رجب أردوغان .. عين على الجيش وأخرى
على الشارع
لم تتوقف الصحافة الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة عن طرح قضية العلاقة
التركية الإسرائيلية، في ظل التصريحات الساخنة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب
أردوغان ووزير خارجيته عبد الله غل بشأن الممارسات الإسرائيلية في الأراضي
الفلسطينية، سيما بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي، وبشكل أوضح
بعد مجازر رفح، وهو ما تواصل بنبرة مختلفة وصولاً إلى ما يمكن القول إنه عودة
الطمأنينة إلى الدوائر الإسرائيلية، بعد لقاء بيريس - أردوغان الذي انطوى -حسب
الصحافة الإسرائيلية- على ما يشبه التأكيد التركي على أن العلاقة الثنائية لن
تتأثر بما جرى.
من المؤكد أن مواقف رئيس الوزراء التركي مما جرى في فلسطين خلال الشهور الأخيرة
كانت الأقوى بين زعماء الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي منحها تغطية لافتة
في الصحافة، وتثميناً حتى من قوى المقاومة وعلى رأسها حماس، سيما وهي تأتي في
ظل ما هو معروف من علاقات خاصة بين الدولتين، والتي يمكن القول إنها لم تتأثر
عملياً بمجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، نظراً لكونها علاقة محروسة
بسطوة الجيش مباشرة، أكثر من خضوعها لمزاج الحكومات المتعاقبة.
لم يكن ذلك هو كل شيء، ذلك أن المواقف التركية مما يجري في العراق قد تفوقت
أيضاً، سيما حين ينظر إليها في ظل حميمية العلاقة التركية الأمريكية وحجم
الضغوط التي مورست والمغريات التي عرضت على أنقرة من أجل التدخل لصالح واشنطن
قبل الحرب وأثناءها وبعدها، وهو ما تخلصت منه دبلوماسية أردوغان على نحو قرأه
الشارع التركي على أنه نوع من الذكاء وليس شيئاً آخر.
من الواضح أن أردوغان يعيش مرحلة صعود كبيرة تجلت بشكل واضح في الانتخابات
البلدية التي تقدم فيها حزبه على نحو لم تعرفه الأحزاب الحاكمة من قبل، فقد حصد
في تلك الانتخابات (41%) من الأصوات، وهو رقم أعلى من ذلك الذي حصل عليه في
الانتخابات التشريعية، الأمر الذي يؤكد أن الشارع قد وجد في أدائه ما يستحق
التقدير. وإذا كان لنا أن نقرأ السبب المباشر في تلك الثقة التي حصل عليها
وحزبه الناشئ، فلن نجد سوى الحالة الاقتصادية التي نهضت في ظل حكومته على نحو
لافت بعد مرحلة من التراجع الكبير الذي أقلق الدوائر التركية وأرهق الناس.
من المؤكد أن الإنجاز الاقتصادي في الحالة التركية يشكل نقلة كبيرة لأي حزب،
لكنه لا يكون كافياً في جميع الأوقات، اللهم إلا حين تكون الأحوال في تراجع كما
كان الحال قبل مجيء حكومة أردوغان. وهنا يمكن القول إن الرجل قد أضاف إلى تحسن
الاقتصاد جوانب أخرى، منها على سبيل المثال تقدمه على صعيد دفع الاستحقاقات
الخاصة بدخول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يبدو مهماً بالنسبة للأتراك بمختلف
فئاتهم. وإذا أضفنا إلى ذلك كله الأداء السياسي الذي تجلى في الحرب على العراق
وتداعياتها فإن الرجل قد بات مستحقاً لثقة الشارع.
في الآونة الأخيرة بدا أن الرجل في حاجة إلى خطوة يتقدم بها باتجاه عناصر الحزب
أنفسهم، إلى جانب النواة الصلبة من مناصريهم الذين ينتمون إلى المدرسة
الإسلامية، حتى لو حاول أردوغان القول إنه قد تخلى عن الصيغة الإسلامية، الأمر
الذي اعتبره أنصاره الإسلاميون نوعاً من التكتيك السياسي، حتى لو كان حقيقة في
واقع الأمر.
كانت الخطوة التي خطاها أردوغان تتعلق بمدارس ((إمام خطيب)) المعروفة في تركيا،
حيث اتخذ البرلمان التركي قراراً بمساواة خريجي تلك المدارس بنظرائهم من خريجي
المدارس العادية في حق دخول الجامعات.
هنا تدخل الجيش من خلال الرئيس ووضع فيتو على القرار، وفيما كان بإمكان أردوغان
أن يصر على قرار البرلمان، لم يفعل ذلك وآثر السلامة. والواقع أن قدرته على
تحدي إرادة العسكر في هذا الملف لا تنبع عملياً إلا من قوته التي تعني من زاوية
أخرى ضعفهم، لأن الإطاحة به لا يمكن أن تقاس بالإطاحة بشيخه أربكان لأكثر من
سبب، لعل أولها القبول الذي يحظى به هو في الأوساط الغربية، لكن الأهم من ذلك
كله هو أغلبيته البرلمانية وإنجازاته الاقتصادية وخطواته المهمة باتجاه دخول
الاتحاد الأوروبي.
كل ذلك لم يدفع أردوغان إلى إجراء تمرين سياسي مع العسكر بهدف تدجينهم على
الخضوع لرغبات الناس والقبول باللعبة الديمقراطية، والسبب هو استناده إلى
مقاربة سياسية تقول إن سبب فشل سلفه أربكان إنما تمثل في الصدام مع العسكر.
والواقع أن ذلك لم يكن صحيحاً، لأن الرجل لم يتصادم معهم بقدر ما هادنهم على
مختلف المستويات، حتى تلك المخالفة لقناعاته وتوجهاته مثل الموقف من المظاهر
الإسلامية والعلاقة مع الدولة العبرية، الأمر الذي دفع الشارع إلى الانفضاض من
حوله، وصولاً إلى دفعه نحو النهاية السياسية كما تأكد من خلال الرقم الهزيل
الذي حصل عليه حزبه (الفضيلة) في الانتخابات التي فاز فيها حزب أردوغان.
لذلك كله كان المتظاهرون الذين احتجوا على تراجع حزب العدالة أمام العسكر في
موضوع مدارس الأئمة أذكياء حين ذكّروا أردوغان بالنهاية التي وصلتها الأحزاب
الأخرى حين تنكرت لوعودها لناخبيها. ولعل ذلك هو ما يفسر خطواته في السياق
الإسرائيلي التي يمكن تفسيرها بأنها مغازلة للشارع، في ذات الوقت التي يمكن
القول إنها تعكس الحرص على عدم الاقتراب من خطوط الصدام مع العسكر، وذلك عبر
عدم تجاوزها القول إلى الفعل وبقاء العلاقات الثنائية مع الدولة العبرية على ما
هي عليه على مختلف المستويات، رغم نبرة التصعيد وحديث أردوغان المتكرر عن
((إرهاب الدولة)) الذي يمارسه شارون.
خلاصة القول هي أن أردوغان لا زال يتحرك بخطوات مدروسة بعناية؛ عين على العسكر
وعين على الشارع، فيما يبقى السؤال هو أي الفريقين سيكون الأهم بالنسبة للرجل،
ذلك أن تفوق الأول بسبب الحرص الشديد على البقاء في السلطة قد يشكل وصفة تراجع
له كما كان الحال مع شيخه أربكان، فيما لا زال هو يعوّل على إرضاء الطرفين
معاً، وهو ما نجح فيه إلى الآن.