|

































| |
|
تحليــل |
بعد فشل خطته ليكودياً:
خيارات شارون من السيء للأسوأ
القدس/مها عبد الهادي
طرحت الهزيمة النكراء التي تلقاها رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون من قواعد
حزبه وبتحريض مكشوف من بعض القيادات الكبيرة فيه والوزراء في حكومته أكثر من
تساؤل حول مصير شارون، الذي حاول قبل الاستفتاء أن يضع التصويت على خطته لفك
الارتباط مع الفلسطينيين من جانب واحد على أنها تصويت على الثقة فيه.
وكان شارون قد تلقى صفعة مدوية مزلزلة عندما قال 60% من المشاركين في الاستفتاء
من أعضاء الليكود لا لخطة الفصل من جانب واحد التي طرحها للإنسحاب من قطاع غزة،
ومع ذلك فإن شارون لم يتنازل عن خطة الفصل من طرف واحد، لأنه لا يستطيع أن يقصر
نشاطه السياسي على الاغتيالات، ولأنه لا يريد أن يفاوض الفلسطينيين ولا أن
يتحمل تبعات التفاوض واستحقاقاته، ولذلك ما زال شارون يؤمن بضرورة فرض
الإملاءات من طرف واحد، وهو ما سيعيده عاجلاً أم آجلاً إلى خطته التي لم يغادر
منطقها وإن غادر بعض تفاصيلها.
وقد ثبت ذلك فعلاً بعد إعلانه بأنه سيبلور خطة سياسية جديدة في غضون ثلاثة
أسابيع مما يوضح حالة انعدام الوزن التي يعيشها شارون، وهو الأمر الذي عارضه
نتنياهو بقوله: إن بلورة الخطط السياسية بحاجة إلى دراسة ووقت ولا يتم بين ليلة
وضحاها.
وكان إيهود أولمرت نائب رئيس الوزراء الصهيوني قد صرح في الثامن عشر من
أيار/مايو الماضي بأن شارون سيطلع مجلس وزرائه خلال أيام قليلة على ((خطة معدلة
لإزالة المستوطنات الإسرائيلية من قطاع غزة)) بعد أن رفض حزبه الخطة الأصلية في
استفتاء الثاني من أيار/مايو. وحسب ما قاله أولمرت فإن ((مبادئ الخطة ستبقى بلا
تغيير)).
شارون بين ثلاثة خيارات
واذا استقرأنا ما يفكر به شارون نجد من خلال المعطيات الظاهرة بأن أمامه إحدى
الطرق التالية:
1. الدعوة لإجراء استفتاء شعبي في المجتمع الإسرائيلي حول خطة ((فكّ الارتباط))
أحادي الجانب عن الشعب الفلسطيني بدعوى أن هذا شأن وطني عام، ينبغي أن يشارك به
كل الشعب الإسرائيلي. وفي هذه الحالة فإن بضعة آلاف من المستوطنين والمتطرفين
لن يقرروا مصير هذه الخطة، بل على العكس من ذلك فإن أحزاباً وقوى سياسية
إسرائيلية كحزب العمل وشينوي سوف تؤيد وتدعم هذه الخطة.
والحجة التي يطرحها شارون للسير بهذا الطريق أن نسبة المشتركين من أعضاء
الليكود أقل من 50% وأن ربع حزب لا يمكن أن يحسموا مصير الدولة، ويقرروا أية
سياسة ستعتمدها الحكومة الصهيونية خلال السنوات المقبلة.
وهذا الأمر يحتاج من شارون تعديل القانون وهو أمر صعب في ظل تركيبة الكنيست
الحالية. وإذا تم ذلك فالتقديرات كلها تشير إلى أن خطة شارون ستفوز في أي
استفتاء عام. ورغم أن التوجه للاستفتاء الشعبي العام بحاجة لإجراءات قانونية
معقدة داخل الكنيست، فإنه يبقى أحد الخيارات التي سوف يلجأ لها للحفاظ على
المكسب التاريخي الذي حققه للكيان الصهيوني برسالة ضمانات بوش، وأهمها الموقف
الأمريكي الجديد بشأن عودة اللاجئين والحدود والاستيطان.
لكن في حال اختيار شارون للاستفتاء العام تبقى صورة الوضع بالنسبة لليكود
ضبابية، لأن السؤال الذي سيطرح آنذاك هو كيف سيخوض حزب الليكود الاستفتاء من
خلال بقائه حزباً واحداً أم سينشق إلى حزبين؟
2- اللجوء إلى طرح خطته على مجلس الوزراء وفيما بعد على الكنيست بعد إجراء بعض
التعديلات عليها، وخاصة فيما يتعلق بحجم الانسحاب من غزة والضفة الغربية مع
الحفاظ على الترتيبات الأمنية كما هي. وهذا الخيار قد يكون المفضل لديه لأنه
سوف يجنبه المزيد من الخسائر والصدامات داخل الحزب إذا ما أصر على طرح الخطة
كما هي بدون تعديلات جوهرية على مجلس الوزراء، أو قد يجنبه إجراء تغيير حكومي
كبير يضطر إلى التخلي عن حلفائه التقليديين من قوى اليمين المتطرف وإدخال حزب
العمل، مما قد يفجر أزمة داخل حزب الليكود تضعف موقفه أكثر مما هو ضعيف.
هذا الطريق سيسبب مشاكل حادة جداً داخل الليكود قد تصل إلى الانشقاق، خصوصاً أن
هناك وزراء مثل عوزي لانداو تزعموا معارضة الخطة.
3- أما الطريق الثالث ((الوسط)) فهو ما يدور الحديث عنه الآن في الأوساط
الصحفية ولا يتعارض مع انتهاج شارون أحد الطريقين الأوليين، وهو يدور كما تنقل
وسائل الإعلام الصهيونية عن خطة معدّلة لخطة الانفصال التي طرحها شارون وهو
الأمر الذي أكده أولمرت كما جاء سابقاً.
فالخيار الأقل سوءاً بالنسبة لشارون والمنسجم مع توجهاته الحقيقية الآن هو
تعديلات على الخطة يرضي فيها أطراف اليمين المتطرف في حكومته ويستطيع تمريرها
في الكنيست، لكن الأهم من كل هذا وذاك أنه يحافظ على التعهدات الأمريكية غير
المسبوقة لـ(إسرائيل)، بادعاء أنه مقدم على الانسحاب من أراض فلسطينية، وأن
المنطقة لن تدخل في مرحلة جمود سياسي تحرج الإدارة الأمريكية أكثر مما هي محرجة
بالواقع.
بيد أن هذا الخيار قد يحتاج إلى وقت غير قليل لتمريره سواء بأجراء مشاورات مع
الكتل داخل حزبه او شركائه في الحكم، أم مع قوى المعارضة الأخرى إذا كان يريد
أغلبية كبيرة في الكنيست.
الانفصال يتحقق فعلياً
وما يؤكد استمرار شارون بتنفيذ أسس ما يفكر به أنه وعلى الرغم من نتيجة التصويت
الليكودي فإن عملية الانفصال أحادي الجانب قد بدأت عملياً منذ فترة من الزمن من
خلال الإغلاقات الأخيرة، وبناء الجدار وأسلاك الفصل، ومنع العمال من العودة إلى
مواقع عملهم داخل (إسرائيل)، ووقف العمل بالتصاريح أو السفر عبر مطار اللد،
ومنع الإسرائيليين من الوصول إلى مناطق السلطة، وغيرها من الإجراءات التي اتسمت
بوضوح الهدف منها وهو تسلسل عملية الانفصال عن الجانب الفلسطيني بهدوء للوصول
إلى نقطة اللاعودة.
وما مثلته خطة شارون لـم يكن أكثر من الإجراء الأخير في عملية الفصل دون وجود
أية مخططات جديدة تلوح في الأفق القريب أو حتى البعيد للعودة عن هذه الإجراءات
أو عن حدة تصاعدها.
أما على المستوى الإسرائيلي العام فإن التأقلم النفسي لفكرة الانفصال قطع مراحل
متطورة دون أدنى معارضة، بل على العكس فإن عملية الفصل يتم استيعابها من قبل
الجمهور الإسرائيلي كونها الإجابة الإسرائيلية لردع الإرهاب الفلسطيني غير
الـمميز، والذي أصبح يطال الجميع دون أي استثناء، ما شكّل شبكة قبول جماهيرية
واسعة على امتداد التجمعات الإسرائيلية رغم اختلاف سياساتها أو أيديولوجياتها.
والتأييد الكبير الذي يبديه الإسرائيليون عموماً من خطة شارون للفصل والانسحاب
من غزة يأتي مكملاً لما بدأ يؤتي أكله من إجراءات أولية تم اعتمادها بنجاح خلال
العامين الماضيين.
ومن هنا يمكن تفسير الرد الليكودي على الخطة من منطلق التشبث بالأرض الفلسطينية
ومواصلة الاستيطان عليها كجزء من عقلية (أرض إسرائيل الكبرى وأحقيتهم فيها
كيهود)، بينما غالبية المجتمع الإسرائيلي كما عبرت عنها الاستطلاعات الأخيرة
فهي تؤيد الخطة من منطلق عملي معيشي استحقاقي بعيد عن الأيديولوجية التاريخية
أو الدينية، وهذا ما حاول شارون القيام به عبر خطته، وهو المزج بين توفير
الاستقرار بعيد المدى لغالبية المجتمع الإسرائيلي عبر تحقيق انتصارات ميدانية
سياسية ودبلوماسية دون الحاجة للدخول في حروب لتحقيقها.
لذلك فمن المرجح على المدى القريب أن نرى محاولات حثيثة لشارون للخروج من تعدد
الأزمات التي وقع فيها تجنباً للاستقالة أو الدعوة لانتخابات مبكرة. هذه
الأزمات الـمتعددة تبدأ داخلية ومرتبطة بأزمة القيادة داخل الليكود بالتركيز
على عدم استنفار غريمه اللدود نتنياهو بسرعة تجنباً لعدم استثمار الأخير لنتائج
التصويت، وبالتالي إضاعة الفرصة على نتنياهو للاستفادة منها في تهديد قيادة
شارون لحزب الليكود.
أما الأزمة الثانية فمرتبطة بالحفاظ على الائتلاف الحاكم وتجنب خروج حزب شينوي
من الحكومة في الـمرحلة الأولى خوفاً من سقوط الحكومة في شرك اليمين المتطرف
الذي سيُـفقد الحكومة مقومات التأييد أو الدعم الخارجي.
((الفصل)) أساس لكل المبادرات القادمة
ويؤكد العديد من المحللين أنه بالرغم من الفشل الذريع الذي مني به شارون في
الاستفتاء الداخلي لليكود على خطة الانسحاب من قطاع غزة، إلا أنه ليس بوسع
(إسرائيل) بعد الآن التراجع عن الفصل الذي سيكون من الآن فصاعداً خط البداية
لكل عملية ومبادرة سياسية قادمة وهو ما يلوح بالأفق في ظل الاتصالات الجديدة
بين قيادات في سلطة الحكم الذاتي ومسؤولين أمريكيين.
وحتى أن إعادة رئيس الوزراء أحمد قريع إلى واجهة الحدث من قبل الأمريكيين هذه
الأيام، اعتبرت في نظر هؤلاء أنها تأتي كجزء من مشروع التسوية الذي يتخطى
الانسحاب الأحادي من غزة ليصب في مشروع شامل يفضي إلى حل القضية العالقة كما
يسميها أصحاب المشروع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وأحد المشاريع المرجحة حالياً هو المشروع الذي اقترحه مستشار الأمن القومي
الإسرائيلي ((غيورا آيلاند)) الذي كان قد صاغ خطة الفصل الشاروني من طرف واحد
عن قطاع غزة، والتي كانت قد اختزلت في ثماني نقاط.
ويتضمن مشروع التسوية الجديد الذي طرح من قبل آيلاند، الذي اجتمع مع العديد من
الأطراف العربية قبل تبلور المشروع بشكله النهائي الآتي:
أولاً: اقتطاع 600 كيلومتر مربع من صحراء سيناء بالتوافق مع مصر، أي العودة إلى
ما كان يسمى بمشروع العريش سابقاً، ليصبح فيما بعد قطاع غزة يقارب ما مساحته
1000 كيلومتر مربع. هذه المساحة تستخدم لفض ظاهرة الاكتظاظ السكاني من جهة،
وبما يؤمن عودة مليوني لاجئ فلسطيني من جهة أخرى. بموازاة ذلك يتمّ ضمّ 11% من
أراضي الضفة الغربية، أي الكتل الاستيطانية الكبرى الثلاثة، بشكل نهائي إلى
(إسرائيل).
هذا الأمر سيفتح المجال أمام شارون أو غيره بالانسحاب من باقي المستوطنات في كل
من قطاع غزة والضفة الغربية. بالإضافة إلى استكمال عملية الوصل البري بين الضفة
وغزة، من خلال الممر الذي أخذ شكله النهائي بالرغم من عملية الصراع القائمة بين
الفلسطينيين والإسرائيليين منذ ((كامب ديفيد 2)).
ثانياً: إقامة نفق في أضيق نقطة في صحراء النقب بين الأردن ومصر يساوي المساحة
المقتطعة من سيناء، ويكون تحت سيادة مشتركة بين البلدين العربيين، الأمر الذي
يسمح لكل ما يسمى بدول آسيا العربية الوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط،
والذي بدوره سيلبي الحلم الأردني التاريخي الذي يهدف إلى الوصول لشواطئ
المتوسط. بالإضافة أن هذا الأمر سيلغي المقولة العربية القائلة بأن (إسرائيل)
زرعت في المنطقة العربية لتكون نقطة عزل بين شقيه الآسيوي والأفريقي.
صراع في اليمين
إن الخلاصة التي على الفلسطينيين الخروج بها من كل ما جرى ويجري الآن أن اليمين
المتطرف في (إسرائيل) هو الذي يحكم، وأن الصراع الجاري حالياً في (إسرائيل) هو
صراع في صفوف اليمين الإسرائيلي.
أما تعلق البعض بحبال هواء ((خارطة الطريق)) بحجة أن اللجنة الرباعية
((الكوارتيت)) سوف تعود إليها فهو أيضاً عمل يائس لا يدل إلا على العجز وانعدام
الحيلة. فـ((خارطة الطريق)) لم تحتوِ أبداً خطوطاً عريضة لحل دائم.. وصورة الحل
المطروح حددت في رسالة الضمانات الموجهة من بوش، صاحب ((خارطة الطريق))
ومفسّرها المعتمد، إلى شارون والكل يعرف إلى أين ستقودنا تلك الضمانات.
|
| |
|