فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Jun2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تحقيــق
قضــايــا
شؤون فلسطينية
الغلاف1
الغلاف2
شؤون العدو1
شؤون العدو2
تقرير
تحليــل
رأي - منير شفيق
رأي - غازي حمد
شؤون دولية
حــوار - الزير
شؤون عربية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
الشيخ والبدايات
الشيخ والعمل النسائي
مقابلة - العوا
الشيخ والقائد
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

شؤون العدو 2

عناق الموت
تكاثر الدعوات الإسرائيلية للهروب من قطاع غزّة


فلسطين/صالح محمد النعامي
بعد تفجير مدرعتين إسرائيليتين في قطاع غزة، ومقتل أحد عشر جندياً عاد الصهاينة للحديث عن الانسحاب من القطاع، وساد سجال سياسي وأمني بسبب تمسّك قادة عسكريين بالبقاء في القطاع رغم الخسائر الباهظة.
في هذا المقال نستعرض خلفية إنشاء المستوطنات في قطاع غزة وتبدّل النظرة إليها.

مشروع ديان وبيريز
لم تكد تنتهي حرب الأيام الستة، حتى كانت النخب الإسرائيلية السياسية والعسكرية والمثقفة مشغولة في الإجابة عن السؤال الآتي ((ماذا نصنع بالأرض التي قمنا باحتلالها خلال هذه الحرب، والتي تفوق مساحتها أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت تسيطر عليه الدولة العبرية من أرض؟)). إن كان الرد على هذا التساؤل مبهماً للكثيرين، فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة لوزير الدفاع في ذلك الحين موشيه ديان ووزير العمل شمعون بيريز، فقد كانت الإجابة على هذا السؤال واضحة وجلية لديهما، حيث كانا يعتقدان أنه يتوجب تكريس الوجود اليهودي في هذه الأراضي عبر إقامة المستوطنات اليهودية. الذي ساهم في مساعدة ديان وبيريز على تحقيق طموحاتهما، كان بلا شك سيطرة موجة من التعصب الديني مدفوعة بنشوة ((النصر)) لدى الشباب اليهودي، الذي رأى أنه من المستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بحال من الأحوال. كل من شمعون بيريز وموشيه ديان أبديا حماساً منقطع النظير لإقامة المستوطنات اليهودية في قطاع غزة، لدواعي أمنية واستراتيجية.
في أعقاب الاحتلال انطلقت في قطاع غزة ثورة أطلق عليها ((ثورة الفدائييين))، حيث حرصت عناصر المقاومة الفلسطينية في ذلك على رفع معنويات الجمهور الفلسطيني عبر تنفيذ عمليات نوعية داخل القطاع ضد جنود الاحتلال وفي أطراف الدولة العبرية، من هنا اعتقد ديان وبيريز أن إقامة المستوطنات يمكن أن يؤدي إلى المس بقدرة الفلسطينيين على تنفيذ عمليات ضد الاحتلال وضد دولة (إسرائيل) بشكل عام. ووفق منطق ديان وبيريز فإن إقامة المستوطنات في قطاع غزة جاء لتمزيق أوصال القطاع والتحكم في الطرق الرئيسية فيه ومراقبة شواطئه، حيث ارتأت الدولة العبرية مراقبة الشواطئ بعد تزايد العمليات الفدائية انطلاقاً من القطاع. كما ارتأيا أن فرض طوق استيطاني محاذٍ لشاطئ البحر، سيعمل على محاصرة قطاع غزة بين طوقين غربي وشرقي لا يبعدان كثيراً عن حدود عام 67. وفي عهد حكومات حزب العمل التي امتدت من العام 1967 وحتى العام 1977، أقامت (إسرائيل) خمس مستوطنات هي: مستوطنة ((إيرز)) الصناعية، تقع في أقصى شمال القطاع، ومستوطنة ((نيتساريم))، التي تقع جنوب مدينة غزة، وقد قام الوزير شمعون بيريز ممثلاً لحكومة غولدا مائير بقص الشريط مؤذناً بتدشين هذه المستوطنة في العام 1972. مستوطنة ((كفار داروم)) الواقعة إلى الشرق من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وأقيمت عام 1970، وتتحكم بالسيطرة على شريان الحياة الرئيس في القطاع: شارع صلاح الدين. ومستوطنة ((نيتسر حزاني)) التي تقع للغرب من مستوطنة ((خانيونس)) وتطل على البحر، وأقيمت عام 1973 لأغراض عسكرية، وتحتوي على مقر للمخابرات الإسرائيلية الداخلية ((الشاباك))، ومركزاً للوحدات الخاصة، مستوطنة ((موراج))، تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة رفح، وأقيمت عام 1972.
مع صعود الليكود واليمين للحكم عام 1977، لم تعد دوافع الاستيطان في القطاع أمنية واستراتيجية فقط، بل أصبحت أيديولوجية أيضاً. وفي الفترة الممتدة من حكم الليكود المتواصل من العام 1977 حتى العام 1992، أقامت (إسرائيل) أربع عشرة مستوطنة في أرجاء القطاع، معظمها بمحاذاة البحر. ووافق مناحيم بيغن، أول رئيس وزراء من الليكود على شروط حزب المفدال والأحزاب الدينية الأخرى أن يتضمن برنامج الحكومة بنداً ينص على تشجيع الاستيطان في قطاع غزة. وفي عهد حكم الليكود أقيمت ((نافيه ديكاليم)) أكبر مستوطنات القطاع، والتي تسكنها خمسمائة وخمسين أسرة، وفيها مقر قيادة جيش الاحتلال في القطاع، فضلاً عن وجود جامعة ومرافق سياحية تستقطب اليهود المتزمتين من جميع أرجاء العالم. ومن ضمن هذه المستوطنات مستوطنة ((عتصمونا)) التي تضم أكثر المدارس الدينية شبه العسكرية شهرة في الدولة العبرية، والتي يطلق عليها ((يشيفوت ههسدير))، ويعتبر الالتحاق بهذه المدرسة تحديداً، أمنية لكل الشباب اليهودي المتدين. في عام 2002 نجح محمد فرحات (17 عاماً)، الذي ينتمي إلى حركة حماس، في اقتحام المستوطنة ومدرستها العسكرية وقتل سبعة من طلابها وجرح عشرة آخرين.
وتنتمي الأغلبية الساحقة من المستوطنين في القطاع إلى حركتين دينيتين، إحداهما حركة ((مزراحي)) التي تتبع حزب ((المفدال)) المشارك في الائتلاف الحاكم، وتسيطر هذه الحركة على تسع مستوطنات. أما حركة ((غوش إيمونيم))، فقد أقامت مستوطنتين، وبقية المستوطنات تعتبر مستوطنات مختلطة يسكنها المتدينون والعلمانيون. المستوطنات في القطاع ونظراً لقربها من مدن وقرى ومخيمات القطاع عملت على إعاقة التمدد العمراني والحضري في قطاع غزة. فالمستوطنات في قطاع غزة والمواقع العسكرية التي أقيمت لحمايتها، فضلاً عن شبكة الطرق الكبيرة التي شقت لخدمتها، تمتد على حوالي 35% من مساحة قطاع غزة التي تبلغ 365 كيلومتراً مربعاً. وفي الوقت الذي يستأثر به سبعة آلاف مستوطن بهذه المساحة من القطاع، فإن أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون على 65% من مساحة القطاع، مع العلم أن قطاع غزة يعتبر المنطقة الأعلى كثافة سكانية في العالم. ويسكن كل 3333 فلسطينياً في كيلومتر مربع واحد، مع العلم أن أكثر من نصف الفلسطينيين في القطاع هم من الذين تقل أعمارهم عن خمسة عشر عاماً.
وساهمت المستوطنات في القضاء على الزراعة كقطاع اقتصادي، حيث إن استئثار المستوطنات بهذه المساحات الشاسعة من الأراضي، أدى إلى تقليص رقعة الزراعة بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك فإن المستوطنات استحوذت على أهم المصادر المائية العذبة في القطاع. فالمستوطنات مقامة على الحوضين الوحيدين للمياه العذبة في القطاع، حوض في الشمال مقامة عليه مجموعة من المستوطنات، وحوض في الوسط، مقام عليه التجمع الاستيطاني ((غوش قطيف)). قامت (إسرائيل) بضخ مياه القطاع العذبة إلى داخل (إسرائيل) لري المناطق الزراعية هناك في منطقة النقب الغربي، والفائض منها تتم إعادته للقطاع لكي يباع للفلسطينيين هناك. وقد شكلت سيطرة (إسرائيل) على مصادر المياه إلى عامل آخر في تدمير قطاع الزراعة، إذ اضطر كثير من المزراعين إلى العمل داخل (إسرائيل)، وحتى في المستوطنات نفسها بدلاً من فلاحة أراضيهم بسبب نقص المياه، وبذلك ساهمت المستوطنات في تكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي.
سيطرة المستوطنات على معظم شواطئ القطاع أدت إلى المس بالثروة السمكية في القطاع وتهاوي قطاع صيد الأسماك، الذي كان يعد من أهم مصادر الدخل في القطاع. وبسبب قرب المستوطنات من التجمعات السكانية في غزة، فقد ساهمت الإجراءات الأمنية التي تتخذها سلطات الاحتلال من أجل حماية المستوطنين في شلّ الحركة في القطاع، بما أثر على القطاعات الاقتصادية الأخرى، مثل الصناعة والتجارة وغيرها.

التخطيط لمدن كبيرة
في إحدى ليالي صيف العام 1974، فوجئ رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت إسحاق رابين بوزير دفاعه شمعون بيريز يتصل به على عجل طالباً الالتقاء به في أقرب وقت. في صباح اليوم الثاني التقى الاثنان، وقد فوجئ رابين عندما عرض عليه بيريز مخططاً أعده بالتعاون مع قادة المستوطنين في قطاع غزة، ويقضي بتحويل مستوطنة ((نيتساريم)) الواقعة إلى الجنوب من مدينة غزة إلى مدينة، ليس هذا فحسب، بل إن بيريز اقترح أن يطلق على هذه المدينة ((عزا عليت)) أي (غزة العليا)، هذا مع أنه لم يكد يمضي عامان على إقامة هذه المستوطنة. صحيح أن رابين لم يتحمس للمقترح، لكن الآن نجد أن بيريز إياه هو الذي يبدي كل الحماس لتفكيك المستوطنات وأولها مستوطنة ((نيتساريم))، التي اقترح يوماً تحويلها إلى مدينة. ويضيف بيريز الآن ((إنه غير مقتنع بأن يتم سفك قطرة دم يهودية واحدة من أجل الإبقاء على نيتساريم)).

القطاع يستنزف (إسرائيل)
على الرغم من رهانات الصهاينة على الاستيطان في القطاع، وعلى الرغم من كل ما فعلوه من أجل الاستئثار بالثروات في هذه المنطقة، فسرعان ما انفضّ الإجماع الصهيوني حول الاستيطان في القطاع، بل وتبدل إلى الإجماع على اعتبار أن هذا الاستيطان يشكل عبئاً استراتيجياً على الدولة العبرية. حتى أن المتطرفين في حزب الليكود يدركون الآن أن الانسحاب من قطاع غزة هو تخليص للدولة من مصدر ألم متواصل. وتحمل الشهادة التي يدلي بها يوفال شطاينتس، رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، وأحد أكثر المتطرفين في حزب الليكود دلالات هامة، عندما يقول إن بقاء الاستيطان اليهودي في قطاع غزة بثمابة ((عناق الموت)) بالنسبة لـ(إسرائيل). أما يوسي ساريد؛ السياسي اليساري المعروف، فيوجز تأثير المقاومة في اتخاذ القرار الإسرائيلي بتفكيك مستوطنات قطاع غزة، قائلاً ((إذا لم نفر من غزة، فستلاحقنا غزة في بيوتنا)).
 

عمليات غزّة تحدث هزّة داخلية في الكيان:
جنرالات الصهاينة: المقاومة الفلسطينية أسطورية.. لنخجل من جيشنا


فلسطين/إبراهيم السعيد
من المفارقة أنه منذ أن احتدم الصراع بين المغتصبين الصهاينة والفلسطينيين على أرض فلسطين، لم يكن لعمليات المقاومة تأثير على الرأي العام الإسرائيلي والحراك السياسي داخل الدولة العبرية كما كان لعمليات المقاومة التي هزت جيش الاحتلال في قطاع غزة، وتحديداً في حي ((الزيتون)) بمدينة غزة، وفي مدينة رفح جنوب القطاع. وإن كان هناك ثمّة أحد لا يزال يبحث عن دليل على دور الجهاد والمقاومة في إحداث التغيير في مواقف المغتصب الصهيوني، فقد كان وقع هذه العمليات على كل من دوائر صنع القرار في الدولة العبرية وعلى الطبقة السياسية وعلى الرأي العام، خير دليل على ذلك التأثير. تأثير هذه العمليات الواسع على الدولة العبرية فاجأ حتى القطاعات داخل المجتمع الصهيوني التي تنادي بالتسوية السياسية كحل للصراع، فالعمليات العسكرية دلّت على أن الأغلبية الصهيونية لم تعد مستعدة لتقديم التضحيات مقابل مواصلة احتلال قطاع غزة، وبشكل تدرك معه المؤسسة الأمنية الصهيونية أنه لم يعد بالإمكان إقناع جنود الاحتلال بجدوى التضحية من أجل مواصلة بقاء الاحتلال في القطاع.

الصهاينة يخجلون من جيشهم
ما يشبه الهزّة الأرضية ضربت أركان الدولة العبرية، حالة من الفزع تعصف بجميع طبقات المجتع العبري، جميع المستويات السياسية والعسكرية في الدولة اليهودية تشعر بالخجل جرّاء النجاحات غير المسبوقة التي حققتها المقاومة الفلسطينية الأسبوع الماضي. سقوط ثلاثة عشر جندياً من عناصر وحدة الهندسة الميدانية الخاصة المسؤولة عن تدمير أكثر من ألفي منزل فلسطيني في مدينة رفح وحدها شكّل ضربة قوية للصلف الصهيوني، وأصاب منه مقتلاً. ولعل أوضح تعبير لحالة الإرباك التي تحياها الدولة العبرية كان بلا شك، ما قاله الوزير الإسرائيلي المتطرف دان نافيه ((إن الفلسطينيين الذين يملكون إمكانيات بسيطة يرفعون رؤوسهم مفاخرين بما حققوا، بينما تطأطئ دولة بأكملها الرأس خجلاً)). أكثر ما لفت نظر قادة الجيش والمعلقين، فضلاً عن النخب المثقفة في الدولة العبرية هو ((الجرأة الأسطورية))، كما وصف ذلك الجنرال بنيامين شلومي القائد السابق لقوات جيش الاحتلال في قطاع غزة. التصميم الذي أبداه المقاومون الفلسطينيون في مواجهة قوات الاحتلال التي اقتحمت حي الزيتون ومدينة رفح أثار إعجاب قادة جيش الاحتلال. أحد قادة لواء ((جفعاتي))، الذي سقط جنوده على أيدي عناصر المقاومة، علّق على حجم وعظمة المقاومة الفلسطينية قائلاً ((كان بإمكان الفلسطينيين أن يتركونا ننسحب متذرعين بتفوقنا التقني الهائل عليهم، لكنهم تحدونا وتجاهلوا مظاهر تفوقنا، إن المقاتل الفلسطيني لا يهاب أي شيء)). ويضيف ضابط آخر في اللواء ((ماذا لو كان هؤلاء يملكون عشرة بالمائة مما نملك من إمكانيات... بكل تأكيد إن شكل هذه المنطقة كان قد تغير منذ زمن بعيد)). ويحذّر قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال دان هارئيل -الذي يتولّى من ناحية تنظيمية مسؤولية إدارة الحرب الإسرائيلية ضد الانتفاضة الفلسطينية في قطاع غزة- الساسة الإسرائيليين الذين حاولوا نهش لحمه وتحميله مسؤولية الفشل الكبير، ويقول ((عليكم أن تكونوا واقعيين في انتقاداتكم، المشكلة التي تواجهنا أن كل ما نقوم به من إجراءات لردع الفلسطينيين لا تؤثّر فيهم، إنهم يحتملون سقوط الضحايا، ويتعالون على آلامهم وكأن شيئاً لم يكن)). الذي أثار خيبة المستويين السياسي والعسكري في الدولة العبرية هو حقيقة أن تصعيد عمليات القمع التي وصلت أوجها باغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، قائدي حركة حماس، لم يفشل فقط عامل الردع في مواجهة الفلسطينيين، بل إن هذ التصعيد راكم الدافعية لدى جميع فصائل المقاومة الفلسطينية من أجل تصعيد عملياتها، وجعلها معنية أكثر لتثبت لـ(إسرائيل) فشل ما رمت إلى تحقيقه من خلال هذه التصعيد.
الذي فاجأ الصهاينة بشكل أكبر من أي شيء آخر كان مدى قدرة المجتمع الفلسطيني على التحمل من أجل رفد المقاومة. المعلق العسكري في ((يديعوت أحرونوت)) أليكس فيشمان يؤكد أن هيئة أركان الجيش تكاد تصعق من قدرة المجتمع الفلسطيني على التحمل. أما رونين بريغمان، المختص بتغطية أنشطة الأجهزة الاستخبارية في صحيفة ((يديعوت أحرونوت))، فيؤكد أن جميع المستويات العسكرية في الدولة العبرية باتت تدرك بؤس الرهان على العمل العسكري وخيار القوة في مواجهة الشعب الفلسطيني، إن هناك إحساساً عارماً بالعجز في جميع المستويات المهنية العسكرية في مواجهة الفلسطينيين الذين يملكون إمكانيات بسيطة وبدائية مقارنة مع ما يمتلكه الجيش الإسرائيلي.
وإن كان قادة جيش الاحتلال قد حرصوا في الآونة الأخيرة على التبجح بدور أنظمة التقنيات المتقدمة التي يعتمدون عليها في مواجهة المقاومة وقادة وعناصر حركاتها، في ما اعتبروه ظهور دلائل على شعور الفلسطينيين بالعجز عن مواصلة الانتفاضة، فقد كانت هذه العمليات دليلاً آخر على مدى هشاشة الاستنتاجات التي خلص إليها هؤلاء القادة. فقد شنّ النائب عن حزب ((ياحد)) ران كوهين، وهو جنرال متقاعد، هجوماً على قادة الجيش قائلاً ((للأسف أنه في كل مرة نعلن بفخر انتصارنا على الفلسطينيين، نصعق ثانية عندما يتبين لنا أن الفلسطينيين قادرين على مفاجأتنا بشكل يُخجل الدولة بأسرها)). ويضيف كوهين أن اعتماد الدولة العبرية على موازين القوى التي تميل لصالحها بشكل جارف في المواجهة مع الشعب الفلسطيني، قد أنسى قادتها حقائق يتوجب ألا ينسوها، أهمها أن الفلسطينيين يشعرون أنهم يقاتلون وهم يمتلكون بعداً أخلاقياً قوياً. ويضيف ((شتّان بين من يقاتل وهو يؤمن أنه يقاتل من أجل حقّه وحقّ عائلته وشعبه في حياة كريمة بأرضه، وبين من يقاتل وهو يعلم أنه لا حقّ له في الأرض التي يقاتل عليها)).

غضب على الليكود والمستوطنين
أهم نتيجة للعمليات النوعية للمقاومة الفلسطينية في القطاع من ناحية سياسية، كان فرض عزل على اليمين المتطرف في الدولة العبرية، الذي أحبط خطة ((فكّ الارتباط)). جميع وسائل الإعلام، فضلاً عن الكثير من النخب الثقافية اتهمت حزب الليكود والأحزاب التي تقع على يمينه بالمسؤولية المباشرة عن سقوط الجنود. الجنرال يائير يايا، قائد القوى البشرية الأسبق في جيش الاحتلال قال إن دماء جنود الجيش الإسرائيلي التي سالت يتحمل مسؤوليتها حزب الليكود الذي أحبط خطة ((فكّ الارتباط))، التي كان من المفترض أن تضع حداً للوجود الإسرائيلي في القطاع. وأضاف يايا ((عن ماذا نبحث في قطاع غزة، عن ماذا نبحث وسط مليون ونصف فلسطيني يعيشون في أقل من مائة وستين كيلومتراً مربعاً، عن ماذا نبحث وسط هذا الجحيم. إن دماء جنودنا التي سالت يتحمل مسؤوليتها كل من عمل ضدّ خطة ((فكّ الارتباط))، إلى متى سنبقى دولة غير طبيعية، متى سنشعر أننا دولة تفكر بعقل ومنطق. إن دولتنا تسرع كالبرق إلى مصير مظلم ما دامت تترك مصيرها في أيدي حفنة من المتطرفين الذين لا يهمّهم سوى تطبيق معتقدات بالية، وإظهار غطرسة مقيتة)).
أما المعلق أمير أورن، فقال إن على الإسرائيليين أن يعاقبوا حزب الليكود الذي أحبط خطة ((فكّ الارتباط)). ويضيف ((كل من يريد البقاء في غزة هو بكل تأكيد يريد دمار دولة (إسرائيل). إن غزة بحر عميق، و(إسرائيل) ستغرق وتهبط إلى قاعه في حال واصلت سيطرتها فيه)).
وشنّ عوزي بنزيمان، المعلّق في صحيفة ((هآرتس))، هجوماً كاسحاً على أرييل شارون الذي وصفه بأنه زعيم جبان وضعيف وفاشل. وأضاف ((كان بإمكان شارون أن يقنعني بأنه قد غيّر طبعه، فعندما فشل في تمرير خطة ((فكّ الارتباط))، كان عليه إما أن يستقيل أو يشكل حكومة بديلة لتنفيذ الخطة، كان عليه ألا يستمر بالخضوع لإرادة أقلية متطرفة ومقيتة)). ويؤكد بنزيمان أن ((إسرائيل في النهاية لن تنسحب فقط من غزة، بل إنها قد تزول تماماً في حال ظلت أسيرة الأيديولوجيات الغيبية التي معها يتوجب على الإسرائيليين أن يكونوا جنوداً لخدمة المستوطنين الأنذال)). والد احد الجنود الذين قتلوا في حيّ الزيتون، قال إنه فكّر أن يتم تشييع جنازة ابنه من مقرّ حزب الليكود لكي يؤكد للرأي العام الإسرائيلي أن هذا الحزب هو المسؤول عن مقتل نجله وبقية الجنود. ويرفض هذا الوالد تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية التصعيد، قائلاً ((حتى لو كان يسكن الضفة الغربية وقطاع غزة غجر وليس شعب عريق مثل الشعب الفلسطيني، لقاوموا هذا الاحتلال)). واعتبر أن الاحتلال هو الموت بعينه.
العمليات النوعية جعلت جميع المعلقين يشنّون هجمات غير مسبوقة على المستوطنين ويعتبرونهم أكبر خطر على مستقبل الدولة العبرية. الجنرال الأسبق أوري أور دعا الحكومة إلى سحب قواتها من قطاع غزة وترك المستوطنين لمصيرهم. وأضاف ((سنعلم عندها ماذا ستفعلون، لماذا يُقتل ولدي من أجل الدفاع عن هؤلاء الغلاة، لماذا تغرق الدولة في بحر من الدماء من أجل هذه الحفنة من المتطرفين الأوغاد)).
أما الكاتبة ياعيل باز ملميد، فقد قالت إن ((رفض الخدمة العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة يكتسب بعداً أخلاقياً الآن، لأنه لا يوجد سبب للبقاء في غزة)). وتضيف ((إن أحداً يجب ألا يتوقع مني أن أضحي بابني من أجل المستوطنين المجانين)).

ضغط على الليكود
اللافت للنظر أن كلاً من اليمين المتطرف بشقيه الديني والعلماني، وعلى رأسهم قادة المستوطنين أصبحوا في حالة دفاع عن النفس، حيث إن هؤلاء يدركون أن الرأي العام الإسرائيلي يحملهم المسؤولية عن الخسائر الكبيرة نسبياً، كما وجد تعبيره في سقوط ثلاثة عشر من عناصر وحدة الهندسة الميدانية التابعة للواء المشاة ((جفعاتي))، الذي يتولى عمليات عبء مواجهة المقاومة الفلسطينية في القطاع.
زيادة الضغط الذي مارسته وسائل الإعلام في الدولة العبرية أتى أُكله من ناحية سياسية، فلأوّل مرة يعلن زعيم حزب ((المفدال)) الديني المتطرف الذي يمثّل المستوطنين في الحكومة والبرلمان أنه يؤيد إزالة بعض المستوطنات، مع أنه كان يعتبر إزالة لو نقطة استيطانية نائية لا يمكن أن يتم. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه العمليات أعادت الحياة إلى أحزاب اليسار، التي وجدت في نجاح المقاومة الفلسطينية في تنفيذ عملياتها النوعية مناسبة للتدليل على فشل حكومة شارون في تحقيق الأهداف التي وضعتها لنفسها، والتي على أساسها نالت ثقة الناخب الإسرائيلي، وأهم هذه الأهداف رفع مستوى الشعور بالأمن الشخصي للإسرائيليين.
ولأوّل مرة هناك دلائل على أن شعبية أحزاب اليسار قد زادت في أوساط الجمهور الإسرائيلي، وبالذات حركة ((ياحد))، وهي الحركة التي نشأت عن اتحاد حركتي ((ميريتس)) و((شاحر))، وذلك لأن هذه الحركة تتخذ مواقف حادة وقطعية من حكومة شارون. اللافت للنظر أنه حتى المنظرين التقليديين لليمين بات معظمهم غير قادر على الدفاع عن سياسة حكومة شارون.
قصارى القول تثبت المقاومة الفلسطينية للجميع أن خيارها هو الخيار القادر على دفع الصهاينة على تغيير قناعاتهم، بعد أن ثبت بشكل قاطع بؤس الرهان على خيار المفاوضات، سيما من منطلق الضعف والاستجداء. فتجربة الصراع حتى الآن تؤكد أن الدولة العبرية لا تفهم إلا لغة واحدة، لغة القوة والقوة فقط.
 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003