانات تكريمية يكون هو حاضراً فيها، ويقدم
الجوائز التشجيعية التي كانت تكلف مبلغاً كبيراً من المال ولكنه لم يكن يأبه
لذلك، فقد كان جلّ اهتمامه أن يدخل الفرحة على قلوب المتفوقات.
- آمن الشيخ ياسين بالدور الجهادي للمرأة في تحرير فلسطين جنباً إلى جنب مع
الرجل، ما هي الدعوة التي وجّهها إليكم؟
• انطلاقاً من كون الجهاد فريضة على أهل فلسطين جميعاً ومن ضمنهم المرأة، كان
رحمه الله يطلب من النساء أن يساهمن في العمل الجهادي؛ كل واحدة منهن حسب
طاقتها وبالطريقة التي ترتئيها مناسبة لها وكان يدعم ذلك بقوة.