المفكّر المغربي محمد ضريف:
هدف مشروع الشرق الأوسط الكبير تغيير البنية الثقافية والفكرية
هل تنجح الديمقراطية والانتخابات الحرّة في ظلّ تغييب الإسلاميين؟
الولايات المتحدة تبحث عن أنظمة عربية تخدمها بأقلّ ثمن
المغرب/حسن بناجح
الدكتور محمد ضريف باحث مغربي في شؤون الحركة الإسلامية والحياة الحزبية، وله
العديد من الكتابات في هذين المجالين. لذلك كان معه هذا الحوار حول مشروع الشرق
الأوسط الكبير وعناصره وتداعياته.
سبق لوزير خارجية أمريكا وكذلك شمعون بيريز أن صرّحا مباشرة بعد انهيار
الاتحاد السوفياتي أن الشرق الأوسط يحتاج لكي يتغير إلى زلزال يشبه الزلزال
الذي حدث في الاتحاد السوفياتي. خلال السنتين الأخيرتين جرت أحداث كبيرة جداً
(احتلال أفغانستان والعراق وتهديد سوريا وإيران...). ألا ترون بأن هذه الأحداث
هي بمثابة الزلزال الممهد فعلاً لمشروع الشرق الأوسط الكبير المطروح الآن؟
• أعتقد أن هذا جزء من الزلزال، لأن ما يخطط له الأمريكيون وكذلك ما تخطط له
(إسرائيل) هو أكبر بكثير، على اعتبار أن الدخول إلى أفغانستان واحتلال العراق،
وتغيير جغرافية الشرق الأوسط لتمتد في المنظور الأمريكي من المغرب إلى باكستان.
فهو شرق أوسط كبير ليس بالمفهوم الجغرافي وإنما بالمفهوم السياسي. أعتقد أن هذه
مقدمات لهذا الزلزال وليست زلزالاً، لأن الزلزال الكامل بالنسبة لأمريكا
و(إسرائيل) هو إقامة أنظمة تابعة لهما كلياً، وكذلك إدماج أو استتباع النخب
والمجتمع المدني.
فهدف مشروع الشرق الأوسط الكبير ليس فقط إصلاحات اقتصادية أو سياسية، وإنما
الهدف هو إصلاحات تتعلق بتغيير البنيات الفكرية والثقافية. فيمكن أن نقول أن
هذه مقدمات لزلزال ما زالت الإدارة الأمريكية تبحث عن الآليات والوسائل الكفيلة
بتفعيله.
ارتكز المشروع على تقريرَيْ التنمية البشرية 2002 و2003. ما هي خلفيات
الارتكاز على أرقام ومعطيات هذين التقريرين؟
• المستنتج مما يسمى بتقارير التنمية البشرية في العالم العربي أن الإدارة
الأمريكية بصدد تغيير الأولويات. فنلاحظ أن هذه التقارير لا تتحدث عن تنمية
اقتصادية بل عن تنمية بشرية. فمفهوم التنمية البشرية أوسع من مفهوم التنمية
الاقتصادية. مفهوم التنمية الاقتصادية كان سابقاً بتصور معين للإصلاح مرتبط
بتغيير البنيات الاقتصادية وبتحديث النسيج الاقتصادي. الآن تم تجاوز التنمية
الاقتصادية للحديث عن التنمية البشرية. ومعروف أننا عندما نتحدث عن التنمية
البشرية فإننا نتحدث عن مجتمع المعرفة، مجتمع المعلومات والتعليم الجيد. لذلك
فهذا الارتكاز على مفهوم التنمية البشرية هو لتبرير الإصلاحات التي تعتزم
أمريكا القيام بها وتتعلق بتغيير البنيات الثقافية والفكرية. وهذا لإضفاء
مشروعية على هذه المطالبة الملحاحة للولايات المتحدة الأمريكية المتعلقة بتغير
المناهج الدراسية لتغير وسائل التنشئة..
فأمريكا أدركت أنه لا يمكن استتباع العالم العربي والإسلامي ما لم يتم تغيير
القيم الثقافية والفكرية. قد تغير البنيات الاقتصادية، وهكذا نجد فعلاً أن
عدداً من الدول العربية تتبنى إلى حد ما ((اقتصاد السوق)). سياسياً كذلك نجد
عدداً من الدول خطت خطوات، وإن كانت غير كافية، ولكن أمريكا الآن لا يهمها لا
الإصلاح السياسي ولا الاقتصادي، إنما يهمها في المرحلة الحالية ما تسميه
بالإصلاح الثقافي أي تغيير الذهنية العربية والإسلامية، بمعنى أعمق تغيير
القيم.
إضافة إلى هذا فأمريكا هي التي أنجزت تقارير التنمية البشرية بواسطة باحثين،
والذين عندما نراجع لائحتهم نجدهم في أغلبهم مرتبطين بالثقافة الأنجلوساكسونية
وبالجامعات الأمريكية. وهي تريد بالتالي أن تظهر أن الإصلاح مطلب داخلي. وهذه
حقيقة لكن أمريكا تريد منها فقط تبرير فرضها لاختياراتها على العرب والمسلمين.
فما ورد في تلك التقارير لا نختلف حوله كحقائق، بل يوجد ما هو أبشع منه، لكن
يبقى السؤال المطروح هو أهداف هذه التقارير.
قبل المشروع وبالموازاة معه تحركت أمريكا للضغط المباشر على الدول العربية
والإسلامية لتعديل المناهج التعليمية لأنها في اعتبارهم تخرّج الإرهاب؟ ألا
ترون أن هدف المشروع هو إعطاء المشروعية لهذا المطلب خاصة بعد استجابة بعض
الدول لمطالب أمريكا؟
• إن تعاطي أمريكا مع العالم العربي يستحضر ثلاثة أجيال من الإصلاحات: الجيل
الأول هو الإصلاحات الاقتصادية وفق التصور السائد آنذاك، وهو أنه لا بدّ من
إصلاحات سياسية واقتصادية انطلاقاً من اقتناع أنه لا يمكن تطبيق إصلاحات سياسية
في مجتمعات فقيرة متخلفة اقتصادياً. بعد مأزق هذه الإصلاحات الاقتصادية ظهر
الجيل الثاني من الإصلاحات ويتعلق بالإصلاحات السياسية، ويعني أنه لا يمكن أن
تكون هناك إصلاحات اقتصادية في غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية
والانتخابات النزيهة. لكن بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 بدأ خطاب جديد، وهو
الجيل الثالث من الإصلاحات، وهو المتعلق بالإصلاحات الثقافية والفكرية. حيث
أصبح هناك اقتناع سائد وهو أنه لا يمكن أن ننجز إصلاحات سياسية أو اقتصادية ما
لم تكن هناك ذهنيات متقبلة لهذا الإصلاح السياسي. وأمريكا تعني بالإصلاح
السياسي نموذجها المبني على قيم محددة، والتي جوهرها العلمانية، فلكي تنجح
الدول العربية والإسلامية في الإصلاح على الطريقة الأمريكية ينبغي تغيير القيم
وتغيير البنية الفكرية والثقافية، من هنا يأتي ذلك الاهتمام بترويج ما يسمى
بقيم التسامح باعتبار أن المناهج التعليمية الإسلامية ترسخ التطرف واللاتسامح
حسب أمريكا. فالمستهدف إذن ليس البرامج التعليمية وإنما المنظومة الإسلامية.
من الناحية السياسية، وكما ورد في المشروع، أنه يهدف إلى دمقرطة الدول
المستهدفة بالمشروع. فهل هذا مطمح حقيقي لأمريكا؟ وما هي الانعكاسات السياسية
لهذا المشروع؟
• إن التصور الأمريكي في هذا المشروع يضم مجموعة من الجوانب. أولاً المشروع
يتحدث عن إطار للتنمية ((التنمية الاقتصادية)) وهذا الإطار يتمثل في مسألتين
أساسيتين: أولاً تكريس الديمقراطية عبر انتخابات حرة ونزيهة، ثانياً ترسيخ ما
يسمى بالحكامة الجيدة.
ثم هناك أداة للتنمية وتتمثل في التعليم الجيد. لكن هنا السؤال: من يحدد
مواصفات التعليم الجيد؟
ثم هناك آلية وهي تحرير الاقتصاد أو ما يسمى بالمبادرة الحرة. والمشروع كي
يطبّق، في المنظور الأمريكي، لا بدّ له من ركيزتين: الركيزة الأولى هي محاربة
الفساد، لأنه بدون محاربة الفساد لا يمكن أن تكون حكامة جيدة، وفي نفس الوقت
تغيير مناهج التعليم. بمعنى آخر أمريكا في مشروعها تستحضر كل الأبعاد، السياسية
والاقتصادية والاجتماعية. ولكن هناك ترتيب للأولويات، والأولوية الآن بالنسبة
لأمريكا هي تغيير التعليم لتغيير العقلية والذهنية.
فيما يتعلق بالديمقراطية كإطار للتنمية الاقتصادية، فالديمقراطية المقترحة من
أمريكا مختزلة في الانتخابات، وهذا ربط صحيح ويتعلق بتجربة الدول الأوروبية
والدولة الأمريكية، لأن الانتخابات الحرة والنزيهة تعكس وجود مؤسسات سياسية
قوية ووجود أحزاب سياسية تقوم بدور تأطير المواطنين وتمثيلهم، ويكون كل تيار
سياسي له الحق في تأسيس حزب سياسي يعبّر عنه. لكن عندما ننقل الفكرة إلى العالم
العربي والإسلامي نكون مضطرين إلى ضرورة التدقيق في الشروط المستلزمة لربط
الديمقراطية بالانتخابات. قد يأتي نظام في بلد من العالم العربي وينظم انتخابات
نزيهة وشفافة، فلا ينبغي أن نقول أن هذه هي الديمقراطية، ما نحتاجه في العالم
العربي هو أن يسمح لكل التيارات بأن تشارك، ولا يعقل أن تُقصى التيارات
السياسية الفاعلة داخل الساحة، والآن هم الإسلاميون، ونتحدث بعد ذلك عن
الانتخابات النـزيهة والشفافة. وأمريكا تدرك قبل غيرها أن الإسلاميين في العالم
العربي يشكلون قوة سياسية، بدونهم لا يمكن أن نتحدث عن وجود ديمقراطية. فأمريكا
بين خيارين، إما أن تذهب إلى أقصى ما يمكن أن تذهب إليه بالضغط من أجل إشراك
القوى الفاعلة، والمؤثرة وإما أن تحاول رسم ديمقراطية على مقاسها.
وأنا أعتقد أن أمريكا تسير وفق الاختيار الثاني وبالتالي فهي غير جادة في
مشروعها.
ارتباطاً بسؤال الجدية، حدث وضع الدستور العراقي، وكان الحاكم الأمريكي في
العراق وقف ضد أن ينص في الدستور على مصدرية الشريعة الإسلامية في التشريع، مما
يستنتج منه أن أمريكا لا ترغب في أي إسلامي مهما كان نوعه...
• أنا أقول، وحتى نكون واضحين أكثر، إن أمريكا تربط الديمقراطية في الوطن
العربي بالعلمانية. ولا ينبغي أن نعطي اهتماماً كبيراً لهذا المشروع لأنه يأتي
في ظرفية رد الفعل. ثم إن أمريكا حريصة على مصالحها، وهي لا يهمها هل هذا
النظام ديمقراطي أم لا، إنما يهمها هل يخدم مصالحها أم لا. كما أنها لا تقبل أن
توصل الديمقراطية إلى سدة الحكم من لا يتفق وأهدافها وقيمها، والكل يتذكر ما
وقع لسالفادور أليندي في شيلي سنة 1973، فهو اشتراكي انتخب بشكل ديمقراطي، ولكن
أطيح به لأن سياسته لا تساير المصالح الأمريكية.
فالسياسة الأمريكية ترتكز على البراغماتية، ونحن نعرف ما كتبه مورغينتاو كمنظر
للسياسة الخارجية الأمريكية في منتصف القرن الماضي، فقد رسم بشكل واضح ملامح ما
يسمى بالسياسة الواقعية، والآن نرى تفاصيل هذا الاتجاه الواقعي البراغماتي الذي
لا يهمه إلا المصلحة والمصلحة فقط.
فهذا المشروع بدأ مع سقوط المعسكر الاشتراكي، حيث بدأ الحديث عن العولمة وبعد
ذلك بدأ الحديث عن الخطر الأخضر، أي الإسلام، عوض الخطر الأحمر. وفي منتصف
تسعينات القرن الماضي لم يكن عبثاً أن يتحدث صمويل هنتيغتون عن صدام الحضارات.
بمعنى أنه لمواجهة هذا الخطر الأخضر ينبغي أن نفرغ العالم العربي والإسلامي من
القيم التي تشكل، بالنسبة لأمريكا، جوهر هذا الخطر وهو تعاليم الإسلام.
على المستوى الاقتصادي، ما هي حدود وأبعاد تأثير المشروع على اقتصادات
المنطقة سلباً أو إيجاباً؟ وما مدى أحقية التطلعات التنموية ومحاربة عوامل
الفساد الاقتصادي الواردة في المشروع؟
• إن المسألة الأساسية التي تراهن عليها أمريكا من ضمن ما تراهن عليه على
المستوى الاقتصادي هي إعطاء الأولوية لما يسمى بالمبادرة الحرة، ونحن نعرف أن
المستفيد من السوق الحرة وتحرير التجارة الخارجية ورفع الرسوم الجمركية هو
المقاول الغربي والمقاول الأمريكي الذي يمتلك آليات متطورة، لذلك فتحرير
الاقتصاد وفتح السوق للرأسمال الغربي أحياناً يقدم لنا كأنه وسيلة من وسائل
الاستثمار، وحتى السياسات المتبعة على المستوى الداخلي تدعو إلى ضرورة إعطاء كل
التسهيلات للمستثمرين الأجانب. فما تطمح له أمريكا هو توفير الحد الأدنى للعيش
لسكان العالم العربي وليس النماء. حد أدنى يضمن استقرار السوق ليبقى مفتوحاً في
وجه استثماراتها ويخدم مصالحها. قلت الحد الأدنى فقط، لأن أمريكا والغرب عموماً
يتواطؤون على حرمان العالم العربي من أي أسباب ووسائل للتقدم التكنولوجي خاصة
بعد 11 أيلول/سبتمبر. فهناك مراقبة الآن في كل الجامعات العربية فيما يتعلق
بالتخصصات الدقيقة، فعن أي تطور أو إقلاع اقتصادي نتحدث وشروطه تعدمها أمريكا؟
بغض النظر عن الخلاصات المذكورة هل يمكن، إن طُبق المشروع، أن يجدي نفعاً مع
الواقع الانقسامي العربي ووجود كيانات عربية مترهلة وعلاقات جوار حادة ومتوترة
بين العديد من الدول العربية؟
• أمريكا لا تنظر بنفس المنظور الذي ننظر نحن من خلاله لعالمنا العربي
والإسلامي. وهذا نراه في الجغرافية التي حددتها أمريكا للمنطقة، فقد أدخلت
دولاً لا تنتمي جغرافياً للمنطقة العربية - باكستان وإيران وأفغانستان. فهي لا
تتعامل مع الدول العربية كمنظومة منتمية إلى جامعة الدول العربية، وإنما تتعامل
مع كتلة تعتبرها كتلة حضارية تنطلق من المغرب إلى باكستان ويجمعها قاسم مشترك
وهو الإسلام. أما جغرافياً فهي تتبع منهجية قُطرية بمعنى أنها تتعامل مع كل
دولة حسب الاحتياجات الآنية لأمريكا.
هذا عن المناخ العام للمشروع، لكن هناك معطى آخر كامن وهو (إسرائيل). ونحن
نعرف أن مصطلح الشرق الأوسط الذي أضافت له أمريكا صفة الكبير ووسعته جغرافياً
سبق لشمعون بيريز أن روّج لشرق أوسط جديد تكون فيه (إسرائيل) هي النواة من أجل
التذويب. كيف تنظرون لهذا التبادل في الأدوار؟
• دائماً كان هناك اجتهاد في استخدام مصطلحات لإخفاء بعض السياسات. لكن
الولايات المتحدة عندما تطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، فهي تهدف الآن إلى
تغيير البنيات الفكرية والثقافية لدى الشارع العربي والمسلم لتكريس قيم جديدة
تصبح متسامحة مع المسيحية ومع اليهودية، عوضاً عن الحديث على الاستعمار
والاستيطان. لكن (إسرائيل) والولايات المتحدة أدركتا حقيقة أساسية وهي أنه حتى
لو كان هناك تطبيع مع الأنظمة، مثلاً الحالة المصرية والأردنية والموريتانية..
حيث هناك التبادل الكامل، اعتراف كامل وتبادل للديبلوماسيين والسفارات موجودة،
إضافة إلى وجود مكاتب للاتصال بدول عربية أخرى، فقد أدركتا أنه ولو كان هناك
تطبيع مع الأنظمة سيظل غير مُجدٍ ما دام الشارع العربي غير متقبل، وبأن هناك
مقاومة شعبية جدية في مصر، في موريتانيا، في الأردن، لعملية التطبيع بجميع
أشكاله.
إذن فأمريكا تدرك بأنه حتى لو نظمت انتخابات نزيهة في مصر وفي الأردن سيفوز من
هم أكثر عداء لـ(إسرائيل) وللولايات المتحدة، لذلك فهي الآن تركز على تغيير
البنيات والقيم لأنهم في حاجة إلى خلق أجيال جديدة راغبة في التطبيع وتنظر إلى
(إسرائيل) ككيان لا يطرح نقاشاً. إذن فاستراتيجية الولايات المتحدة هي أن تدعو
الأجيال المقبلة أن تقوم بنوع من مسح الطاولة، مسح الذاكرة، سنبدأ من جديد
(إسرائيل) ليست دولة مغتصبة، ليست هناك حقوق، هناك (إسرائيل) ودول عربية وينبغي
أن نتعايش في إطار قيم جديدة تتحدث عن التسامح وعن الاعتراف بالآخر، إلخ...
طبعاً قيم التسامح موجودة في الإسلام لكن هناك فرقاً بين قيم التسامح وبين أن
نقبل بالاحتلال أو بالظلم.
إذا كانت هذه هي الحقيقة فما سرّ انتفاضة بعض الأنظمة العربية ضد المشروع؟
ألا يدركون أن العملية تتعلق فقط بترميم كي تصبح هذه الأنظمة في مستوى لائق
للحفاظ على نفسها أولاً ثم على مصالح أمريكا؟
• أنا قلت بأن الإيجابي في هذه المبادرة الأمريكية هو أنها أسقطت الأنظمة
العربية في نوع من التناقض مع الإدارة الأمريكية. سيقول قائل إن هذه الأنظمة
تخدم مصالح الأمريكيين، هذا صحيح، ولكن أمريكا دائماً تتوفر على بدائل داخل
الأنظمة العربية، وهي ليست في حاجة ملحّة إلى من يخدم مصالحها بقدر ما هي في
حاجة إلى من يخدم مصالحها بأقل ثمن. فالأنظمة القائمة في الدول العربية تخدم
مصالح أمريكا لكن هذه الخدمة تتطلب ثمناً غالياً لأن هذه الأنظمة عجزت عن تكييف
عقول المحكومين في اتجاه القبول بالواقع الإسرائيلي والقبول بالسياسات
الأمريكية.
إضافة إلى أن أمريكا تتوفر على وكلاء محليين الآن يحظون برعايتها، وهي
ستستخدمهم عند الحاجة. لذلك فكما تتوفر الأنظمة العربية على هامش من المناورة
واستخدام بعض الأوراق للضغط على الإدارة الأمريكية بتخويفها من الإسلاميين، فهي
أيضاً تتوفر على هامش من المناورة لأن هناك وكلاء محليين بإمكانهم أن يخدموا
مصالح الأمريكيين، أو هم يعتقدون أن بإمكانهم أن يخدموا المصالح الأمريكية بأقل
كلفة.