|
ميشائيل فولفزون والتنظير لممارسة التعذيب!!
كان أوضحَ ما قيل في قضيّة ميشائيل فولفزون، كلماتٌ نشرتها صحيفة ((دي تسايت))
الأسبوعية الألمانية، لرئيس المحكمة الدستورية العليا هانس يورجن بابير، تقول
إنّ للكرامة الإنسانية قيمة مطلقة، لا تخضع للتقديرات، ولا يمكن الحدّ منها،
ولا جعلها نسبيّة، سواء بالنسبة إلى التعامل مع الإرهابيين، أو أيّ حالة
قانونية معقّدة أخرى، وإنّ التعذيب ينتهك حرمة كلّ ما هو إنساني، ولا يتلاءم
على الإطلاق مع دولة القانون.
هذه الكلمات جاءت ردّاً على قول ميشائيل فولفزون في ندوة حوار تليفزيونية إنّ
((التعذيب والتهديد به أمر مشروع ضدّ الإرهابيين، لأنّ الطرق الأخرى أخفقت
معهم، ولأنّه لا علاقة لهم بأسس النظام المدني)).
في ردّ الرجل الدستوري الأوّل في ألمانيا على هذا الموقف، ما يشير إلى نصّ
المادة الأولى من الدستور الألماني ومفهومها، إذ تقرّر عدم المساس بالكرامة
الإنسانية. ومع وصول ردود الفعل الغاضبة تجاه فولفزون إلى مدى بعيد في الأوساط
السياسية والقانونية والحزبية والإعلامية، حاول تأويل موقفه الأصلي المثير
للغضب، للتخفيف من وقعه، بالتأكيد لاحقاً أنّه من قبيل الأفكار التي يطرحها أيّ
باحث علمي للدراسة، ومن حقّه أن يطرح سائر الأفكار. وهو يشير بذلك أيضاً إلى
الدستور، الذي تقرّر المادّة الخامسة منه كفالة حريّة البحث العلمي، ولكنّ هذه
المادة، على النقيض من المادة الأولى ذات الصياغة التعميمية عن الكرامة
الإنسانية، تقرّر بوضوح في الفقرة الثالثة منها حدودَ حريّة البحث العلمي، من
خلال تأكيد أنّها لا تعفي من الالتزام بالدستور، أي بما يشمل عدم المساس
بالكرامة الإنسانية بطبيعة الحال.
وكان من المفروض بأستاذ التاريخ في كلية القوّات المسلّحة الألمانية في مدينة
ميونيخ، أن يتجنّب مثل هذا التأويل لموقفه، إذ يعلم أكثر من سواه -وهو يهوديّ
الديانة- أنّ تقييد البحث العلمي بالدستور، ولا سيّما عدم المساس بالكرامة
الإنسانية، هو محور ما اعتمد عليه تقنين عدم التعرّض بالتشكيك، ولو على سبيل
البحث العلمي، بمقولة سقوط ستة ملايين يهودي ضحيّة المحرقة النازية، بعد أن
اعتُبرت تلك المقولة ((حقيقة تاريخية مطلقة)) واعتُبر التشكيك فيها نوعاً من
المساس بالكرامة الإنسانية للضحايا سابقاً وذويهم لاحقاً.
وكان لموقف فولفزون وقعه السلبيّ الكبير، لصدوره وسط أجواء نقاش ساخن غير مسبوق
حول ((مصداقية الغرب وقيمه)) التي تعرّضت كما يقول كثيرون، لضربة شديدة لم
تقتصر على زعزعة مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، جرّاء ما كُشف عن
بعض ممارسات التعذيب الأمريكية والبريطانية، ما بين معتقل أبوغريب وغوانتانامو
وبين العراق وأفغانستان.
ورغم أنّ فولفزون انتقد الممارسات الأمريكية، إلاّ أنّ انتقاده جاء في صياغة
بعيدة عن إدانة عملية ((تقنين التعذيب)) نفسها، إذ تركّز الصياغة على إدانة أنّ
الممارسات ((خرجت عن السيطرة))، فهذا ما يستحقّ النقد، ويعني ذلك أنّ تنظيم
ممارسة التعذيب بحيث تكون تحت إشراف القادة العسكريين والسياسيين، وسيطرتهم على
الوضع، أمر لا غبار عليه فيمكن القبول بتقنينه!..
وكان وزير الدفاع الألماني بيتر شتروك قد أبدى أشدّ درجات الانزعاج، وقال إنّ
ما قال به فولفزون لا يُصدّق، ولا يمكن التسامح معه، ولا القبول به.
وبغضّ النظر عن أنّ إدانة موقف فولفزون صدرت عن سائر الأطراف فما يزال يثير
بنفسه المزيد، ومن ذلك ما ورد على لسان محاميه من إشارة إلى تصريح سابق لوزير
الداخلية الألماني أوتو شيلي، عندما وجّه خطابه إلى ((الإرهابيين الإسلاميين))
عبر مجلة ((دير شبيغل)) قائلاً: ((إذا كنتم تحبّون الموت، فباستطاعتكم الحصول
عليه)).. وقد ردّ على هذه الإشارة المتحدّثُ باسم وزارة الداخلية راينر
لينجنتال قائلاً: ((إنّ على فولفزون أن يوفّر على الرأي العام وأن يوفّر على
طلاّبه خاصّة، تصريحاته التي تنتهك الحقوق الإنسانية، وكذلك مواقفه الحمقاء)).
وتكشف الضجة السياسية والإعلامية الكبيرة حول الموضوع مدى الحساسية التي وصل
إليها تناوله في ألمانيا، نظراً إلى التناقض الكبير بين النظرة السائدة فيها
بشأن ((التعذيب)) وبين ما يسود في الولايات المتحدة الأمريكية خاصّة، إذ لم
تنكشف مؤخراً ممارسات التعذيب فحسب، بل انكشف أيضاً ((حجم التعذيب)) الذي تسمح
به التعليمات الرسمية الصادرة عن المسؤولين السياسيين والعسكريين، وهو ما بدأ
بدعوى العمل على انتزاع اعترافات قد تَحُول دون عمليّات إرهابية تسبب مقتل
أعداد كبيرة من البشر.. بينما أصبحت تهمة الإرهاب توزّع بدليل قد يصمد أمام
قضاء نزيه مستقلّ وبدون دليل، كما أصبحت القوانين الاستثنائية تحت عنوان
((مكافحة الإرهاب)) تبيح الاعتقال للتحقيق دون الالتزام بالمعايير الاعتيادية
لدولة القانون، فضلاً عن الخلط السياسي المتعمّد، في العراق وسواه، بين الإرهاب
وبين من يقاوم الاحتلال مقاومة مشروعةً دولياً، فكيف يمكن القبول بتقنين تعذيب
((معتقلين)) في مرحلة التحقيق معهم، ومن ((يحقّ له أن يصنّف المعتقلين ويقسّم
البشر ما بين فريق يستحقّ احترام كرامته الإنسانية وآخر لا يستحقّ ذلك)).. على
حدّ تعبير المعلّقة الألمانية مارجريت ليمبيرج.
لا يوجد ما يشير ساعة كتابة هذه السطور إلى ما ستفضي إليه قضية فولفزون،
ولكنّها زادت على أيّ حال من سخونة النقاش الدائر حول ظاهرة ممارسة التعذيب
أصلاً، وساهمت في تعزيز رفض تقنين تلك الممارسات الإجرامية، بصورة تضع
((وسيلة)) إضافية بصبغة قانونية مصطنعة، في أيدي من لا يتورّعون من الأصل عن
ارتكاب أيّ جريمة للوصول إلى مآربهم.
|