عبد العليم دعنا أستاذ التنمية في ((جامعة
بوليتكنك فلسطين)):
السلطة الفلسطينية غير مؤهلة سياسياً وثقافياً لإحداث التنمية
الخدمات الحكومية تراجعت ودور الجمعيات الأهلية ساهم في منع وقوع كارثة
التنمية الاجتماعية والإنسانية وتطوير المجتمع الفلسطيني مسائل طال انتظارها من
قبل الفلسطينيين الرازحين لسنوات طويلة تحت الاحتلال. جاءت السلطة الفلسطينية
وظنّ الفلسطينيون أنها ستحدث التنمية في المرافق والخدمات والبنية التحتية
والصحة والتعليم والإنتاج. لكن ماذا كانت النتيجة وأي تطوير حصل في المجتمع
الفلسطيني؟ كيف تصرّفت السلطة الفلسطينية إدارياً وأين ذهبت أموال الجهات
المانحة؟
فشل السلطة في إحداث التنمية نعالجه من خلال الحوار مع الدكتور عبد العليم
دعنا، أستاذ التنمية في ((جامعة بوليتكنك فلسطين)).
باختصار.. ماذا حققت السلطة من مشاريع تنموية؟
• ما أنجزته السلطة خلال السنوات السابقة هو إنجاز متواضع جداً على كافة الصعد،
ولعل التراجع الوطني وقلّة الإنجازات هو أبرز ما يميز هذه السنوات، فقد حصلت
الدولة العبرية على معظم ما تبتغيه وتخطط له من اعتراف بوجودها، والتخلي عن روح
وجوهر الميثاق الوطني الفلسطيني والتخلص من عبء أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني
يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يشكلون بالنسبة لها مشكلة ديمغرافية قد
تؤثر على وجود المجتمع الإسرائيلي برمته في المستقبل.
كما سمحت الفترة المنصرمة للدولة العبرية بتجديد مستوطناتها وتوسيعها في الضفة
الغربية وقطاع غزة، وخلال تلك الفترة أيضاً استُغِلت المفاوضات من الجانب
الصهيوني بفرض الحقائق على الأرض والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي
الزراعية وتقطيع أوصال المناطق المحتلة، لكي لا توجِد تواصلاً جغرافياً من خلال
الطرق الالتفافية الكثيرة.
لقد ركزت الولايات المتحدة والدولة العبرية على أن تكون السلطة الفلسطينية جهاز
أمن لمستوطنيها ومستوطناتها لا أكثر من ذلك.. لكنها لم تتمكن من ذلك نتيجة وعي
القوى السياسية الوطنية والإسلامية الفلسطينية، فعملت قوات الاحتلال على التخلص
من بعض رموز السلطة ومحاصرتهم لاستبدالهم برموز آخرين ليؤدوا دوراً مناطاً
بهم... باختصار قدوم السلطة قبل عشرة أعوام كان كارثة على الصعيد الوطني...
ولعل انتفاضة الأقصى كانت رداً شعبياً وثورياً على الإخفاقات الوطنية
والاجتماعية للسلطة الفلسطينية التي لم تنجز ما وعدت به سياسياً واجتماعياً،
وكانت الانتفاضة هي البديل لهذه الإخفاقات.
لماذا لم يشعر المواطن الفلسطيني طول الفترة الماضية بالانتماء لهذه السلطة
رغم عمل الكثيرة تحت رواقها؟
• منذ قدوم السلطة الفلسطينية، أحس المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال بحالة من
الاغتراب الحقيقي، فقد ارتكزت هذه السلطة على فئات وشرائح اجتماعية فاسدة في
المجتمع الفلسطيني، اتهم أفراد فيها بالسرقة والاختلاس والفساد الإداري
والمحسوبية، وبعضها اتهم بالهروب من ساحة المعركة في لبنان أثناء حصار
الفلسطينيين فيها.
كما ارتكزت هذه السلطة على شرائح اجتماعية فلسطينية لها صلة بالإحتلال ومطعونة
بوطنيتها، وقد وصل أفراد من هذه الشريحة إلى مناصب سياسية وإدارية عليا في
السلطة وأجهزتها، في حين تم استثناء جزء كبير من المناضلين الفلسطينيين
الحقيقيين في إدارة شؤون السلطة السياسية والإدارية، إضافة إلى أن هذا لدى
المواطن الفلسطيني؛ وهو مواطن مسيّس من رأسه حتى أخمص قدميه، شعوره بالفارق
الكبير النوعي والكمي بين الشعارات والأهداف التي طرحت عليه وبين ما حصلت عليه
السلطة من إنجازات مفرغة من محتواها (علم وسجادة حمراء ونشيد وطني... الخ)، شعر
المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي بالفارق بين التضحيات الجسام التي
قدمها شعبنا وبين هذا المنجز القزم (السلطة الفلسطينية)، وبالتالي فلا غرابة أن
لا يشعر الفلسطيني بالانتماء لهذه السلطة.
كيف تقيّم جهود السلطة الفلسطينية التنموية؟
• نتائج التنمية وجهود السلطة فيها كانت كارثية في جميع المجالات والقطاعات،
فعلى الصعيد الاقتصادي؛ وهو العمود الفقري للتنمية، تحطمت صناعات (النسيج،
الملابس الجاهزة، الصناعات الجلدية، الصناعات البلاستيكية وغيرها الكثير)
لانعدام وجود خطة واضحة وسليمة أو قرار سياسي صارم لحماية المنتجات الفلسطينية
المحلية والسماح للاستيراد المنفلت من عقاله لشرائح الكمبرادور التجاري... وعلى
صعيد التنمية في المجال التعليمي والنواحي التعليمية المختلفة لم تخصص السلطة
الفلسطينية أية مبالغ من الميزانية لبناء المدارس أو تصليحها وتأهليها
وتطويرها، وتكدست الصفوف الدراسية بالطلبة، ولولا الجهود الشعبية الحثيثة
والتطوع لدى المواطنين ببناء وإصلاح وتطوير المدارس لحصلت كارثة حقيقية للعملية
التعليمية في مختلف أنحاء الضفة الغربية. وإضافة إلى ما سبق فقد تردت أوضاع
المعلمين المعيشية مما أثّر سلباً على العملية التعليمية برمتها.
وفي المجال الصحي بقيت المستشفيات والأسرّة على حالها كما هي في عهد الاحتلال
الصهيوني المباشر، ولم تشهد أي تحسن ولم تتقدم الخدمات الصحية الحكومية خطوة
للأمام، ولولا وجود المؤسسات الصحية الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني لحصلت
كارثة في المجال الطبي.
أما في مجال مؤسسات المجتمع المدني فقد أثّر وجود السلطة الفلسطينية سلباً
عليها، فقد توقف معظم هذه المؤسسات عن إجراء الانتخابات التي تعودت عليها وبقيت
الهيئات الإدارية على حالها كما هي، وأصبح وجودها غير شرعي وبالتالي أصبحت
الهيئات الإدارية عقبة أمام المؤسسات لتقديم خدماتها المحددة.
ولماذا لم تشهد الأراضي الفلسطينية
التنمية الاقتصادية التي وعدت بها السلطة، وهل يعود السبب للمواطن الفلسطيني
نفسه أم لخلل في هذه السلطة؟
• أعتقد أن جزءاً أساسياً من الإجابة على هذا السؤال ورد في السؤال السابق،
وأضيف على ذلك الفساد الإداري في أجهزة السلطة المختلفة والمحسوبية واتفاقية
باريس ساهمت كلها في غياب التنمية الاقتصادية، كما أن ما يسمى بالدول المانحة
الأوروبية وغيرها لم تخصص جزءاً من أموالها للمساعدة في التنمية الاقتصادية في
الأراضي الفلسطينية، بل حولتها إلى مؤسسات خدماتية تعنى بقضايا غريبة عن الشعب
الفلسطيني وبعيدة عن خلق جوٍ تنموي، وبعض القائمين على هذه المؤسسات أُثري
وأصبح جزءاً من جوقة المنتفعين ولم تتم المحاسبة والملاحقة والمراقبة والإشراف.
فولدت شريحة المنتفعين النهابين على حساب الشعب الفلسطيني المكافح والمحروم من
أبسط حقوقه.
توقع الفلسطينيون تنمية اجتماعية وإدارية في مختلف النواحي لماذا لم يتحقق
ذلك بل حدث العكس؟
• تتطلب التنمية الاجتماعية والإدارية مناخاً سياسياً وإدارياً واجتماعياً
وقضائياً مناسباً ونزيهاً وهو ما لم توفره السلطة منذ قدومها، فكيف يمكن أن تتم
تنمية وأكثر من 60% من مستخدمي السلطة يحملون شهادة التوجيهي فما دون؟ وعدد
وكلاء الوزارات والوكلاء المساعدون والمدراء العاملون هم من ضمن هذه الـ(60%)
التي لا تحمل مؤهلاً علمياً أعلى من التوجيهي؟ في حين أن لدى الشعب الفلسطيني
أعلى نسبة من حملة الشهادات العليا في العالم العربي، وحتى أن هذه النسبة تتفوق
على نظيراتها في بعض الدول المتقدمة.
كيف يمكن تحقيق تنمية اجتماعية وإدارية في حين تبقى وظائف إدارية مهمة جداً
كوظيفة الوكيل والوكيل المساعد أو المدير العام وظائف لمدى الحياة لا يتركها
صاحبها إلا إذا توفاه ربه؟!. وكيف يمكن تحقيق تنمية اجتماعية وإدارية والمجالس
المحلية في القرى والمدن الفلسطينية هي مجالس معينة مضى على تعيينها عشر سنوات
ولم يتم استبدالها؟ وعلى أي بقعة في الأرض يصل عمر الإنسان 46 عاماً ولم يشارك
في انتخاب مجالس محلية؟!.
في ظل هذا الواقع هل ترى أن السلطة مؤهلة لتحقيق التنمية المنشودة وأن تحدث
تغييراً في الوضع الراهن؟
• أعتقد أنه بالأساس لم يتم إقامة سلطة لتحقيق التنمية للشعب الفلسطيني، بل
جاءت لتأدية دور سياسي محدد. وإذا ما قامت السلطة وسمح لها بتأدية نشاط يستهدف
التنمية الشاملة فإن الدولة الفلسطينية ذات السيادة تصبح مسألة وقت ليس إلا.
باختصار وعلى ضوء الأساس السياسي والوظيفة السياسية التي أقيمت لأجله السلطة
فإن السلطة غير مؤهلة لتحقيق التنمية للشعب الفلسطيني ولن تستطيع القيام بذلك.
طال الحديث وكثر عن الفساد في السلطة الفلسطينية وأجهزتها، ما هي جوانب
الفساد برأيكم وكيف أثّر على السكان الفلسطينيين؟
• برأيي أن الفساد في السلطة شامل ويطال جميع جوانب الحياة، والفساد ذاته ناجم
من خلل جوهري تأتّى من الانحراف السياسي عن الخط الوطني والثوابت الفلسطينية.
والانحراف السياسي يحتاج إلى رموز وشخصيات يمثلونه، ومن يفرط في القضية الوطنية
يسهل عليه الانحراف الإداري والاجتماعي وغيره من الانحراف والفساد.
فمن تفاوض وتنازل وفرط هو الذي يمتلك الآن ويساهم بملكية الشركات الفخمة
والعقارات الكبيرة التي تدرّ أرباحاً ضخمة، ومن تنازل هو الذي حطم الاقتصاد
الوطني، ومن تنازل هو المسؤول عن الفساد الإداري وعدم تعيين الشخص المناسب في
المكان المناسب، ومن تنازل هو الذي أحل العشائرية والقبلية محل القانون وسيادة
القانون.