عناق الموت
تكاثر الدعوات الإسرائيلية للهروب من قطاع غزّة
فلسطين/صالح محمد النعامي
بعد تفجير مدرعتين إسرائيليتين في قطاع غزة، ومقتل أحد عشر جندياً عاد الصهاينة
للحديث عن الانسحاب من القطاع، وساد سجال سياسي وأمني بسبب تمسّك قادة عسكريين
بالبقاء في القطاع رغم الخسائر الباهظة.
في هذا المقال نستعرض خلفية إنشاء المستوطنات في قطاع غزة وتبدّل النظرة إليها.
مشروع ديان وبيريز
لم تكد تنتهي حرب الأيام الستة، حتى كانت النخب الإسرائيلية السياسية والعسكرية
والمثقفة مشغولة في الإجابة عن السؤال الآتي ((ماذا نصنع بالأرض التي قمنا
باحتلالها خلال هذه الحرب، والتي تفوق مساحتها أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت
تسيطر عليه الدولة العبرية من أرض؟)). إن كان الرد على هذا التساؤل مبهماً
للكثيرين، فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة لوزير الدفاع في ذلك الحين موشيه ديان
ووزير العمل شمعون بيريز، فقد كانت الإجابة على هذا السؤال واضحة وجلية لديهما،
حيث كانا يعتقدان أنه يتوجب تكريس الوجود اليهودي في هذه الأراضي عبر إقامة
المستوطنات اليهودية. الذي ساهم في مساعدة ديان وبيريز على تحقيق طموحاتهما،
كان بلا شك سيطرة موجة من التعصب الديني مدفوعة بنشوة ((النصر)) لدى الشباب
اليهودي، الذي رأى أنه من المستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بحال من
الأحوال. كل من شمعون بيريز وموشيه ديان أبديا حماساً منقطع النظير لإقامة
المستوطنات اليهودية في قطاع غزة، لدواعي أمنية واستراتيجية.
في أعقاب الاحتلال انطلقت في قطاع غزة ثورة أطلق عليها ((ثورة الفدائييين))،
حيث حرصت عناصر المقاومة الفلسطينية في ذلك على رفع معنويات الجمهور الفلسطيني
عبر تنفيذ عمليات نوعية داخل القطاع ضد جنود الاحتلال وفي أطراف الدولة
العبرية، من هنا اعتقد ديان وبيريز أن إقامة المستوطنات يمكن أن يؤدي إلى المس
بقدرة الفلسطينيين على تنفيذ عمليات ضد الاحتلال وضد دولة (إسرائيل) بشكل عام.
ووفق منطق ديان وبيريز فإن إقامة المستوطنات في قطاع غزة جاء لتمزيق أوصال
القطاع والتحكم في الطرق الرئيسية فيه ومراقبة شواطئه، حيث ارتأت الدولة
العبرية مراقبة الشواطئ بعد تزايد العمليات الفدائية انطلاقاً من القطاع. كما
ارتأيا أن فرض طوق استيطاني محاذٍ لشاطئ البحر، سيعمل على محاصرة قطاع غزة بين
طوقين غربي وشرقي لا يبعدان كثيراً عن حدود عام 67. وفي عهد حكومات حزب العمل
التي امتدت من العام 1967 وحتى العام 1977، أقامت (إسرائيل) خمس مستوطنات هي:
مستوطنة ((إيرز)) الصناعية، تقع في أقصى شمال القطاع، ومستوطنة ((نيتساريم))،
التي تقع جنوب مدينة غزة، وقد قام الوزير شمعون بيريز ممثلاً لحكومة غولدا
مائير بقص الشريط مؤذناً بتدشين هذه المستوطنة في العام 1972. مستوطنة ((كفار
داروم)) الواقعة إلى الشرق من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وأقيمت عام 1970،
وتتحكم بالسيطرة على شريان الحياة الرئيس في القطاع: شارع صلاح الدين. ومستوطنة
((نيتسر حزاني)) التي تقع للغرب من مستوطنة ((خانيونس)) وتطل على البحر، وأقيمت
عام 1973 لأغراض عسكرية، وتحتوي على مقر للمخابرات الإسرائيلية الداخلية
((الشاباك))، ومركزاً للوحدات الخاصة، مستوطنة ((موراج))، تقع إلى الجنوب
الشرقي من مدينة رفح، وأقيمت عام 1972.
مع صعود الليكود واليمين للحكم عام 1977، لم تعد دوافع الاستيطان في القطاع
أمنية واستراتيجية فقط، بل أصبحت أيديولوجية أيضاً. وفي الفترة الممتدة من حكم
الليكود المتواصل من العام 1977 حتى العام 1992، أقامت (إسرائيل) أربع عشرة
مستوطنة في أرجاء القطاع، معظمها بمحاذاة البحر. ووافق مناحيم بيغن، أول رئيس
وزراء من الليكود على شروط حزب المفدال والأحزاب الدينية الأخرى أن يتضمن
برنامج الحكومة بنداً ينص على تشجيع الاستيطان في قطاع غزة. وفي عهد حكم
الليكود أقيمت ((نافيه ديكاليم)) أكبر مستوطنات القطاع، والتي تسكنها خمسمائة
وخمسين أسرة، وفيها مقر قيادة جيش الاحتلال في القطاع، فضلاً عن وجود جامعة
ومرافق سياحية تستقطب اليهود المتزمتين من جميع أرجاء العالم. ومن ضمن هذه
المستوطنات مستوطنة ((عتصمونا)) التي تضم أكثر المدارس الدينية شبه العسكرية
شهرة في الدولة العبرية، والتي يطلق عليها ((يشيفوت ههسدير))، ويعتبر الالتحاق
بهذه المدرسة تحديداً، أمنية لكل الشباب اليهودي المتدين. في عام 2002 نجح محمد
فرحات (17 عاماً)، الذي ينتمي إلى حركة حماس، في اقتحام المستوطنة ومدرستها
العسكرية وقتل سبعة من طلابها وجرح عشرة آخرين.
وتنتمي الأغلبية الساحقة من المستوطنين في القطاع إلى حركتين دينيتين، إحداهما
حركة ((مزراحي)) التي تتبع حزب ((المفدال)) المشارك في الائتلاف الحاكم، وتسيطر
هذه الحركة على تسع مستوطنات. أما حركة ((غوش إيمونيم))، فقد أقامت مستوطنتين،
وبقية المستوطنات تعتبر مستوطنات مختلطة يسكنها المتدينون والعلمانيون.
المستوطنات في القطاع ونظراً لقربها من مدن وقرى ومخيمات القطاع عملت على إعاقة
التمدد العمراني والحضري في قطاع غزة. فالمستوطنات في قطاع غزة والمواقع
العسكرية التي أقيمت لحمايتها، فضلاً عن شبكة الطرق الكبيرة التي شقت لخدمتها،
تمتد على حوالي 35% من مساحة قطاع غزة التي تبلغ 365 كيلومتراً مربعاً. وفي
الوقت الذي يستأثر به سبعة آلاف مستوطن بهذه المساحة من القطاع، فإن أكثر من
مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون على 65% من مساحة القطاع، مع العلم أن قطاع
غزة يعتبر المنطقة الأعلى كثافة سكانية في العالم. ويسكن كل 3333 فلسطينياً في
كيلومتر مربع واحد، مع العلم أن أكثر من نصف الفلسطينيين في القطاع هم من الذين
تقل أعمارهم عن خمسة عشر عاماً.
وساهمت المستوطنات في القضاء على الزراعة كقطاع اقتصادي، حيث إن استئثار
المستوطنات بهذه المساحات الشاسعة من الأراضي، أدى إلى تقليص رقعة الزراعة بشكل
كبير. بالإضافة إلى ذلك فإن المستوطنات استحوذت على أهم المصادر المائية العذبة
في القطاع. فالمستوطنات مقامة على الحوضين الوحيدين للمياه العذبة في القطاع،
حوض في الشمال مقامة عليه مجموعة من المستوطنات، وحوض في الوسط، مقام عليه
التجمع الاستيطاني ((غوش قطيف)). قامت (إسرائيل) بضخ مياه القطاع العذبة إلى
داخل (إسرائيل) لري المناطق الزراعية هناك في منطقة النقب الغربي، والفائض منها
تتم إعادته للقطاع لكي يباع للفلسطينيين هناك. وقد شكلت سيطرة (إسرائيل) على
مصادر المياه إلى عامل آخر في تدمير قطاع الزراعة، إذ اضطر كثير من المزراعين
إلى العمل داخل (إسرائيل)، وحتى في المستوطنات نفسها بدلاً من فلاحة أراضيهم
بسبب نقص المياه، وبذلك ساهمت المستوطنات في تكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني
للاقتصاد الإسرائيلي.
سيطرة المستوطنات على معظم شواطئ القطاع أدت إلى المس بالثروة السمكية في
القطاع وتهاوي قطاع صيد الأسماك، الذي كان يعد من أهم مصادر الدخل في القطاع.
وبسبب قرب المستوطنات من التجمعات السكانية في غزة، فقد ساهمت الإجراءات
الأمنية التي تتخذها سلطات الاحتلال من أجل حماية المستوطنين في شلّ الحركة في
القطاع، بما أثر على القطاعات الاقتصادية الأخرى، مثل الصناعة والتجارة وغيرها.
التخطيط لمدن كبيرة
في إحدى ليالي صيف العام 1974، فوجئ رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت
إسحاق رابين بوزير دفاعه شمعون بيريز يتصل به على عجل طالباً الالتقاء به في
أقرب وقت. في صباح اليوم الثاني التقى الاثنان، وقد فوجئ رابين عندما عرض عليه
بيريز مخططاً أعده بالتعاون مع قادة المستوطنين في قطاع غزة، ويقضي بتحويل
مستوطنة ((نيتساريم)) الواقعة إلى الجنوب من مدينة غزة إلى مدينة، ليس هذا
فحسب، بل إن بيريز اقترح أن يطلق على هذه المدينة ((عزا عليت)) أي (غزة
العليا)، هذا مع أنه لم يكد يمضي عامان على إقامة هذه المستوطنة. صحيح أن رابين
لم يتحمس للمقترح، لكن الآن نجد أن بيريز إياه هو الذي يبدي كل الحماس لتفكيك
المستوطنات وأولها مستوطنة ((نيتساريم))، التي اقترح يوماً تحويلها إلى مدينة.
ويضيف بيريز الآن ((إنه غير مقتنع بأن يتم سفك قطرة دم يهودية واحدة من أجل
الإبقاء على نيتساريم)).
القطاع يستنزف
(إسرائيل)
على الرغم من رهانات الصهاينة على الاستيطان في القطاع، وعلى الرغم من كل ما
فعلوه من أجل الاستئثار بالثروات في هذه المنطقة، فسرعان ما انفضّ الإجماع
الصهيوني حول الاستيطان في القطاع، بل وتبدل إلى الإجماع على اعتبار أن هذا
الاستيطان يشكل عبئاً استراتيجياً على الدولة العبرية. حتى أن المتطرفين في حزب
الليكود يدركون الآن أن الانسحاب من قطاع غزة هو تخليص للدولة من مصدر ألم
متواصل. وتحمل الشهادة التي يدلي بها يوفال شطاينتس، رئيس لجنة الخارجية والأمن
التابعة للكنيست، وأحد أكثر المتطرفين في حزب الليكود دلالات هامة، عندما يقول
إن بقاء الاستيطان اليهودي في قطاع غزة بثمابة ((عناق الموت)) بالنسبة
لـ(إسرائيل). أما يوسي ساريد؛ السياسي اليساري المعروف، فيوجز تأثير المقاومة
في اتخاذ القرار الإسرائيلي بتفكيك مستوطنات قطاع غزة، قائلاً ((إذا لم نفر من
غزة، فستلاحقنا غزة في بيوتنا)).