د.غــازي حمــد
تبدو الفصائل الفلسطينية اليوم أشدّ حذراً وخوفاً من أي وقت مضى!! فالترتيبات
السريعة التي تجري بهدف البدء في إخلاء قطاع غزة والحديث عن دور مصري ((فاعل))
في المرحلة القادمة ألقى بعشرات من علامات الاستفهام حول طبيعة ما يخطط له.
التصريحات التي صدرت عن كافة الفصائل الفلسطينية باحت بشيء مما باتت تخاف وتحذر
منه, خصوصاً الدور المصري, فحماس قالت بوضوح ((إن شعبنا هو الذي يقرر في
النهاية كافة الأمور التي تتعلق بمصيره)), فيما كانت تصريحات الجهاد والشعبية
تصب في أن دور مصر ((يجب أن يكون داعماً للموقف الفلسطيني وليس حامياً لخطة
شارون)). والواضح أن الموقف المصري هو الذي بلبل مواقف الفصائل وجعلها تتساءل
حول السبب الذي دفع المصريين هذه المرة للدخول على خط الخطة الشارونية بقوة
ومحاولة إقناع السلطة الفلسطينية بقبولها، ثم التفاتها إلى الفصائل كي توفر
لخطة الانسحاب مظلة تتمثل في منح هدنة غير مشروطة.
إن الخوف النابع لدى الفصائل - خصوصاً حركة حماس - من الدور المصري يتمثل في أن
مصر لم تلعب أي دور في صياغة الخطة الإسرائيلية أو تنقيحها أو تعديلها، وإنما
جاءت ((في الوقت الضائع)) كي تكون شاهدة على التنفيذ فقط, وإن الطرف الإسرائيلي
نجح في إلغاء أي دور للسلطة الفلسطينية عبر فتح خطوط مع الحكومة المصرية، والتي
تجاوبت إلى حد كبير مع أغلب الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بالانسحاب من قطاع
غزة. مسؤول في إحدى الفصائل الاسلامية الفلسطينية عبر عن خشيته بقوله ((لماذا
لم يلق المصريون ثقلهم حين كانت المذابح تجري على بعد أمتار من حدودهم في رفح؟
ولماذا لم يتدخلوا حين باشرت إسرائيل هدم آلاف المنازل الفلسطينية على طول
الشريط الحدودي؟)). مصر شعرت بعد حرب الخليج أنها لم تعد الدولة الحليفة رقم
واحد مع واشنطن، وإنما دخلت دول عربية أخرى باتت أكثر حظوة وقرباً من البيت
الأبيض. وعلى ما يبدو فإن الدور المصري -إقليمياً- بات أضعف بكثير، لدرجة أن
مصر فقدت تأثيرها على المسار السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ خصوصاً
بعد اندلاع الانتفاضة.
مصر ربما لم يتبق لها إلا ((ورقة قطاع غزة)), وهي ورقة يمكن أن تفتح لها الباب
للعب دور سياسي في المنطقة، لذلك فإن كثيراً من القادة الأمنيين والسياسيين في
تل أبيب يعتقدون أن مصر تغضّ الطرف عن تهريب الأسلحة من سيناء إلى قطاع غزة كي
تضطر (إسرائيل) للتفاوض معها؛ وقد كان. حيث بدأت الحكومة الإسرائيلية تتصل
بالحكومة المصرية بهدف ترتيب الانسحاب من القطاع. الحكومة الإسرائيلية كانت
تعتقد أن أكبر عقبة تواجهها في موضوع الانسحاب هو تهريب السلاح، لذلك نجحت في
إدخال مصر والحصول على ضمانات منها بعدم تهريب السلاح إلى القطاع, كما ذكرت بعض
المصادر الصحفية الإسرائيلية. من هنا ينبع خوف الفصائل الفلسطينية من أن يكون
الدور المصري يقوم بالأساس على موضوع الأمن.
حماس من جهتها تتخوف من هذا الدور، خصوصاً ما تعرفه عن ((عقدة)) الحكومة
المصرية من التيار الإسلامي. بعض قادة حماس يرون أنه إذا كانت مصر لم تمنح
الشرعية لوجود الإخوان المسلمين في مصر لأكثر من نصف قرن، فكيف يمكن أن تتقبل
دور حماس التي تعتبر جزءاً من حركة الإخوان. صحيح أن مصر فتحت حوارات مع حركة
حماس؛ خصوصاً مع قادتها في الخارج، كما استقبل قادة حماس في قطاع غزة العديد من
قادة الأمن المصريين، لكن هذا لا يعني أن العلاقة على ما يرام وأن مصر تريد
لحماس أن تكون جزءاً من التركيبة السياسية لقطاع غزة في المرحلة القادمة, ذلك
أن وجود حماس القوي وقوة تأثيرها على المجريات في الوضع الفلسطيني دفع الجميع
لفتح حوار معها, لكن دخلت على الخط بعض العوامل التي خلقت نوعاً من التراجع في
العلاقة المصرية الحمساوية. فواشنطن من جهتها أعلنت أنها لا تريد دوراً لحماس
في القطاع بعد الانسحاب، وعلى ما يبدو فإن تل أبيب أقنعت القاهرة بضرورة
استبعاد حماس. وقد نشرت الصحف الإسرائيلية أن مدير المخابرات المصرية عمر
سليمان أبلغ عرفات بأن عليه أن يعمل على دعم حركة فتح وتقويتها لاستلام الوضع
في القطاع، وأن لا يفتح باباً للتعاون مع حركة حماس. وتبدو على حماس والفصائل
الفلسطينية الأخرى الحيرة من كيفية التعامل مع هذا الواقع المعقد:
فـ(إسرائيل) عازمة على الانسحاب باشتراطات أمنية من الطرفين الفلسطيني والمصري,
والفصائل لم يتم إشراكها في أي من المشاورات. الخوف يتملك الجميع بأن الصبغة
الأمنية -وليست السياسية- هي التي ستتحكم في طبيعة إدارة القطاع بعد الانسحاب،
وخصوصاً بعد أن قدم الطرفان الفلسطيني والمصري خططهما الأمنية ونالت قبولاً
إسرائيلياً.
كيف ستتصرف حماس على ضوء هذه المعطيات؟ وإن لم يبدُ من حماس موقف محدد؛ اللهم
إلا التحذير من ((طبيعة ما يجري وأن الوقت غير مناسب للمبادرات)), فإن حماس
ستحاول أن تثبت للأطراف الفلسطينية والمصرية والإسرائيلية أنه لا يمكن تجاوزها
واستبعادها.
لكن يبقى السؤال: كيف؟
لمتابعة موضوع الغلاف اضغط هنا