لا للدور العربي الأمني في فلسطين
لا يمكن لأي فلسطيني إلا أن يبتهج ويسعد بانسحاب العدو الصهيوني من أي جزء من
أرض فلسطين المباركة، لأنه يشعر بأن ثمار جهاد وتضحيات الشعب الفلسطيني العظيم
بدأت تؤتي أُكلها، وبدأ هذا العدو الغاشم الذي يحتل أرضنا منذ أكثر من نصف قرن
يترنّح تحت وقع ضربات المقاومة الفلسطينية الباسلة التي أثخنته بالجراح، فأخذ
يبحث عن مخارج لحفظ ((ماء وجهه))، فكانت خطة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع
غزة، التي أراد منها شارون الفرار من موقع ((الانتصار))، لا من موقع الاندحار.
لذا تضمّنت خطته ((ألغاماً)) من شأنها أن تفسد على الفلسطينيين فرحتهم وبهجتهم
بانتصارهم المؤزّر، ومن هذه الألغام إسناد الدور الأمني في قطاع غزة والضفة
الغربية إلى أطراف عربية، بهدف التخلّص من العبء الأمني من ناحية، وتحويل
المواجهة الفلسطينية مع الاحتلال، إلى مواجهة فلسطينية – عربية من ناحية أخرى،
حيث يصبح لزاماً على الأطراف العربية أن تحافظ على استتباب الأمن، وهو ما يعني
في جوهره قمع الانتفاضة والمقاومة، وليس الأمن بمفهومه الجنائي، أي مطاردة
اللصوص والمجرمين وتجار المخدرات، وإنما مطاردة المقاومين والمجاهدين
والمناضلين.
تلك المهمة القذرة التي ناء شارون ومن قبله باراك ونتنياهو وبيريز ورابين
وشامير بحملها، هي التي ستسند إلى الأطراف العربية، وهو ما سيؤدي –لا قدّر
الله- إلى فتنة جديدة نحن في غنى عنها.
إن الشفافية والمسؤولية تقتضي أن يصارح الفلسطينيون إخوانهم العرب، فيحددوا
مواقف واضحة ليست ملتبسة، تعبّر عن رفضهم لأي دور أمني عربي، إدراكاً منهم
للأهداف الحقيقية لمشروع شارون، الذي وإن بدا في ظاهره الرحمة (وهو الانسحاب)،
فإنه يحمل في باطنه العذاب (الفتنة كأحد الأهداف).
إن رفض الدور الأمني العربي لا ينطلق من منطق إقليمي ضيّق، فالشعب الفلسطيني
يؤمن أنه جزء لا يتجزأ من هذه الأمّة العظيمة، ويرى فيها عمقه الاستراتيجي،
وسنده التاريخي، ولكنه يأبى أن يختزل دور أمّته في الجانب الأمني، الذي يحوّلها
إلى ((شرطي)) يقمع ويسجن. كما أن المنطق ((الأمني)) في التعاطي مع القضية
الفلسطينية، لا يمكن أن يشكّل مدخلاً مقبولاً للتعامل مع شعب يقاتل دفاعاً عن
أرضه، وشرف أمّته، ومقدّساتها، ومشروعها الحضاري، الأمر الذي يقلب المشهد بشكل
((دراماتيكي))، فيظهر وكأنّ المشكلة تكمن في الشعب الفلسطيني، وليس في الاحتلال
الغاشم لأرضنا.
إن ما صدر من تصريحات عن مسؤولين في السلطة الفلسطينية بالترحيب بالدور العربي
الأمني، لا يعبّر في حقيقته عن الرأي العام الفلسطيني، الذي ينظر بقلق إلى
الحديث المتزايد عن الدور الأمني العربي بعد الانسحاب من قطاع غزة. وتلك
التصريحات ((النشاز)) تأتي في سياق المجاملات والعلاقات العامة، وليست في سياق
الموقف الحقيقي لجموع شعبنا البطل.
لذا، فإننا نقول وبكل صراحة: لا للدور العربي الأمني في فلسطين.
((والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).
التحرير