فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Jun2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تحقيــق
قضــايــا
شؤون فلسطينية
الغلاف1
الغلاف2
شؤون العدو1
شؤون العدو2
تقرير
تحليــل
رأي - منير شفيق
رأي - غازي حمد
شؤون دولية
حــوار - الزير
شؤون عربية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
الشيخ والبدايات
الشيخ والعمل النسائي
مقابلة - العوا
الشيخ والقائد
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

الشيخ والبدايات

الأستاذ محمد حسن شمعة رفيق الشيخ أحمد ياسين
يتحدّث عن البدايات ومراحل التأسيس وتطوّر المشروع الإسلامي

غزة / فلسطين المسلمة
الأستاذ محمد شمعة من أوائل الذين تعرّفوا إلى الشيخ أحمد ياسين، ورافقوه في بناء المشروع الإسلامي في فلسطين. هذا الحوار يسلّط الضوء على حياة الشيخ ياسين وبدايات التأسيس والبناء وشخصية المؤسس.

- كيف كان اللقاء الأول بينك وبين الشيخ ياسين؟
• الحديث عن الشيخ حديث عن الدعوة الإسلامية في هذا البلد، فهو يمثل رحمه الله تاريخ أمّة، حيث إنه كان ((أمة وحده))، أما علاقتي وقصة تعرفي عليه فقد كانت سنة 1967 بعد انتهاء الحرب، حيث أصبح الحديث في كثير من التجمعات واللقاءات بين الناس عن الإسلام، وطرحه كبديل عن القومية الذي تبنّته حكومات وبعض القوى يومئذٍ، وكانت تروّج له عن طريق وسائل الإعلام.
كنت في الخمسينات والستينات أسكن في مدينة غزة، وبعد حرب 67 انتقلت للسكن في جنوب مخيم الشاطىء, كنت معروفاً بتديني وتمسكي بالإسلام فحدثني البعض عن الشيخ القعيد المتميز بفكره، أحببت أن أتعرف عليه وذهبت يوماً بعد المغرب مع أحد زملائي للقائه، وكان يسكن شمالي مخيّم الشاطىء في بيت صغير متواضع كان مكتظاً بالزائرين وأغلبهم من الشباب، دخلت وسلّمت عليه وتعرف على اسمي وكنيتي ورحبّ بي. جلست أستمع إليه وكانت له طريقة فريدة في الترحيب بزواره، إذ كان يشاركهم الحديث حتى يشيع الثقة في نفوسهم، إذ كان يقول ((أليس كذلك يا أبا فلان؟))، كرّرها لي ثلاث مرات.

- ماذا في ذهنك من ذكريات المراحل الأولى لدعوة الشيخ؟
• كان يذهب إلى تجمعات الناس؛ وبخاصة الشباب ليحاورهم ويناقشهم، ومما أذكره عن تلك الفترة من الطرائف التي حصلت أثناء محاوراته لأحد الشباب، سأله أحدهم بقصد إحراجه: يا شيخ أحمد، أريد أن تثبت لي أن الله موجود؟ فسأله: هل تؤمن بالله. قال: نعم. قال: إذاً لا داعي ما دمت مؤمناً. فصرخ الشباب: قل له لست مؤمناً حتى تثبت لي.
قال الشيخ: لو اتفقنا على الذهاب للنادي غداً فجراً والنادي مغلق وفتشنا فلم نجد أحداً ثمّ وجدنا عقب سيجارة على الأرض، فعلى ماذا يدل ذلك؟
فقالوا: أن هناك شخصاً مرّ من هذا المكان ولا زال موجوداً، فقال: إذا كان هذا الأثر البسيط يدل على وجود شخص ولم نره، أفلا يدل هذا الكون كله على وجود الله؟
فأفحم الجميع وسكتوا.
ولم يقتصر نشاطه على منطقة سكنه بل امتد إلى باقي مساجد القطاع فكان رحمه الله شعلة من النشاط لم تعِقْه صعوبة حركته عن أداء مهمته. أذكر عندما كنت في دورة تدريبية للمدرسين في مدينة رام الله سنة 67، فوجئنا ونحن نصلي الفجر في المسجد، إذا بالشيخ يدخل علينا ولم يكن ملتحقا بالدورة، ولكن سمع أن هناك تجمعاً للمعلمين فأراد أن يخاطبهم، وقد كان يعوّل عليهم، إذ أنهم هم الذين يصنعون عقول الجيل، فكان يريد أن يصلح الجيل من خلال القيّمين عليه، قال يومها: كل بلد يجعل مناهج التربية في خدمة النظام الذي يتبناه، فالنظام الشيوعي يوجه النظام التربوي لخدمة مبادئه والنظام الرأسمالي كذلك، فهل نحن في بلادنا الإسلامية نخدم نظامنا التربوي وفكرنا وعقيدتنا وديننا؟؟ ثم أخذ يحدثهم عن دورهم في كونهم دعاة إلى الله قبل أن يكونوا معلمين..
كان رحمه الله لا يترك مجالاً ولا مكاناً ولا مناسبة إلا واستغلها في الدعوة إلى الله.

- بنظرك متى بدأت المرحلة التي تلت البدايات، وبماذا تختلف عن سابقتها وما الجديد فيها؟
• المرحلة التالية في دعوة الشيخ بدأت عندما أصبح خطيباً للمسجد العباسي سنة 1969، وهو مسجد يقع في أرقى أحياء غزة، تسكنه طبقة غنية ذات ثقافة عالية، استطاع في هذه الخطب أن يجمع الناس حوله، واستغل هذه الخطب في تبني وسائل جديدة في الدعوة، كان يقوم بتوزيع أجزاء صغيرة من كتب الظلال لسيد قطب؛ حوالي عشرين ورقة يوزعها مجاناً، حتى يتعرف الناس على ماهية الكتاب الإسلامي الذي كان محارباً وخاصة بعد استشهاد سيد قطب.
وأذكر كيف أنشئت أول مكتبة في المسجد العباسي، بعد أن لاحظ أن الشباب والأطفال يذهبون إلى مراكز النور التبشيرية القريبة من المسجد، فطلب من الناس أن يتبرعوا بكتب فائضة عندهم لإنشاء مكتبة عامة في المسجد، وتم ذلك بالفعل.
كما أوجد كذلك نشاطين هامين لم يكونا من قبل: النشاط النسائي، وهذا كان انطلاقاً لعمل المرأة ثم اتسع بعد ذلك ثم أصبحت هناك دروس للنساء في المساجد. ونشاط الأطفال، فقد اهتم كثيراً بالأطفال لأنهم عماد الجيل القادم، ومن مظاهر هذا الاهتمام إقامة دروس خاصة لهم بعد صلاة الجمعة يحدثهم عن سيرة الصحابة كقدوة، ثم يسألهم في ذلك عن طريق إقامة مسابقات وتوزيع جوائز على الفائزين. كان يحضر تلك الدروس ما لا يقل عن 400 طالب, كذلك تمّ ربط هؤلاء الأطفال بالمسجد عن طريق إعطائهم دروس التقوية في المسجد, والشيخ أول من فعل ذلك.

- هل اقتصرت دعوة الشيخ على الكلمة أم اتخذت وسائل أخرى، كالعمل المؤسسي والجمعيات والأندية؟
• رأى الشيخ أن الشباب تجذبهم النوادي والرياضة، ورأى أن المشرفين عليها معظمهم يساريون، فأراد أن يجذبهم للمسجد عن طريق شراء وسائل رياضية كبديل عن النوادي. وأول مكان تم افتتاحه كناد رياضي كان في الطابق الأرضي من مبنى الجمعية الإسلامية سنة 1973، وهذا كان انطلاق للعمل المؤسسي في دعوة الشيخ. أراد أن يكون العمل معتمداً على قانون أساسي ولائحة داخلية، فذهب يومها إلى الحاج ظافر الشوا، الذي أسس في الأربعينيات جمعية التوحيد التابعة للإخوان المسلمين، وكان عنده قانون أساسي، فكتب له قانوناً أساسياً للجمعية عرضه على بعض المحامين وشكل هيئته التأسيسية من الشباب. وكان ينتقي أصحاب الخبرة للعمل، وبعد ذلك اتسعت هذه الجمعية لتصبح الآن عشرات الفروع.
أما عن إنشاء المجمع الإسلامي ففي نفس العام أنشأت الجمعية الإسلامية. فكر الأستاذ سليم شراب والذي كان قادماً من السعودية بإحياء دور المسجد في تبني النشاط الإسلامي وإلحاقه بتجمعات ثقافية - نوادي رياضية - روضة أطفال - تحفيظ قرآن.. إلخ.
وفي عام 1976، عندما رأوا أن الشيخ ياسين قد نجح في فكرة الجمعية الإسلامية، طلبوا منه أن يدخل معهم في المجلس إدارة المجمع الإسلامي، وانتقل للسكن بجواره فى جورة الشمس حتى يستطيع التنقل بسهولة. بنى هناك بيتاً متواضعاً وبقي فيه إلى آخر يوم من حياته. انضم إلى الإدارة عضواً عام 1976، ثم أميناً عاماً بعد أن أثبت جدارته، وقد انتهج منهج الشورى في الإدارة، مما ساعد على نجاح مشروعه وحب الجميع له، كان يقدر ويُشعر من حوله أنه يقود أيضاً. وقد وضعت في سبيله الكثير من العراقيل في الترخيص وغيره حتى حصل عليه بعد ثلاث سنوات، وذلك عندما أرادت سلطة الاحتلال أن ترضي السيد هاشم الخزندار الذي كان مقرباً له، ولجأ إليه الشيخ ياسين لانتزاع الترخيص من سلطة الاحتلال بعد معاناة دامت أكثر من ثلاث سنوات، وليس كما أشيع أن الشيخ حصل على الترخيص بسهولة وأن المجمع أنشأه الاحتلال ليكون في مواجهة حركة فتح التي كانت مسيطرة آنذاك.

- ما دور الشيخ فى إيجاد المؤسسات التربوية كالجامعة الإسلامية؟
• أما عن إنشاء المؤسسات فقد كان يؤمن رحمه الله أن لا بد للعمل الإسلامي من مظلة قانونية ينطلق منها، فالجهد الفردي يزول بزوال صاحبه، فأوجد هذه الركائز. والآن وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى، فإن آثاره ستستمر؛ لأن هذه المؤسسات ستعطي دورها كما أراد لها بالضبط، فقد كان من سياسته أن يعدّ الأمر ثم يوكل إدارته لغيره حتى لا ترتبط به، فكان حريصاً على إيجاد الربان الذي يقود المراكب فلا تنتثر بغيابه.
ورغم إيمانه بالدور الرائد الذي تلعبه الجمعية والمجمع، إلا انه كان يعتقد بخطورة المراكز التي تتولى التوجيه ولا سبيل إلى إصلاح الواقع إلا بإصلاح الجذور عن طريق بناء جيل جديد، ولذلك كان يولي الجانب التربوي أهمية كبيرة يبدأ فيها مع الطفل منذ بداية ذهابه إلى الروضة حتى إكمال تعليمه الجامعي.
ومن هذا المنطق كانت فكرة إنشاء الجامعة الإسلامية سنة 1977، والتي انطلقت من معهد غزة الديني بكليتي اللغة العربية والشريعة، ثم أصبحت موضع صراع بين كافة الاتجاهات. وكان الشيخ ينظر بخطورة إلى هذا الموضوع، ويرى أن الإسلاميين هم أولى الناس بها، لأنها اسمها ((جامعة اسلامية))، وكانت القضية بالنسبة له ((حياة أو موت)) كما كان يقول. إلى أن استطاع بعد صراعات طويلة أن يبقي على اسم الجامعة الإسلامية، ويؤمن مسيرتها عن طريق حماية ودعم أفرادها وتأمين الحراسة للعاملين وللجامعة أيضاً.

- هذا فيما خص الجامعات التي تهتم بالكبار، ماذا عن الصغار وتأسيس مدرسة دار الأرقم؟
• ((دار الارقم)) كانت حلم الشيخ ياسين، فقد خرج في رحلة علاجية إلى الدول العربية بعد خروجه من السجن مباشرة عام 1998، وقد عرض عليه الكثير من قادة الدول العربية يطلب ما يريد ليهدوه له فقال: ((أريد مدرسة)). لم يطلب بيتاً أو سيارة؛ بل أراد أن يحقق ما كان يؤمن به وهو أن الدائرة الدعوية لا تكتمل إلا عندما ينشئ محضناً للأطفال، أراد تحقيق حلمه على أرض الواقع، وذلك بإنشاء جيل عقائدي ينطلق من منهج تربوي صحيح يبدأ من الروضة مروراً بالمدرسة وانتهاء بالجامعة.
بعدما عاد من رحلته طلب من السلطة أن تمنحه أرضاً، فوعدوه بذلك ثم ماطلوه بعدها، فبحث بنفسه عن قطعة أرض. وكان يريدها كبيرة لتتسع لمشروعه لبناء مدرسة ومركزٍ ثقافي تابع لها. ولكن السلطة لم تمنحه ترخيصاً وأخبروه أن هذا غير قانوني. فتخطىّ الأمر وأنشأ مبنى يسمى مبنى خدمات مستقلاً عن بناء المدرسة حتى يبدو الأمر كأنه طبيعياً، وجعل الطابق الأرضي ملحقات والأول مسجداً والثاني مكتبة عامة والثالث مسرحاً وقاعة اجتماعات. وبذلك حقق الهدف الذي كان يريده من إنشاء مركز ثقافي، ولكن بطريق غير مباشر.
كان الشيخ يحضر إلى المدرسة يومياً يتابع نشاطاتها, كنا نطلب منه دائماً أن يرتاح هو وسنكفيه نحن مشقة الحضور، ولكنه كان يأبى ذلك ويصر على الحضور. كنا نفاجأ بتواجده باكراً قبل مجيء أي أحد، كنا نلمح الفرحة في عيونه وهو يرى الطلاب يتجولون في فناء المدرسة أو يشاركهم الصلاة ونشاطاتهم الثقافية.
كان يتابع نمو المدرسة كما يتابع أب نمو وليده وارتقائه أمامه، كانت المدرسة حلم الشيخ الذي تحقق، وبعد هذه المدرسة تم افتتاح مدرسة دار الأرقم للبنات. وقبل استشهاده رحمه الله خصص مبلغاً لإنشاء مدرسة ثانوية، وكان يقول كلما سألناه عن ذلك ((حتى لا يضيع زرعي))، أي يجب أن يرعى هؤلاء الأطفال من مرحلة الروضة حتى ما بعد المرحلة الجامعية.

- ربطت بين الشيخ احمد ياسين وإخوانه علاقات شخصية خاصة كيف كان ذلك؟
• كان رحمه الله شخصية مرحة يتعامل بحب مع من كان حوله، يمازحهم ويضحك معهم. كان يعامل كل شخصية حسب ما هي عليه، كان يقول للرياضي ((إنت رياضي؟؟ أنا كمان بلعب رياضة! تعال نشوف من أقوى: أنا أم أنت؟)). كان يتمتع بذاكره قوية جداً ينادي كل واحد باسمه أو لقبه، كان يتعرف على أبنائنا وأسمائهم حتى لو لم يرَهم إلا مرة واحدة.
أما على صعيد العمل، فشخصية الشيخ رحمه الله كانت شخصية مجمّعة يلتف الناس حولها، وأكثر ما يدل على ذلك ما أصاب الحركة سنة 95-96 من ضربات، وقد أحجم الكثيرون عن السير مع الحركة، وفشلت الجهود في تجميعهم.. حتى خرج الشيخ سنة 98 فالتف حوله الجميع من جديد، واستطاع أن يكون دائماً صمام الأمان في علاقات الحركة الداخلية والخارجية.

- ماذا عن علاقة بالأطفال والأيتام؟
• كان رحمه الله يؤمن أن تغيير المجتمع لا بد أن يتم من جذوره، وجذور كل مجتمع أطفاله الذين هم عماد المستقبل، وعليهم يعقد الأمل فلا بد من غرس القيم الإسلامية في نفوس أطفالنا حتى نصل إلى مجتمع إسلامي يحقق الغاية المرجوة، ومنذ بداية عمله كان السباق دائما إلى ابتكار أساليب تجذب الأطفال إلى المسجد عن طريق مسابقات رحلات رياضة ورياض أطفال وغيرها.. إلا أن هذا لم يحقق حلمه في رعايتهم الرعاية المطلوبة حتى تم بناء مدرسة الأرقم، التي حققت حلم الشيخ في رعاية الجيل القادم وزرع المفاهيم الإسلامية من خلال برنامج تربوي ينبع من العقيدة الإسلامية، ليكون جيلاً مهيئاً لتحمّل تبعات المرحلة القادمة. كان يشارك الأطفال نشاطاتهم يضحك معهم ويمازحهم ويبتسم لهم حين يتسابقون لالتقاط الصور معه، وليس أدلّ على ذلك من حبّهم له من تسابقهم حين يروه ليقبلوا يده ويسلّموا عليه.
كان يشاركهم الصلاة في مسجد المدرسة ولأبناء الشهداء منزلة خاصّة، أبناء من ضحوا بأرواحهم في سبيل عزة الأمّة، كان الأب الحنون بالنسبة لهم يهتم بهم وبقضاياهم يحاول دائماً أن يزرع البسمة في نفوسهم. وكان من سياسته كفالة أبناء الشهداء من جميع فصائل المجتمع في المدرسة عن طريق إعفائهم من الرسوم الدراسية وتوزيع الاحتياجات المدرسية عليهم من قرطاسية وزيّ وغيرها.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003