|
((أنا مع التوطين))!!
((أنا مع التوطين، نعم أرضى بالتوطين إذا كان رفضه معناه أن نموت أحياء))، بهذه
الكلمات صرخ الحاج أبو خالد موسى الفلسطيني الذي يقطن في مخيم شاتيلا في بيروت،
بعد أن امتنعت مستشفيات عدة في بيروت عن استقبال حفيدته فاطمة إبنة السنوات
الأربع لمعالجتها من حرق جلدي من الدرجة الثانية أصيبت به، حين وقع على صدرها
مصباح النور الذي يعمل على الكاز، فالكهرباء مقطوعة معظم الأحيان في المخيمات
الفلسطينية، والذريعة لدى جميع المستشفيات واحدة ((خذها إلى مستوصفات
الأونروا)).
مأساة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ليست مفاجئة، والأوضاع المعيشية الصعبة
التي عاشها ويعيشها هذا الشعب ليست بجديدة، ولكن الجديد فيها هو استمرارها،
-وفي القوانين الجزائية تعتبر بعض الأفعال جريمة إذا استمرت وليس لمجرد حدوثها-
وبالتالي فإن استمرار الحال على ما هو عليه من تضييق وإرهاق للشعب الفلسطيني
يشكل جريمة ترتكب في حقه ينبغي التحرك لإيقاف التمادي في الإساءة إليه.
مصيبة أن يعاني اللاجئون الفلسطينيون من ممارسات ظالمة وجائرة في بلد شقيق هو
لبنان، ولكن المصيبة تكون أعظم حين يتم تشريع هذه الممارسات وإقرارها في
القوانين اللبنانية، بحيث يصبح السعي للتخفيف من معاناة هذا الشعب مخالفاً
للقانون وفعلاً يعاقَب عليه، وما القانون الذي يمنع الفلسطينيين من التملك في
لبنان إلا خير مثال على ذلك. وصارت جهود بعض النواب لإلغاء هذا القانون لما فيه
من ظلم يحيق بالفلسطينيين عرضة للانتقادات والاتهامات.
اللبنانيون جميعهم متفقون على رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، جميعهم
يردد ذلك، ولكن هل رفض التوطين معناه أن نُفقد الفلسطيني كل مقوّمات الحياة
الكريمة؟ هل نحن بذلك نساهم برفض التوطين أم بزيادة المأساة التي عاشها ويعيشها
هذا الشعب الذي يدين له اللبنانيون بالكثير؟
هل التضييق على الشعب الفلسطيني يؤدي إلى عودته إلى فلسطين وكأن العودة في
متناول يده؟ وهل يرغب هذا الشعب في البقاء أساساً في لبنان ويتم التضييق عليه
بهدف ((تطفيشه))؟
الجميع يتفق على رفض التوطين، نعم ولكن لكل فريق دوافعه. فريق يرفض التوطين
لأنه يساهم في زيادة الخلل الموجود أصلاً في التوازن الطائفي اللبناني، هذا
الخلل الذي يتم الحديث عنه همساً واستناداً لأرقام رسمية لم يتم الإعلان عنها
((حرصاً على السلم الأهلي)).
الفريق الآخر وهم الذين يشعرون بالظلامة الواقعة على الشعب الفلسطيني في لبنان
وما يعانونه من مآسٍ، ويسعون لرفع هذه المعاناة عن كاهله، ولكن هذا السعي يصطدم
دائماً بحائط ((التوازنات الطائفية)).
إن الظروف الحياتية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في لبنان لم تعد مقبولة، وإن
السكوت على ذلك يعدّ إساءة متمادية لهذا الشعب المقاوم، والأمل بالقوى الحية
اللبنانية –وهي كثيرة- للتحرك لوقف الظلم والاضطهاد الذي ينوء تحته اللاجئون
الفلسطينيون في لبنان.
ممّا تخافون يا سادة؟ هل تخافون أن يتم توطين الفلسطينيين في غفلة منكم؟
رفض التوطين ليس اجتهاداً سياسياً أو موقفاً مرحلياً، فرفض التوطين ورد ذكره في
الدستور اللبناني وتحديداً في مقدمة اتفاق الطائف، وإن تعديل الدستور اللبناني
يحتاج إلى إجراءات معقّدة يحظّر اللجوء إليها إلا عند الحاجات الوطنية الملحّة،
وهذا غير متوفر في توطين الفلسطينيين.
((أنا مع التوطين)) قالها الحاج أبو خالد موسى، لم يجرؤ أحد من الذين كانوا
بقربه على المعارضة، فالجريء بينهم اكتفى بالقول ((وحّد الله يا حاج.. بتهون))،
كانت الدمعة المتحجّرة في مدمع أبو خالد كافية للرد.
أوّاب إبراهيم
|