تلقّت خطّة شارون للانسحاب من غزة ضربة بعد رفض أعضاء الليكود للخطة، لكن هذا
لا يمنع من قراءة أبعاد هذه الخطة لجهة الدور المصري ومحاولات (إسرائيل) إعطاء
القاهرة دوراً ينذر بعواقب وخيمة. وإذا عدنا لخطة شارون فإن أهدافها تتمحور
حول:
1 - إلغاء حق العودة، وسيطرة الصهاينة على كل الجوانب الحيوية للمناطق
الفلسطينية حتى في حال حصول تسوية دائمة (كما ذكرت هآرتس في منتصف شباط/فبراير
الماضي).
2 - استمرار الحملة ضد حماس وقادتها السياسيين بدعوى أن هناك مخاطر مترتبة على
الانسحاب تتمثل في أنه قد يخلق أجواء فوضى وعنف تتسلل من خلالها قوى أجنبية
معادية للكيان الصهيوني، وكما هو واضح من الخطة تريد حكومة شارون الحصول على
اعتراف دولي وصريح فيما تسميه الدفاع عن النفس.
3 - أما بالنسبة للدور المصري في هذه (العملية المتكاملة) -كما يتصورها صانع
القرار الصهيوني- فإنها تنقسم إلى شقّين:
الأول: أن يكون المصريون حلقة الوصل مع سلطة الحكم الذاتي، سواء في ترتيبات
الانسحاب أو التنسيق الأمني فيما بعد الانسحاب حتى تطمئن (إسرائيل) على قدرة
السلطة -بعناصرها الجديدة الموالية للقرار الأمريكي الإسرائيلي الذين يتم
التخطيط للتمكين لهم- على القيام بالواجبات المطلوبة في حماية الأمن.
الثاني: منع ما يسمى بالاستفزازات والتعاون مع السلطة، وهو ما يحمل إمكانية
الصدامات الفلسطينية - المصرية في مقابل أن يحظى الكيان الصهيوني بصورة الدولة
الداعية للسلام الباحثة عن شريك عربي.
وقد تحدثت الصحف الصهيونية عن الدور المطلوب من مصر بالقول: إن شارون يعكف على
دراسة إمكانية لف قطاع غزة في ورق هدايا، ولا مانع أن يكون مغرياً ليضعه تحت
أقدام المصريين على أن تصبح مصر مسؤولة عن البركان النشط في غزة، وبذلك ينتقل
صراع غزة من مكتب شارون إلى دوائر الحكومة المصرية التي يتعين عليها مواجهة حفر
الأنفاق، وكل هذا سيريح (إسرائيل) التي ستتحصن خلف الجدار العازل، وتلقي على
مصر تبعات كل مقذوفة هاون أو صاروخ قسام.
احتمالات توريط مصر
وبالرغم من أنه لا يوجد قرار نهائي للخروج من غزة، ويظل هناك احتمال للتراجع أو
المماطلة في التطبيق، فإن مصر قد سارعت بالإعلان عن رفضها تولي المسؤولية
الأمنية في القطاع، ولكنها دخلت في النقاش الدائر عن الخطة مع الجانبين
الأمريكي والصهيوني، مما يفتح الباب مستقبلاً أمام احتمال الضغط عليها لقبول
الدور المطلوب منها، خصوصاً وأن الدور المصري يشهد منذ توقيع اتفاقية كامب
ديفيد تطورات دراماتيكية استقرت في المرحلة الراهنة على الوساطة بين الجانبين
الصهيوني والفلسطيني.
فقد أعلنت الحكومة المصرية رفضها على لسان وزير خارجيتها أحمد ماهر وجود
مفاوضات مع (إسرائيل) تتلقى مصر بمقتضاها المسؤولية الأمنية على محور فيلادلفيا
على الحدود المصرية - الفلسطينية، ونقلوا إلى الصهاينة تعهدات من سلطة الحكم
الذاتي بالسيطرة على القطاع وعلى حماس.
وتجدد الرفض على لسان الرئيس مبارك أثناء استقباله وزير الخارجية الصهيوني
سلفان شالوم 11 من آذار/مارس الماضي بالقول: إن مصر لا تنوي إرسال قوات إلى
قطاع غزة إذا قررت (إسرائيل) تنفيذ انسحاب أحادي الجانب، وأنه أبلغ الفلسطينيين
بضرورة أن يحافظوا على الأمن في قطاع غزة.
ولكن هذا الرفض وما تلاه من شعور الجانب المصري بالصدمة من ((وعد بوشفور)) لا
يعني -كما يقول المراقبون- استمرار النقاش من جانب الأمريكيين والصهاينة مع
الحكومة المصرية، ووجود احتمالات لموافقة مصرية على هذا الدور مع وجود تعديلات
مصرية.
الموقف المصري
وفي هذا السياق سيعمل الصهاينة على تأمين الضغط الأمريكي على مصر للحصول على
هذه الموافقة، فضلاً عن سعيهم لتوريط مصر من خلال استمرارهم في توجيه
الانتقادات لمصر لعدم حماية الحدود بالشكل المطلوب، بما يؤدي إلى تزايد ظاهرة
الأنفاق وتهريب السلاح من مصر إلى القطاع.
وإضافة إلى هذا، فإن الحكومة المصرية -تحت شعار الواقعية السياسية- من المحتمل
أن تسعى للتدخل في حال تحقيق الانسحاب الصهيوني في مقابل ((وعود)) بأن الانسحاب
سيكون جزءاً من خريطة الطريق وبحث إمكانية تولي الأمن الفلسطيني المسؤولية بعد
هذا الانسحاب، خصوصاً وأنها تسعى إلى ترسيخ فكرة قيام سلطة الحكم الذاتي بالدور
الأساس في المرحلة التالية، مع ضمانات مصرية بتحقيق السيطرة من جانب السلطة
التي تنظر لها القاهرة أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وقد تحدثت صحيفة ((يديعوت أحرونوت)) بداية العام الجاري عن مؤشرات لتوريط مصر،
بالقول أنه سوف يتمّ تجنيد أجهزة المخابرات المصرية للقيام بنشاطات سرية في
القطاع تستهدف جمع معلومات وتعقب من يحتمل قيامهم بتشويش الاستقرار في القطاع
بعد تطبيق خطة شارون.
ويحذر المراقبون من توريط مصر في هذا الدور، نظراً لوجود مخاوف لدى الفلسطينيين
أثارتها تجربة مصر في القطاع قبل حرب حزيران/يونيو 1967، واستمرارية هذه
التجربة بعد اتفاقات أوسلو، حيث يتعرض الفلسطينيون إلى معاناة على المعابر وفي
المطارات مما ترك لديهم انطباعاً سلبياً عن الإدارة المصرية، فضلاً عن -وهذا هو
الأخطر- تعريض العلاقة مع حركة حماس للخطر، نظراً لأن الحكومة المصرية ما زالت
ترفض إلى الآن أن ترى الحركة في مقاعد السلطة.
بعبارة أخيرة: إن دخول مصر بعد خطاب الضمانات الأمريكي يجعل خطة غزة أولاً
وأخيراً -في حال تنفيذها- يؤدي إلى مزيد من التشويه للدور المصري في المنطقة،
فضلاً عن أنه يجعلها في صورة المتواطئ الذي يذكي الخلافات، ويقمع المقاومة التي
تسعى لتحرير أرضها المغتصبة وشعبها المستضعف.