| معركة رفح وموازين القوى
غزة/د. صلاح البردويل
أثارت معركة رفح الأخيرة التي بدأت بغزو إسرائيلي واسع على حي تل السلطان
الواقع على الطرف الغربي لمدينة رفح، اهتمام المراقبين للساحة الفلسطينية، ولا
سيما أنها حدثت بين يدي القمة العربية المفترضة في تونس، وقد تباينت آراء
المحللين السياسيين تجاه هذا الهجوم غير المسبوق، فمنهم من رأى فيها تأكيداً
على كذب الادعاء الصهيوني فيما يتعلق بالانسحاب من غزة، ومنهم من رأى الأمر عكس
ذلك، حيث إن هذا الهجوم ما هو إلاّ غطاء نفسي ومعنوي لعملية الانسحاب التي ستتم
قريباً بناءً على خطة شارون المدعومة أمريكياً. وبين هؤلاء وهؤلاء ثمّة من
شغلته الأحداث وغرق في فظاعة الجريمة وبشاعتها، وثمة من أصابه الرعب من كون هذا
الفعل هو مقدمة لمزيد من المذابح والتشريد لأبناء الشعب الفلسطيني، لا سيما في
ظل هذا الواقع العربي والدولي المخزي.
ولعلّ الطريقة الأجدى في التعاطي مع هذه المعركة هي القراءة الواعية لكافة
المعطيات التي تحيط بها للخروج بتصور واضح عن الأهداف والنتائج، وحتى يبدو
الموقف أكثر جلاءً لا بدّ من الفصل بين الموقفين: الاسرائيلي، والفلسطيني،
وموازين القوى لدى الطرفين، والمؤشرات التي ترجح نصر هذا الطرف أو ذاك.
الموقف الإسرائيلي
جاء الهجوم الإسرائيلي على منطقة ((تل السلطان)) برفح مفاجئاً للمراقبين،
وخصوصاً بعد أن كان الهدف الإسرائيلي المعلن والذي تردد على لسان رئيس الوزراء
الصهيوني شارون ووزير حربه موفاز هو تدمير مئات المنازل الفلسطينية المحاذية
للشريط الحدودي مع مصر جنوب مدينة رفح لتوسيع ما يعرف بخط ((فيلادلفيا))
الحدودي إلى مسافة 300 متر، وذلك لجعل عملية حفر الأنفاق من رفح إلى مصر من أجل
تهريب السلاح إلى قطاع غزة مستحيلة، ولا سيما أن قناة مائية سيتم حفرها في
المكان على طول الحدود بعمق 20 متراً، وسعة 80 متراً، وقد دلّت الحشود
الإسرائيلية الهائلة على جدية العدو في تنفيذ هذا الموضوع الذي يبدو أنها أخذت
ضوءاً أخضر بشأنه من الولايات المتحدة على الأقل، إن لم يكن من السلطات المصرية
وبعض الأطراف الفلسطينية المتنفذة، وربما كان الهدف المعلن من وراء هذه العملية
الواسعة تأمين الحدود المصرية قبل الانسحاب الكامل من قطاع غزة، حتى لا يكون
الانسحاب عشوائياً، أو يبدو وكأنه اندحار وهزيمة على غرار ما حدث في جنوب
لبنان.
لكن قيادة الجيش الإسرائيلي التي لم تجمع أشلاء جنودها بعد من شوارع حي الزيتون
بغزة، ومخيم رفح، لم تشأ أن تغامر مثل هذه المغامرة بعدما خبرت من المفاجئات
التي خبأتها لها المقاومة الإسلامية في مثل هذه الحالات، ولا سيما بعد حالة
الغليان والرعب التي أصابت الصهاينة: جماهير، وعساكر، الأمر الذي أثر على جدول
أولويات القيادة الصهيونية سياسية وعسكرية، فغيرت خطتها لتحقق أهدافها بأقل
الخسائر فكان الهجوم على منطقة تل السلطان برفح، وهي منطقة لا علاقة لها
بالحدود الجنوبية، كما أنها منطقة محاطة بأربع مستوطنات من الجنوب والغرب
والشمال، وتختلف عن مخيمات جنوب رفح باتساع شوارعها وصعوبة المقاومة فيها
لسهولة اختراق الدبابات لها وقدرة السيطرة على بناياتها العالية التي تستخدم
للقنص، بالإضافة لسهولة عمل طائرات الأباتشي في هذه الأحوال.
تل السلطان
إن السيطرة على منطقة تل السلطان ليست أمراً جديداً ولا يعبر عن عبقرية عسكرية
صهيونية، فهي عملياً ساقطة عسكرياً باعتبارها محاصرة بأبراج المواقع العسكرية
الصهيونية المطلّة عليها من كل اتجاه والجديد في الأمر إعادة الثقة للجندي
الإسرائيلي الذي اصبح مرعوباً من غزة وشوارعها، وذلك من خلال إعطائه شحنة
معنوية وهو يرى نفسه يقف في شوارع رفح التي طالما شكلت له كابوساً وينتقم
لزملائه الذين ضاعت أشلاؤهم في مقبرة الزيتون ورفح. ولقد كان ذلك هدفاً عسكرياً
وسياسياً صهيونياً، كما كان ذلك رغبة من شارون أن تكون آخر أيامه في قطاع غزة
قتلاً وتدميراً وإذلالاً وتركيعاً للشعب الفلسطيني، حتى لا يشعر بزهوة النصر
على جيشه الهارب قريباً من قطاع غزة.
ولكن مثل هذه الفظائع التي ارتكبها العدو الصهيوني في رفح لم تكن لتمر بسهولة
لولا هذا التصريح المفتوح الذي أخذه شارون من الولايات المتحدة الأمريكية
الغارقة بدورها في فظائعها في العراق، ففي اللحظة التي أقدمت طائرات العدو
الصهيوني بقصف مسيرة للأطفال في رفح وقتل العشرات منهم وإصابة العشرات كانت
الطائرات الأمريكية تقصف المدنيين العراقيين في مدينة القائم لتقتل العشرات
وتصيب أضعافهم. فكيف ستعارض أمريكا جرائم شارون؟
الأغرب من هذا موقف السلطة الفلسطينية الذي من المفترض أن يضاف إلى رصيد الشعب
الفلسطيني، ولكنه بارتهانه إلى ما يسمى بعملية السلام والمفاوضات، وارتهانه إلى
الموقف الأمريكي أضاف غطاءً سياسياً لجرائم العدو الصهيوني، فهو تارة يتخذ موقف
الحياد ويدعو إلى وقف العنف المتبادل!! وهو مرّة يطالب بإعطائه فرصة لحفظ الأمن
وقمع ((الإرهاب)) الإسلامي!!. وهو مرّة -وفي ظل هذا الإجرام بحق شعب فلسطين-
يعدّ نفسه عبر دورات بروتوكولات الرئاسة لمرحلة ما بعد المذبحة والانسحاب!!،
وكأنما يريدون بناء ملكهم على جماجم أطفال الشعب الذي لم يروا أنه شعبهم
أبداً!!.
وفي هذا الإطار نرى تصريحات مسؤولي السلطة، وهذا الغزل الذي نراه في الأردن بين
قريع وباول، وفي برلين بين قريع وكونداليزا رايس، وما ظهر وما بطن من المباحثات
والمؤامرات العلنية والسرية.
هكذا استغل العدو الصهيوني كل هذه المعطيات وصنع معركة من طرف واحد للاستهلاك
الصهيوني المحلي من أجل الخروج من غزة (مرفوع الرأس)، اختار أرض المعركة وسخّر
لها طاقاته التكنولوجية العسكرية الهائلة. فهل حسمت المعركة وانتهى الأمر؟!
الموقف الفلسطيني
للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من استجلاء الموقف الفلسطيني المقاوم.
لو نزلت إلى شوارع المخيمات والأحياء الفلسطينية في غزة، واستوقفت عينة عشوائية
من الشباب والأطفال والنساء مثقفين أو غير مثقفين، مقاتلين أو غير مقاتلين
ووجهت إليهم سؤالاً بسيطاً: ماذا تبقى لكم بعد هذا الحصار والدمار والإجرام
الأمريكي الصهيوني والتآمر العربي والخذلان السلطوي، ونفاد السلاح والذخيرة في
مقابل آلة عسكرية هائلة وتقدم تكنولوجي رهيب؟. ماذا تبقى لكم أيها الفلسطينيون؟
فتسجد جواباً تلقائياً وسريعاً: لنا الله!!، وعندها ستجد نفسك تردّ تلقائياً،
ونعم بالله، ولكن!!. وبعد ((لكن)) لن تجد الكثير ممن يقفون معك ليكملوا الجواب
لأنهم غير معنيين بالبحث في التفاصيل، فإذا ما ألححت عليهم بالبحث فستجد أكثرهم
يجنحون في تحليلهم إلى الخطاب الديني الذي يرتكز إلى ثوابت عقائدية تجعل المسلم
أكثر صلابة وقوة، منها حديث الطائفة المؤمنة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس،
ومنها وعد الله بهزيمة اليهود كما جاء في سورة الأنعام وسورة الإسراء، ومنها ما
جاء في سورة الأنفال وآل عمران من إلقاء الرعب في قلوب الكفار، وتنزيل الملائكة
للقتال إلى جانب المؤمنين. ومن هؤلاء المحللين من يسرد لك شواهد من تاريخ
الحروب الإسلامية التي انتصر فيها المسلمون رغم قلة العدد والعتاد. ومنهم من
يسوق لك شواهد من الواقع المعاصر، في فيتنام والصومال ولبنان وأفغانستان..
وغيرها. ومنهم من يشير لك بإصبعه إلى ذلك الشارع وذلك الزقاق الذي حدثت فيه
كرامات ومعجزات، ويفيض لك بشرح الانتصارات الإسلامية التي حققتها المقاومة
الإسلامية. ومن هذه السوابق يستنتج النتيجة التي مفادها أننا سننتصر ولو بعد
حين بقوة الله.
ومع قناعتنا التامة بهذا الخطاب الديني الصادق، فإن هذا لا يمنعنا من توسيع
الخطاب إلى أكبر شريحة من الناس عبر إبراز المقومات الحقيقية المادّية على
الأرض الفلسطينية ومن هذه المقومات:
أولاً: سلاح الرعب، فلم يكتفِ المجاهدون الفلسطينيون بكسر حاجز الرعب الذي فرضه
العدو طويلاً على الإنسان الفلسطيني من خلال المذابح الجماعية التي ارتكبها
لتهجير الشعب الفلسطيني، بل عمد أبطال المقاومة الإسلامية إلى نقل هذا الرعب
إلى عمق الكيان الصهيوني، فأصبح هذا الكيان في حالة دفاع عن النفس، بينما
امتلكت المقاومة زمام المبادرة، حيث استطاعت امتصاص ردّات الفعل الصهيونية بصدر
مؤمن وحوّلت المآتم إلى أعراس، ورفعت الشهداء مكانة عليا، جعلت كل شاب وكل
امرأة وكل طفل يحلم باليوم الذي يصبح فيه شهيداً عالياً بين أهله وعالياً في
جنات الفردوس الأعلى. ولعلّ هذا العامل الجديد هو الذي أربك رابين قبل موته
حينما تمنّى أن يبتلع البحر غزة، ويقول أمام الكنيست: ((ماذا أفعل بشخص يريد أن
يموت؟!)) لقد أصبح العامل البشري الإسلامي من أكثر الأسلحة مضاءً في المعركة مع
هذا العدو، الذي بات يحلم بالتخلص من هذا الزحف الديموغرافي (المتطرف) الذي لا
يخشى شيئاً.
ثانياً: التفاف المقاومة الفلسطينية حول الشعار الإسلامي والتفاف الجماهير كلها
حول المقاومة الإسلامية جرّد السلطة الفلسطينية من قدرتها على احتواء الشعب أو
قمع المقاومة، وباتت عاجزة تماماً عن العودة إلى جرائم 1996 حينما قيدت أيدي
المقاومة الإسلامية لصالح العدو الصهيوني. ومما جعل الأمر أكثر صعوبة قرار
المقاومة الإسلامية بعدم تسليم سلاحها، أو الاستسلام لخداع أجهزة الأمن
الفلسطينية، التي تعد العدو الصهيوني بقدرتها على قمع المجاهدين. وهكذا خسر
العدو الصهيوني الرهان على الحرب الأهلية الداخلية، والتي تعتبر سلاحاً ماضياً
في معركته الاستراتيجية مع الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية.
ثالثاً: مصداقية المقاومة الإسلامية والتفاف الجماهير حولها ودعمهم المعنوي
والمادّي لها قلل من أهمية الحصار الاقتصادي، وتجفيف مصادر التمويل التي
يمارسها تحالف العدو الصهيوني الأمريكي مع الأنظمة العربية و(النظام
الفلسطيني). ولا أدلّ على ذلك من حملة التبرعات التي قامت بها حركة المقاومة
الإسلامية حماس بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين؛ والتي كشفت عن معدن الشعب
الفلسطيني الإسلامي الذي يلتف حول خيار المقاومة الإسلامية.
رابعاً: حرب الأدمغة التي يخوضها المقاوم الفلسطيني المؤمن والذي مكنه من
ابتداع وسائل قتالية فعّالة من مواد بدائية متوفرة محلياً، هذه الوسائل مكنته
من تدمير أقوى التجهيزات العسكرية الصهيونية؛ دبابة (الميركافاه) والتي تعتبر
مفخرة الصناعات العسكرية الصهيونية، حيث أدّى ذلك إلى انهيار سمعة الجيش
الصهيوني وتجارته العسكرية.
خامساً: الخبرة العسكرية الميدانية التي اكتسبها الفلسطينيون جعلتهم يديرون
حرباً طويلة الأمد، عالية الأثر في العدو الصهيوني مع أقل الخسائر الممكنة في
ظل التوازنات المختلة عسكرياً؛ معتمدين على حرب الشوارع، والكر والفرّ، ونقل
الرعب إلى العمق الصهيوني.
سادساً: يضاف إلى هذه المقومات الذاتية بعض المواقف العربية المساندة شعبياً
ورسمياً، كالموقف السوري والموقف اللبناني وموقف حزب الله إضافة إلى موقف
التنظيمات الإسلامية المساندة سراً وعلناً، بل قد تجاوز ذلك إلى أن المقاومة
بمصداقيتها اكتسبت احترام بعض الأطراف الرسمية العربية والأوروبية، وقد ظهر ذلك
واضحاً من الإدانة لاغتيال الشهيدين الشيخ أحمد ياسين والشهيد عبد العزيز
الرنتيسي، حتى ولو كانت هذه الإدانة شكلية؛ وكذلك من خلال قرار مجلس الأمن
الأخير الذي دان العدوان على رفح، بعد صمت دام سنوات. ورغم عدم أهمية القرار
عملياً إلا إنه يشكل اعترافا بالجريمة الصهيونية، وإضفاء للشرعية على المقاومة
الإسلامية في فلسطين.
مما سبق من عوامل دينية وسياسية وجماهيرية وعسكرية ميدانية، يبدو واضحاً أن
جولة رفح ليست آخر المطاف رغم أن نتائجها مؤلمة على المدى القريب، ولكنها على
المدى البعيد ستكون تجربة تضاف إلى رصيد التجارب الجهادية في فلسطين، وحافزاً
من حوافز مواصلة القتال والجهاد والردع لهذا العدو الصهيوني حتى يندحر ذليلاً
عن كل أرض فلسطين الطاهرة المباركة.
|