تدهور المصداقية الأمريكية
يوم الانتخابات هو الأهمّ في جولة بوش الأوروبية وقمّة الثمانية
بون/نبيل شبيب
كانت جولة الرئيس الأمريكي جورج بوش في بعض البلدان الأوروبية ثمّ استضافته
خلال حزيران/يونيو 2004 لقمّة الثمانية في ولاية جورجيا الأمريكية، حافلة بما
بذله من جهود أشبه بتخبّط الغريق في اللحظة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس
من مصداقية السياسة الأمريكية المتدهورة في عهده بصورة غير مسبوقة، وإنّما
لإنقاذ نفسه يوم الانتخابات الرئاسية من السقوط مع فريق عمله نتيجة ما اتبعه من
سياسات عدوانية على المستوى الدولي.
الصورة المشوّهة أوروبياً
قبل الجولة الأوروبية وأثناءها حاول بوش جاهداً أن يقارن بين الدور الأمريكي في
أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، والدور الأمريكي في عالم الصراع الدولي
الدائر منذ نهاية الحرب الباردة، لا سيّما في شكله الهجومي العسكري أمريكياً في
المنطقة العربية والإسلامية، ولكنّ الرفض الأوروبي لهذه المقارنة تجلّى بوضوح
في امتناع المضيفين الأوروبيين عن ذكرها في كلماتهم الرسمية، كما تجلّى شعبياً
في المظاهرات الضخمة التي رافقت الجولة.
توظيف قمّة الثمانية انتخابياً
عند متابعة الكلمات الرسمية أثناء الجولة الأوروبية والتصريحات الصحفية في
مواكبة قمّة الثمانية، بدا الرئيس الأمريكي جورج بوش يتكلّم منفرداً، لنشر وهم
مزدوج..
- يتمثّل وجهه الأوّل في محاولة إعطاء الانطباع للآخرين على المستوى الدولي
بحدوث تحوّل جذري على صعيد سياساته الدولية، بمعنى عدم الانفراد بمواقف أو
خطوات جديدة، وذلك لكسب تأييدهم لمواقف مشتركة..
- ويتمثّل وجهه الثاني في محاولة إعطاء الانطباع للناخبين الأمريكيين، بأنّ
الدول الحليفة والصديقة من القوى الدولية أصبحت تتحرّك مع واشنطن مجدّداً
اقتناعاً منها بأنّ السياسات الأمريكية قد أوصلت إلى أهدافها المعلنة، لا سيّما
من حيث إقرار ((التوجّه الديمقراطي)) عبر أسلوب القصف العسكري العدواني، في كلّ
من أفغانستان والعراق.
هذا بالذات ما نشر في أوروبا الاعتقاد بعدم جديّة المواقف الأمريكية المعلنة،
وبأنّ الجولة الأوروبية وقمّة الثمانية معاً كانتا جزءاً من مهرجانات اللعبة
الانتخابية الأمريكية فحسب، وهنا لا يخفى أنّ القسم الأعظم ممّا تمّ في قمّة
الثمانية كان منصبّاً على القضايا الساخنة في البلدان العربية والإسلامية،
وبالتخطيط من خارج حدودها لما يراد أن يكون عليه مستقبلها. ولا قيمة بهذا الصدد
لتركيز النظر في حصيلتها على زاوية المكاسب والخسائر بميزان شعبيّة الرئيس
الأمريكي الانتخابية، بل يجب تقويم الحصيلة من حيث ما يمكن أن يترتّب عليها من
مكاسب وخسائر بميزان مصالح البلدان العربية والإسلامية.. والمقصود هنا مصالح
البلدان بشعوبها وقضاياها المصيرية، وبحكوماتها أيضاً، وليس مصالح استقرار
الأنظمة أو عدم استقرارها، وهو ما غلب –على الأسف- على الحديث عن نتائج قمّة
الثمانية، وتعميم آراء تقول إنّ ضعف الموقف الأمريكي الدوليّ قد أضعف التهديدات
المباشرة الموجّهة إلى الأنظمة العربية بصدد أن تسير على طريق ((إصلاح
ديمقراطي))!..
لعبة ((خارطة الطريق))
في الساعات الأخيرة من قمّة الثمانية أعلن عن مطالبة المشاركين فيها بإعادة
الحياة إلى ما يُسمّى ((خارطة الطريق)) بعقد اجتماع جديد للجنة الرباعية
الدولية، ورافق ذلك الترحيب المشترك بخطّة شارون بعد أن أصبحت في الواقع اتفاقا
مصرياً – إسرائيلياً - فلسطينياً لحلّ عقدة ((الأمن الإسرائيلي)) بعد الرحيل
الانهزاميّ عن غزة. العنصر الأهمّ في موقف الثمانية هو الإحجام عن إعلان معارضة
واضحة للجزء الخاص بترسيخ احتلال الضفة في خطّة شارون، ولا يعوّض ذلك تكرار
التمسّك بقرارات دولية سابقة أو ما يسمّى ((خارطة الطريق)) بعد أن أعطى تراجع
بوش عن مضمونها ((الهزيل أصلاً)) دون تخلّيه عن عنوانها.. أعطى مثالاً على ما
تعنيه لعبة تعميم الكلام في المواقف السياسية.
إنّ الموقف الصادر عن الثمانية ليس قابلا لتحريك التعامل الدولي مع أحداث الأرض
الفلسطينية بصورة أقلّ انحيازاً للباطل الإسرائيلي، ولكنّه قابل بالصيغة التي
صدر فيها للتسويق من جانب الرئيس الأمريكي في معركته الانتخابية، بما يتوافق مع
رغبات ((اللوبي الصهيوني والتيار المسيحي – التوراتي)) جنباً إلى جنب مع
التأكيد للناقدين –وهم قلائل- أنّ واشنطن حصلت على تأييد القوى الدولية
لسياستها في قضيّة فلسطين.
لعبة ((السيادة)) العراقية والأفغانية
إنّ توقيت الحديث عن اللجنة الرباعية وخارطة الطريق بما يخدم مجرى معركة
الانتخابات الأمريكية، يتكرّر في توقيت ما يوصف بنقل السلطة إلى العراقيين.
وصحيح أنّ بوش لم يحصل خلال جولته الأوروبية أو في قمّة الثمانية على سائر
رغباته، لا سيّما فيما يتعلّق بتجنيد الأطلسي في وقت قريب، ولكنّ موقف القمّة
حوّل الأنظار الأمريكية جزئياً عن فضائح التعذيب التي تركت آثارها على
المصداقية الغربية عموماً وليس الأمريكية وحدها. وتزامن انعقاد القمّة مع قرار
مجلس الأمن الدولي الجديد بشأن العراق، ليوفّر بدوره ورقة انتخابية دعائية
محضة، فليس على أرض الأحداث الجارية في العراق أيّ مؤشّر جادّ على تطوّر
إيجابي، لا بمقياس تحريره من العدوان العسكري وتحرير سيادته السياسية من
الاحتلال، ولا بمقياس المنظور الأمريكي من حيث العجز عن مواجهة ازدياد ضربات
المقاومة كمّا وتطوّرها نوعياً.
رغم ذلك يمكن –كما هو معروف عن الساحة الإعلامية والمهرجانات الانتخابية
الأمريكية- تسويق نتائج القمّة وقرار مجلس الأمن الدولي، وكأنّهما يمثّلان وقوف
قوى دولية عارضت الحرب من قبل، إلى جانب واشنطن الآن، اقتناعاً بأنّ طريق
((إحلال الديمقراطية عبر القذائف الصاروخية وغيرها)) قد أثبت صحّته بدليل الشكل
المبتكر لنقل السلطة دون سيادة، ولتوريث حكم انتقالي لحكم انتقالي آخر دون
تبدّل ما في تركيبته!..
ويسري شبيه ذلك على التعامل مع قضيّة أفغانستان، لا سيّما من حيث توقيت
الانتخابات المقبلة فيها قبل شهر واحد من انتخابات الرئاسة الأمريكية، لتوفير
مظهر شكليّ ما لتعزيز الادّعاء بتعبيد ((طريق الديمقراطية)) في أفغانستان وجدوى
الوسيلة الحربية لهذا الغرض، وتأييد القوى الدولية بعد ظهور النتائج!!
لعبة ((الإصلاح)) المزعوم
النقطة الأهمّ في حصيلة قمّة الثمانية لصالح معركة بوش الانتخابية هي ما أعطي
عنوان مشروع إصلاح لما أسموه الشرق الأوسط الكبير أو الموسّع والشمال الإفريقي،
والمقصود كما هو معروف ((المنطقة الإسلامية)) برمّتها.
وسبق القمّةَ جدل واسع على المستوى الغربي حول هذا المشروع، وبدا أنّ غياب
الدول العربية والإسلامية الرئيسية عن تلبية الدعوة إلى لقاء ((شكليّات
دبلوماسية)) على هامش القمّة، سيعزّز موقف الدول التي أبدت معارضتها للمشروع
منذ ظهوره في صيغة ((الإملاء المباشر)) على حكومات المنطقة دون استثناء، إلاّ
أنّ حضور بعض الدول الأضعف من حيث التأثير السياسي الإقليمي، ساهم في تعزيز
انطباع آخر سبق أن تركته القمّة العربية الأخيرة في تونس، والذي اتخذ محورين
واضحين، (أحدهما) عدم وجود نيّة جادّة لإصلاح ذاتي والاكتفاء بالأسلوب الإنشائي
التقليدي وتشكيل اللجان التسويفي.. و(الثاني) عدم القدرة على الاتفاق الجماعي
على موقف مشترك تجاه المشروع الأجنبي الأمريكي.
من هنا يأتي تبنّي قمّة الثمانية للمشروع رغم استمرار الخلافات حول بعض
التفاصيل متوافقاً إلى حدّ كبير مع الرغبات الأمريكية ومع إمكانية توظيفه في
معركة الانتخابات الرئاسية أيضاً.
هنا لا يفيد التنويه بتأكيد القمّة أنّ الإصلاح ينبثق من الداخل، وأنّ الدول
الثمانية تريد تقديم ((الدعم)) فحسب.. فهذا ما يتناقض مباشرة مع حقيقة عدم وجود
((ما ينبثق من الداخل)) أصلاً ليتمّ دعمه من ((الخارج))، علاوة على أنّ الدول
المحليّة التي تجعل قطاعات ضخمة من بنيتها الهيكلية، العسكرية، والأمنية،
والسياسية، وحتى التعليمية والإعلامية، خاضعة عملياً ومنذ فترة زمنية طويلة،
لتوجيهات جيش ضخم من الخبراء والمستشارين ومن العاملين باسم ((شركات الأمن
الأمريكية الخاصة)).. هذه الدول لا تملك على أرض الواقع في ((الداخل)) ما يمكن
فصله بصورة واضحة عن ((الخارج))، إنّما أصبحت التعابير المستخدمة ما بين
((ينبثق)) و((يدعم)) وأمثالها، مجرّد كناية عن ((إجراءات)) ينفذّها أفراد
السلطة المحلية تلقائياً وفق الإرادة السياسية الأجنبية، فتجد الدعم من الخارج،
أو يتمّ ((تجاوز)) وجود هؤلاء الأفراد، ليجري تنفيذ الإجراءات المعنية ذاتها
وفق الإرادة السياسية الأجنبية أيضاً.
الواقع أنّ السؤال المطروح في القمّة لم يكن مطروحاً بصدد القبول أو عدم القبول
بهذه المعادلة العرجاء، إنّما هو عن ((كيفية الإخراج المناسب)) وعن نوعية
((الإرادة السياسية الأجنبية)) التي تعمل على فرض إملاءاتها، هل تكون أمريكية
خالصة، أم غربية بزعامة أمريكية.
إنّ اتخاذ موقف مشترك في قمّة الثمانية رغم استمرار الخلاف على بعض التفاصيل،
يعني تبنّي خطوات تنفيذية يمكن أن تسبّب المزيد من المخاطر على البلدان العربية
والإسلامية جميعاً، ليس على مستوى الأنظمة فقط، وفي مقدّمة هذه المخاطر:
1- ربط سائر المشاريع الصغيرة التفصيلية في مختلف الميادين السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتأهيلية والإعلامية وغيرها، ربطاً
وثيقاً بعملية التواصل المباشر، ما بين أجهزة التوجيه من القوى الدولية، لا
سيّما الولايات المتحدة الأمريكية، وبين الفعّاليات ((الداخلية)) القائمة على
تلك المشاريع، المستعدّة للتصرّف وفق هذا التوجيه، فإن حصل التلاقي بينها وبين
الحكومات أيضاً، استمرّت الأمور على أوضاعها الراهنة مع ازدياد ترسيخ الهيمنة
الأجنبية، وإن لم يحصل هذا التلاقي، تحوّلت الفعاليات ((الداخلية)) المعنية إلى
قوّة معارضة داخلية بدعم خارجي، أي لترسيخ الهيمنة الأجنبية أيضا ولكن بطريق
آخر!..
2- ((عدم فرض إصلاح من الخارج)) سيتحوّل على أرض الواقع إلى دعم حكومات بعينها،
وتيّارات داخلية بعينها، تتفاعل وتتعاون مع ((الأجنبي))، وتصنيف أخرى تمتنع أو
تمانع، فلا تتلقّى ((الدعم)) بل تتعرّض للضغوط الخارجية بمشاركة محليّة
وإقليمية، وهذا ما سيعزّز أسباب الخصومات والصدامات والصراعات في المنطقة وفي
كلّ بلد على حدة.
3- تركيز المشروع على ما أسماه تفرّد كلّ بلد على حدة بخصوصيته، يعني على أرض
الواقع دعم أسباب التمزّق القطري القائم حالياً، وزيادة العراقيل أمام أيّ
تحرّك جماعي، بإصلاح أو دون إصلاح، بصورة ترتكز على الخصوصية الوحيدة المشتركة
بين سائر دول المنطقة، وهو خصوصية الإسلام ديناً وحضارة، وتاريخاً مشتركاً
ومصيراً مستقبلياً مشتركاً.
4- إنّ متابعة تفاصيل ما وافقت عليه قمّة الثمانية من صياغة معدّلة للمشروع
الأمريكي تؤكّد:
أ- أنّ معايير أي عمل تحت عنوان ((الإصلاح)) في مختلف المجالات السياسية،
والاقتصادية، والمالية، والأمنية، والاجتماعية، والفكرية، والتعليمية،
والتأهيلية.. -وجميع ذلك جزء ممّا يقرّره المشروع نصاً ويفصّل فيه- هذه
المعايير لا يمكن أن تكون إلاّ وفق الجهة التي وضعت صياغته والجهات الدولية
التي تتبنّاه والجهات التي تبدي استعدادا عمليا للعمل بموجبه، أي أنّها معايير
تتوافق مع تصوّرات تلك الجهات معاً، وهي التي تمثّل معا المنظومة الغربية
وتيّارات التغريب..
ب- أمّا إن أعطي بعض تلك الأعمال عنوان ((خصوصية)) ما، قطرية مصطنعة، أو ((شرق
أوسطية)) مبتكرة، أو قوميّة إقليمية، أو حتّى إسلامية جامعة.. فلن يغيّر ذلك
شيئاً، ذلك أنّ المعايير المقرّرة تحت تلك العناوين، ستبقى محدودة بما يتوافق
من مضامينها الحقيقية أو المزيّفة، مع منظور المنظومة الغربية إليها وتعريفها
لها، كي يوجد ((الوطني العراقي)) بموازين المعتقلات الأمريكية، و((الفلسطيني
المسالم)) بشهادة الاغتيالات الإسرائيلية، والقومي العربي الواقعي بأدلّة
التبعيّ الغربية، والإسلامي الذي يفقد صلاحية حمل هذا العنوان ابتداء إلاّ من
باب التلفيق والتزييف والتزوير..
ت- ولا يمكن خارج هذا النطاق تثبيت معايير أي عمل ((إصلاحي)) وفق منظور ذاتي
لأصحاب العلاقة المعنيّين بتلك التقسيمات المتعددة، ابتداء من المستوى الجزئي
داخل القطر الواحد، وانتهاء بالمستوى الإسلامي الجامع، ويكفي التدليل على ذلك
بعنوان المشروع نفسه وهو بتجنّب كلمة ((العالم)) أو ((الوطن)) أو ((المنطقة))
الإسلامية، أو ((البلدان)) العربية والإسلامية، أو سوى ذلك من المسمّيات،
المتوافقة على الأقلّ مع المعطيات التاريخية والمصير الحضاري المشترك، والأسهل
قطعاً في الصياغة، بالمقارنة مع تلك الكلمات المبتكرة تبعاً لمنظور مدروس،
يمتدّ مداه ممّا قبل ((سايكس بيكو)) إلى ما بعد ((مشروع الإصلاح الأمريكي))، من
مثل تعبير ((الشرق الأوسط الموسّع.. أو الكبير.. والشمال الإفريقي)).
رغم ما سبق ليس جوهر المشكلة في موافقة قمّة الثمانية على المشروع الأمريكي أو
عدم موافقتها، بقدر ما هو في ((غياب)) أصحاب الشأن في هذا المشروع، وليس
المقصود هنا الغياب عن قمّة عربية أو إسلامية أو دولية، إنّما الغياب عن ساحة
صناعة الحدث واتخاذ القرار، منفردين ومجتمعين.
وبغضّ النظر عن توظيف هذا الشطر من حصيلة القمّة لأغراض معركة انتخابات الرئاسة
الأمريكية، من المهمّ التأكيد أنّ هذه القمّة تؤرّخ واقعياً لبداية ((متشنّجة))
لنقلة نوعية في المراحل المتعاقبة لمسيرة حملات التغريب منذ أكثر من قرن كامل،
وتفرض مواجهتها، بمتابعة طريق الصحوّة الذاتية عقيدة وفكراً، وميلاد الاعتماد
على الطاقات الذاتية كما في فلسطين والعراق، فهذا الطريق هو الذي أوصل إلى
إخفاق حملات سابقة، وانتشار روح الصمود والثقة بالتحرّر، هذا مع ضرورة العمل
المتواصل للارتفاع بمستوى الجهود المبذولة على هذا الطريق، إلى الحدّ الكافي
للاستجابة لمتطلبات المرحلة الجديدة على المستوى المحليّ والإقليمي والدولي.