فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Jul2004
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
أخبار وتقارير4
تحقيق
رأي - ياسر الزعاترة
شؤون العدو
شؤون فلسطينية
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الملف1
الملف2
الملف3
الملف4
الملف5
شؤون دولية1
شؤون دولية2
حــــــوار
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
خربشات حرة
لوحات فنية

 

الغلاف3

 

العودة إلى غزة.. أين المصلحة المصرية؟!!

القاهرة/محمد جمعة
تصاعد الحديث من جديد حول قضية الدور الإقليمي لمصر بعد إعلان مصر مبادرتها التدخل في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منها، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات تعلق بعضها بتوقيت تلك المبادرة، وبعضها الآخر بالمضمون، فضلاً عن الأهداف المعلنة والكامنة، والموقف الفلسطيني والإسرائيلي الآني والمستقبلي، وأيضاً تداعيات ذلك على مكانة مصر ودورها الإقليمي المفترض.
ولعل أول ما يسترعي الانتباه في سياق الحديث عن المبادرة الجديدة، ومن ثم الدور الإقليمي لمصر، أنه في زمن ما يُسمى بـ((الحل الأحادي الجانب)) الذي تستبعد فيه كل الأطراف الفاعلة بما فيهم أصحاب الشأن أنفسهم، تتضاعف الحاجة لدور مصري، وهذه مفارقة المفارقات!!
فمصر كانت تواجه دائماً بحذر إسرائيلي متمادٍ من دورها وجهدها على مسارات التفاوض، بدعوى أنها تتخذ مواقف عدائية من (إسرائيل)، وتحرض الأطراف العربية والدولية عليها، ومنذ أن اعتلى شارون سدة الحكم في (إسرائيل) وهو يسعى دائماً إلى عدم إشراك مصر في أي دور سياسي، ونجح إلى حد كبير في توظيف الحملة الأمريكية على ((الإرهاب)) بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر لتحقيق أهدافه الاستراتيجية وأهمها: تهميش الدور المصري وتجاوزه، ويبدو أنه وجد تشجيعاً أمريكياً بهذا الشأن، ولذلك رفض الحضور إلى قمة شرم الشيخ، وفضل الذهاب إلى قمة العقبة في الأردن.
ومع ذلك حاولت مصر في أكثر من مرة وبأكثر من طريقة أن تجد لها قدماً في ساحة المسار السياسي، واستضافت الفصائل الفلسطينية في القاهرة لإجراء حوارات حول ترتيب البيت الفلسطيني، وتعددت زيارات المسؤولين الأمنيين المصريين إلى غزة، ونجحت في بعض الأحيان في الحصول على ((هدنة)) من فصائل المقاومة، ولكن رغم ذلك ظل الدور المصري محدوداً ومؤقتاً، ولم يفتح الباب أمام مشاركة مصرية جوهرية في المسار السياسي، والشاهد على ذلك اتهامات الجانب الإسرائيلي لمصر لأكثر من مرة، وعلى لسان أكثر من مسؤول أمني إسرائيلي بأنها -أي مصر- تلعب بورقة قطاع غزة، وتغض الطرف عن تهريب السلاح حتى تضطر تل أبيب إلى التفاوض معها.
ولم تكن خطة شارون الأخيرة بالانفصال الأحادي الجانب إلا استمراراً وترجمة واضحة لهذا التوجه، فشارون ومنذ البداية تجاوز مصر في صفقة غزة، مثلما أدار ظهره للسلطة الفلسطينية، ولما بدا له صعوبة تمرير خطته دون الشراكة مع الطرف الفلسطيني لاعتبارات عملية بحتة، أبدى استعداده للحديث مع مصر؛ لأنه من ناحية يعلم أن ((مربّط)) عرفات موجود بالقاهرة، وعندما تقتنع الأخيرة بضرورة التدخل فلن يكون بإمكان عرفات الممانعة، لاسيما وأنه ((لا يعرف النوم في زمن القطيعة مع مصر)) على حد تعبير أحد مساعديه.
ومن ناحية أخرى، فقد أراد شارون باستدعائه للدور المصري، وهو الذي كان دوماً ينظر إليه نظرة عدائية واضحة، أن يحقق عدة أهداف سبق له أن قطع فيها شوطاً طويلاً، وأهمها: استبعاد السلطة الفلسطينية من تقرير الوضع السياسي الفلسطيني أو تهميشه بحيث يصبح دوره هامشياً يأتي في سياق التطبيق والتنفيذ، وليس التخطيط والمشاركة، بما يدعم فكرته التي لطالما سوّقها دولياً بشكل عام وأمريكياً بصفة خاصة وهي عدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معه، وأن يتم هذا الأمر بأيد مصرية فهذا يترك مساحة ممكنة لحدوث صدامات مصرية - فلسطينية، والشاهد على نواياه الخبيثة تلك أنه ردّ اقتراحاً أمريكياً بنشر القوة المتعددة الجنسيات المنتشرة في سيناء ومراقبة اتفاق ((السلام)) بين (إسرائيل) ومصر في محور ((فيلادلفيا)).

خصوصية مصرية
كما أراد شارون أيضاً بمشاركة مصر أن يضمن عدم وجود خروقات أو مخالفات أمنية لعلمه التام بأن لمصر مصلحة أكيدة في هدوء الوضع داخل غزة، وأن لدى أجهزتها الأمنية تقديرات بضرورة منع حماس وقوى المقاومة الأخرى من السيطرة عليها حتى لا تتحول غزة إلى نقطة خطيرة تجرّ المشاكل على مصر في وقت لا تبدو فيه مستعدة لاحتمال تصعيد من أي نوع مع الجانب الإسرائيلي، ما يعنى أن الدور المصري المطروح يعبر عن رؤية تنطلق من خصوصية التجربة المصرية في علاقاتها غير الطبيعية مع الإسلاميين، واستنساخًا لتلك التجربة تسعى لاستبعاد الحركة الإسلامية في فلسطين من المشاركة في القرار وإدارة القطاع، تحت شعار عدم السماح بوقوع القطاع تحت سيطرة قوى غير مسؤولة، في حين أن هذه الحركات أظهرت في كل المحطات أنها الأكثر تحملاً للمسؤولية بما يجعل استبعادها أو محاولة احتوائها تحدياً للشعب الفلسطيني.
وبناء على ما سبق يمكن القول بأن الدور المصري في خطة الانسحاب جاء بعد غياب طويل عن المسار السياسي، وربما جاء في وقت متأخر، إذ إن مصر ((دخلت على الخط)) بعد أن أنهى شارون تصوره للحل أحادي الجانب، ولم تشترك في صيغة هذا التصور عدا بعض البنود البسيطة التي لا تتعلق بجوهر الانسحاب من غزة، والأهم من هذا أن العرض المصري بالتدخل لصالح الخطة قد شكل منعطفاً أساسياً بالنسبة إليها، ففي حين كانت الخطة مؤشراً واضحاً على الهزيمة الشارونية أمام قوى المقاومة، وانسحاباً من جانب واحد، وبالتالي وصفة نهاية لشارون حين ينسحب وتبقى المقاومة مستمرة، جاء التدخل المصري ليمنحها دفعة كبيرة بوصفها خطة سياسية تخلص الإسرائيليين من مستنقع القطاع، وتمنح أفقاً بوقف الانتفاضة، ومن ثم دفعة أكبر لعملية سلمية جديدة تتم وفق المنطق الذي يتبناه شارون أو قريباً منه في أقل تقدير.
وفى الوقت نفسه تدعم التوجه الأمريكي القاضي بإيجاد مسار سياسي فلسطيني يخفف من الانتقادات الموجهة لإدارة الرئيس جورج بوش (التي تستعد لخوض انتخابات الرئاسة) بشأن القضية الفلسطينية.
والأخطر من ذلك أن تجاهل القاهرة لرفض (إسرائيل) للاستحقاقات السياسية التي احتوتها المبادرة المصرية كالتشديد على وجوب أن يكون تطبيق ((فك الارتباط)) مدخلاً لتطبيق خطة ((خارطة الطريق))، في الوقت الذي تركز فيه على وجوب أن تفي السلطة الفلسطينية بالاستحقاقات الأمنية، لا يعني أكثر من أن التحرك المصري يعيد الواقع الفلسطيني إلى المسار الأمني، وهو نفس مدخل البرنامج الشاروني... فالمشكلة بحسب هذا البرنامج هي المقاومة و((العنف الفلسطيني)) وليس الاحتلال ذاته، ومن ثم لا بد من تأهيل الأجهزة الأمنية لتكون قادرة على قمع المقاومة!!

شكوك
وكل هذا يبعث الشكوك في نفوس الكثير من الفلسطينيين إزاء الدور المصري، خاصة في ظل القراءة الإسرائيلية الرسمية لدوافع التحرك المصري، حيث أفصحت الصحافة الإسرائيلية عن طبيعة الصفقة المطروحة (ضمنياً أو واقعياً) ممثلة في مساعدة شارون مصر في التخفيف من ضغوط الإصلاح الأمريكية مقابل المساعدة في قطاع غزة.
وإذا قيل: إن مقاصد التحرك المصري حقيقية، ولكن حصارها في الشق الأمني وحده مجرد أمنية إسرائيلية، فإن ذلك القول ينبغي أن يستقبل بحذر بالغ؛ لأن العبرة ليست بالنيات، وإنما بتوازنات القوى وطبيعة الحقائق الماثلة على الأرض، والشاهد أن الحكومة الإسرائيلية بدأت منذ أيام قليلة خطواتها العملية لتنفيذ خطة حفر خندق مائي على امتداد حدود قطاع غزة مع مصر، ودعت شركات المقاولات لتقديم عطاءات للمشروع الذي تدّعي أنه يرمي إلى منع وصول أسلحة عبر أنفاق إلى رجال المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي يثير الشكوك في نوايا شارون المعلنة... إذ إن من يريد الانسحاب لا يحفر قنوات مائية تكلف ملايين الدولارات، وإذا افترضنا أنه سيطبق خطته بشأن الانسحاب من القطاع ويكمل هذا الانسحاب بعد عام من الآن، فإن شقّ القناة يعتبر أمراً غير ضروري، علاوة على أنه غير مبرر، ناهيك عن كونه انتهاكاً واضحاً لاتفاقية ((كامب ديفيد)) التي تمنع إجراء أي تغييرات على حدود البلدين دون موافقة الطرف الآخر.
وفي السياق نفسه، فمن غير المفهوم أو المبرر أن تتعاطى الحكومة المصرية مع خطة فك الارتباط، كما لو أنها أصبحت أمراً واقعاً، على الرغم من أن تأجيل تنفيذ تفكيك المستوطنات إلى آذار/مارس المقبل، فضلاً عن إخضاع تطبيق الخطة المتدرج للتصويت مجدداً في الحكومة الإسرائيلية، كلها مؤشرات ترسم الكثير من الأسئلة إزاء قدرة شارون على المضي بخطته حتى النهاية، وهذا ما قد يؤثر على مصداقية مصر إذا لم تنفذ الخطة.
الخلاصة إذن أن المبادرة المصرية مسكونة في مجملها بدرجة عالية من المغامرة لا يمكن إنكارها، فضلاً عن أن التعاطي مع الملف الفلسطيني في هذه الآونة من مدخل أمني، كما يرغب شارون، لا يساعد كثيراً في وضع حد لوضعية تداعي الدور الإقليمي لمصر وتضعضعه، ناهيك عن أنه لا يعد مدخلاً مناسباً لاستنهاضه من جديد، ولا حتى الحفاظ على مصداقيته، نقول هذا ونحن نعلم أن هناك حسابات معقدة كثيرة تضبط الموقف المصري وتحكمه في ظل ظروف إقليمية ودولية قاسية، لكن تجاوز شارون لخطوط مصرية حمراء كثيرة (ومثال ذلك حملته الأخيرة على رفح) تستدعي حتماً إعادة شاملة للحسابات والتقديرات، وحتى إذا كان شارون يملك بالفعل ضوءاً أخضر من واشنطن للعربدة العسكرية، فإن أوضاع المنطقة رغم ترديها ما زالت تفرض حدوداً لاستخدام القوة لا يمكن لأحد أن يتجاوزها دون أن تتكبد الولايات المتحدة نفسها خسائر لا تطيقها، ما يمنح القيادة المصرية هامشاً ممكناً للتحرك دبلوماسياً لتخفيف الضغوط عن مصداقيتها، وتخفيف الاحتقان داخلياً وإقليمياً، والأهم للدفاع عن الأمن القومي المصري.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003