قراءة في التجمّعات وآرائها وأبرز زعمائها
اليسار الصهيوني: تآكل تدريجي وتوجه نحو اليمين
القدس/مها عبد الهادي
رغم إشارة البعض بأن تظاهرة الـ150 ألف إسرائيلي التي نظمت في ساحة إسحق رابين
في تل أبيب من قبل اليسار في الكيان الصهيوني في الرابع عشر من أيار/مايو
الماضي ليلة ذكرى النكبة بأنها ((صحوة لليسار)) وقولهم بأنها ساهمت في رفع صوت
اليسار الخافت عبر سنوات من التماشي مع سياسات أرييل شارون العدوانية واليمينية
المتطرفة، إلا أن القراءة العميقة لتظاهرة اليسار كانت تقول بأنه كان يشيّع
ذاته.
صحيح أن الرسالة التي خرجت من المجتمع الصهيوني الذي أغرقته عمليات المقاومة
الأخيرة في نقاش متخبّط، هي أنه يريد الخروج من غزة فوراً كما حصل في لبنان
بواسطة منظمة ((أربعة أمهات))، التي قادت حركة جماهيرية شجاعة دفعت إيهود باراك
والحكومة الإسرائيلية آنذاك إلى الانسحاب من لبنان من طرف واحد، كانت تعني
ظاهرياً وجود تغيير، لكن الشعارات التي طرحت خلال التظاهرة كانت شعارات مرتبكة
سياسياً وتدفع باليسار نحو اليمين، خصوصاً وأنهم يعلمون بأن شارون لا يخرج من
غزة لكي يفاوض، بل لأنه لا يريد أن يفاوض، لأنه يتجنب التفاوض.
فشعار ((الانفصال من غزة)) كان ما أراد أن يسمعه أرييل شارون وإيهود أولمرت،
وكانت نقطة الالتقاء بين هذا النوع من اليسار الضعيف والمتردد وبين سياسات
أرييل شارون وأهدافه.
فقادة اليسار الإسرائيلي الذين رددوا مقولات شارون يدركون بأنه يريد أن ينفصل
عن الإنسان الفلسطيني دون الانفصال عن أرضه، ويريد أن ينفصل عن غزة دون أن
ينفصل عن احتلالها.
ما تقوله تظاهرة اليسار
1- إن هدف التظاهرة الشكلي كان القول للجمهور الصهيوني أن الليكود يجافي رغبة
الغالبية الإسرائيلية الصامتة بالانسحاب من غزة وتوفير الدم الإسرائيلي، مع أن
الأجندة التي حملها هذا اليسار في التظاهرة كانت عملياً تبنّي موقف شارون
(وإيهود باراك من قبله) بأنه ((لا يوجد شريك فلسطيني)).
فاليسار الإسرائيلي بات يتبنّى أخطر المقولات الشارونية والمفترقات الرئيسية في
سياساته، وعلى رأسها غياب الشريك الفلسطيني وتحديداً رفض التفاوض مع القيادة
الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات، وإلغاء الشريك يعني أصلاً إلغاء للهوية
والشخصية الفلسطينية المستقلة.
وكان باراك قد أعلن قبل شارون عدم وجود شريك فلسطيني، لأن الشريك الوحيد الممكن
للتسوية رفض إملاءاته، وبعد أن قام بيريز كوزير خارجية شارون في حكومة وحدة
وطنية ببناء العلاقات العامة لهذه الحكومة.
2- يرى الكثير من المحللين بأن اليسار الصهيوني الذي تجلّى في التظاهرة هو ذاته
الذي بنى مستوطنات قطاع غزة بمبادرة الوزير يسرائيل جاليلي في حكومة رابين
الأولى 1974-1977، وهو نفسه الذي باشر بسياسة الهدم في كل مكان، من هدم المجتمع
الفلسطيني المؤلف من 418 قرية ومدينة عربية في النكبة ذاتها الى ما تمكن من
هدمه في منطقة القدس بعد العام 1967، إلى اتباع سياسة الهدم كنظرية أمنية.
اليسار الصهيوني نفسه الذي فقد ذاته التي يعرفها منذ بداية التسعينات منذ أن
أقنعه رئيس حكومته باراك بفقدان الشريك الفلسطيني، يخرج للتظاهر والاحتجاج ضد
مقتل الجنود في خضم العمليات الإجرامية التي ينفذها الجيش ضد الفلسطينيين. وهو
لا يتظاهر ضد هدم بيوت رفح الذي تقره المحكمة الإسرائيلية العليا. وحتى في قضية
غزة تحول اليسار الصهيوني نفسه إلى مساعد لشارون، وربما يعود ليصبح يده اليمنى
في الحكومة نفسها.
أزمة اليسار قاتلة
والحقيقة أن أزمة اليسار الصهيوني قد بدأت منذ أمدٍ بعيد، وكان بعض قادة اليسار
يأملون بأن تكون الانتخابات التمهيدية التي جرت في العام 2002 لاختيار زعيم
جديد لحزب العمل الصهيوني نقطة تحوّل لبعث الحياة من جديد في هذا الحزب، الذي
اضطلع زعماؤه وعناصره بمهمة إقامة الدولة الصهيونية.
لكن هذه الانتخابات -بدلاً من ذلك- أسفرت عن تعميق الأزمة التنظيمية
والأيديولوجية داخل صفوفه، لدرجة أن بعض قادة الحزب دعوا إلى شقه وإقامة حزب
جديد يكون قادراً على أن يمثّل بديلاً لليمين.
وإذا ما عدنا إلى العقود الثلاثة الأخيرة نجد أن حزب العمل مثّل إطاراً فضفاضاً
سمح بوجود هامش كبير في الفروق الأيديولوجية بين الساسة الذين شكلوا كتلته
النيابية، لا سيما في كل ما يتعلق بطبيعة التعاطي مع الصراع العربي-
الإسرائيلي. وهذا ما أفرز جناح ((الحمائم)) الذي يُعتبر إبراهام بورغ أحد
عناصره وجناح الصقور الذي انتمى إليه بن أليعازر.
لكن هذا التمايز لم يهدد آنذاك وحدة الحزب، إذ إن البرنامج السياسي للحزب الذي
تبنى صيغة ((الأرض مقابل السلام)) كان مرناً، ومن ثم وجد فيه الجانبان قاسماً
مشتركاً يمكن التعايش معه. وقد أدى التوقيع على اتفاقية ((أوسلو)) إلى تقليص
الخلافات الأيديولوجية -ليس بين جناحي حزب العمل فقط- بل إلى حد ما بين اليسار
وقطاعات من اليمين.
بيد أن النقطة التي تفجرت عندها الخلافات الأيديولوجية داخل حزب العمل من جديد
وبشكل لم يسبق له مثيل، كانت فشل مؤتمر ((كامب ديفيد)) واندلاع انتفاضة الأقصى.
صحيح أنه في بداية انطلاق الانتفاضة -وحتى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية- لم تكن
معالم التمايز الأيديولوجي في حزب العمل كبيرة إلى هذا الحد؛ لكن سرعان ما
تعالت الدعوات المحذرة من ذوبان حزب العمل في الليكود عبر ارتباط الحزب بحكومة
الوحدة الوطنية وانقطاع الحزب عن منطلقاته تجاه التسوية مع الشعب الفلسطيني؛
وذلك بالتبني الفعلي لخطوط شارون السياسية والأمنية.
وقد أدى هذا الوضع إلى بروز ثلاثة معسكرات أساسية في الحزب:
الفريق الأول: يتزعمه بنيامين بن أليعازر الذي يقول إن (إسرائيل) تواجه حرب
((إرهاب)) حقيقية يشنّها عليها الفلسطينيون كطريق لتحقيق إنجازات سياسية.
ويعتبر بن أليعازر أنه لم يعد لـ(إسرائيل) شريك سياسي في الشعب الفلسطيني، وأن
الأمر قد يستغرق سنوات أو حتى عقوداً حتى تحين الفرصة لمولد قيادة فلسطينية
تكون قادرة على طرح مواقف ((واقعية)) يمكن لـ(إسرائيل) أن تتعايش معها.
ويعتبر بن أليعازر أنه لا يمكن أن يتولى الحكم في (إسرائيل) من هو أكثر مرونة
من باراك، الذي أبدى استعداده للتنازل عن أكثر من 94% من مساحة الضفة الغربية
وجميع مناطق قطاع غزة. وللتدليل على ((يأسه)) من إمكانية الحل، فقد أخذ بن
أليعازر يكرر مقولته ((إن عرفات قد أنهى دوره التاريخي، ولن يكون بالإمكان
التوصل لتسوية سياسية مادام عرفات على رأس هرم القيادة في الشعب الفلسطيني)).
ويؤمن بن أليعازر أن على (إسرائيل) أن تعمل على قمع الانتفاضة باعتبارها ((حملة
إرهاب منظم تشنها السلطة بالتعاون مع المنظمات الفلسطينية لاستنزاف (إسرائيل)
وإجبارها على تقديم تنازلات تهدد مستقبل الدولة)). ويسخر من الذين يذكّرونه
بالخلافات الأيديولوجية بين العمل والليكود؛ ويقول إنه كان بالإمكان الإشارة
إلى مثل هذه الخلافات لو كان هناك لـ(إسرائيل) شريك فلسطيني معني بالتوصل
لتسوية سياسية.
الفريق الثاني: يتزعمه إبراهام بورغ الذي فاجأ الحلبة السياسية في العام 83
عندما انضم لصفوف حزب العمل، مع أنه نجل يوسف بورغ زعيم حزب المفدال الذين يمثل
المستوطنين وأنصار الصهيونية الدينية. ويقف إلى جانبه ياعيل ديان، وآفي يحزكيل
وكوليت أفيتال وغيرهم مثل يوسي بيلين الذي ترك حزب العمل لاحقاً.
وهذا المعسكر يرى أن بالإمكان التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. ويتهم أعضاء
هذا المعسكر بن أليعازر صراحة بأنه يريد إذابة حزب العمل في الليكود. وكما قال
بيلين، فإن هناك ((حلولاً إبداعية)) يمكن الاستعانة بها لتجاوز قضايا الخلاف
الرئيسية مع السلطة الفلسطينية، سواء بشأن قضية القدس أو اللاجئين.
ويشكك هؤلاء في قدرة سياسة شارون وبن أليعازر الأمنية على وضع حد لانتفاضة
الأقصى؛ ويشيرون إلى أن (إسرائيل) لم تستطع مواجهة العمليات الفدائية بنجاح
كبير، إلا في الوقت الذي كان يسود فيه تعاون أمني بين الأجهزة الأمنية
لـ(إسرائيل) والسلطة الفلسطينية. وبورغ يدرك أن الجمهور الصهيوني يؤيد بقوة
حكومة وحدة، إلا أنه يرى أن شارون يواجه الانتفاضة بدون برنامج سياسي.
الفريق الثالث: يضم قادة الحزب الذين يرون أنهم أولى من كل من بورغ وبن أليعازر
بقيادة الحزب؛ وهؤلاء هم حاييم رامون وشلومو بن عامي، و بدرجة أقل شمعون بيريز.
اليسار يتّجه يميناً
وهناك حقيقة عدة أسباب تقف وراء التطرف الكبير الذي طرأ على جمهور وقادة اليسار
منها:
1- تآكل الفروق الأيديولوجية بين اليسار واليمين في (إسرائيل) بشكل غير مسبوق،
وكما يقول عكيفا الدار -المعلق السياسي في صحيفة هآرتس- إن ((المرء قد يضطر
لاستخدام ميكروسكوب لكي يشخّص الفروق الأيديولوجية بين حزبي الليكود والعمل))،
في دلالة على تضاؤلها أو انعدامها.
يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي ألياهو سيرنا: ((عندما يرصد الجمهور
الإسرائيلي تضاؤل الفروق الأيديولوجية بين اليسار واليمين في (إسرائيل)، فإنه
يتجه نحو تأييد مواقف رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون، وبالتالي تبنّي مواقف
متطرفة)).
2- تشكيل حكومة الوحدة الوطنية: فتشكيل حكومة بهذا الشكل عمل على تضاؤل الفروق
الأيديولوجية بين اليسار واليمين في (إسرائيل) وانجراف الجمهور نحو التطرف وذلك
بمشاركة حزب العمل.
وكما يقول شلومو بن عامي -أحد قادة حزب العمل أثناء حكومة الوحدة- مبيناً أسباب
تراجع حزب العمل: فإن الكثير من الإسرائيليين الذين كانوا محسوبين على الوسط
بشكل خاص أخذوا يتساءلون قائلين ((إن كان حزب العمل لا يشارك فقط في حكومة
شارون، بل يتولّى تنفيذ سياساته الأمنية عبر وزير الدفاع بن أليعازر الذي هو
زعيم حزب العمل، ويسوّق مواقفه السياسية عبر وزير الخارجية شيمون بيريز الرجل
الثاني في الحزب.. فلماذا لا نختصر الطريق ونؤيد شارون والليكود من خلفه؟)).
3- غياب قادة كاريزماتيين في أوساط الوسط واليسار، في مقابل إعجاب الجمهور
الصهيوني بما يعتبرونه مزايا شارون القيادية، بالرغم من أنه لم يحدث أن مرّت
(إسرائيل) بأوضاع أمنية واقتصادية أسوأ من تلك التي تمر بها حالياً في عهد
شارون.
وفي ظل هذه التركيبة المتجمدة رغم ما يجري من تطورات خطيرة على ساحة المواجهة
يقف حزب العمل أمام مفترق طرق هام وخطير بالنسبة لتوجهاته السياسية، ولمجرد
وجوده على الساحة الحزبية الإسرائيلية. وقد بدت صورة قاتمة لمستقبل هذا الحزب.
وهذا ما دفع بيلين للدعوة إلى إقامة إطار حزبي جديد يمثل اليسار في (إسرائيل)،
ولا يشترط أن تكون كل مركبات هذا الإطار صهيونية. بل اقترح بيلين أن يكون هذا
الإطار على نمط الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا الغربية، وذلك ليمثل
بديلاً أيديولوجياً لتحالف الليكود - العمل. ويرى بيلين ضرورة ضمّ الأحزاب
العربية، فضلاً عن جميع الحركات الاجتماعية الناقمة على سياسة حكومة شارون في
المجال الاقتصادي- الاجتماعي.
وعلى شاكلته قال حاييم رامون إن الإحباط الذي يسود قادة اليسار والوسط في
الدولة العبرية من مستقبلهم السياسي وقدرتهم على التأثير على مجريات الأمور لم
ينتج فقط عن نتائج استطلاعات الرأي العام التي تعكس إقبالاً كبيراً للجمهور
الصهيوني نحو اليمين واليمين المتطرف والأحزاب الدينية، بل ينتج أيضاً عن
الانقلاب في توجهات أنصار اليسار والوسط في الدولة العبرية التي باتت الأغلبية
الساحقة منها تعلن أنها ترى في رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون النموذج
المثالي للزعيم الذي يتوجب أن يقود (إسرائيل) في مواجهة العالم العربي والشعب
الفلسطيني.