وقائع جلسات الحوار الوطني
الفلسطيني في القاهرة:
الهدنة طُرحت من خارج جدول الأعمال
والمقاومة عرضت تحييد المدنيين بشروط وتمسّكت بمصالح الشعب الفلسطيني
القاهرة/خاص
على مدار أربعة أيام متواصلة، شهدت القاهرة خلال الفترة من 4 – 7 كانون
الأول/ديسمبر 2003م، الجولة الثانية من الحوار الوطني الفلسطيني، الذي شاركت في
جلساته وفود تمثّل اثني عشر فصيلاً فلسطينياً. وخلافاً لجولة الحوار الأولى
التي عقدت خلال كانون الثاني/يناير 2003م، فقد حظيت هذه الجولة باهتمام سياسي
وإعلامي كبيرين، ولعلّ حملة ((التسريبات)) الإعلامية التي سبقت الحوار ورافقته،
كانت عاملاً في ذلك الاهتمام، حيث رفعت سقف التوقعات في وصول الفصائل المشاركة
إلى اتفاق حول وقف العمل العسكري والإعلان عن ((هدنة)) جديدة.
ولكن كانت المفاجأة أن الفصائل الفلسطينية لم تتفق على أي موقف محدد من
العمليات العسكرية، حتى إن مبادرة ((تحييد المدنيين)) التي طرحتها الفصائل
الخمسة لم يتم التعامل معها، خصوصاً في ظل ((التراشق)) الإعلامي الذي أعقب
الحوارات، وتضارب المعلومات حول حقيقة مجريات ووقائع حوار القاهرة.
كلمة الوزير عمر سليمان
اتّسمت كلمة اللواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية في الجلسة
الافتتاحية بالشمول والوضوح، ولم تكن كلمة ((بروتوكولية)) كعادة مثل هذه
الكلمات، بل كانت كلمة ((سياسية)) بامتياز، أعطى فيها الوزير تقديراً للموقف
السياسي، اتّسم بالتشاؤم، ثم حدّد دوافع التحرّك المصري بأنه تحرّك يهدف إلى
الخروج من المأزق الذي تعيشه القضية الفلسطينية حسب تعبيره، واصفاً الحوار
بـ((حوار الطوارئ))، الذي يعيد القضية إلى الساحة الدولية، مستفيداً من عام
الانتخابات الأمريكية وحاجة الإدارة الأمريكية إلى إنجاز سياسي تحققه.
وحدّد الوزير أهداف الحوار بالنقاط التالية:
1. تشكيل قيادة سياسية لقيادة النضال في هذه المرحلة من كل التنظيمات
الفلسطينية.
2. تحديد أهداف هذه المرحلة، على أن تكون عملية وممكنة.
3. تفويض السلطة الفلسطينية، والاتفاق على حجم هذا التفويض لإتاحة الفرصة لها
حتى تتفاوض حول القضايا الأساسية.
ووصف الوزير سليمان المطلوب بأنه ((عمل سياسي كبير)) يشجّع الإدارة الأمريكية
على الضغط على شارون، ويعمّق الانقسام في المجتمع الصهيوني.
جدول الأعمال والبرامج
بعد حوار مطوّل بين رؤساء الوفود حول جدول الأعمال الذي ينبغي أن يكون محور
النقاش خلال جلسات الحوار، تم الاتفاق على بندين اثنين هما:
1. الوضع السياسي، وأهداف المرحلة.
2. الوضع التنظيمي، وترتيب الوضع الفلسطيني.
واتفق على عقد أربع جلسات (بواقع جلستين في كل يوم -صباحية ومسائية-)، على أن
تكون الجلسة الختامية صباح يوم الأحد 7 كانون الأول/ديسمبر 2003م.
ويلاحظ هنا أن ((الهدنة)) لم تدرج على جدول الأعمال كبند مستقل.
الوضع السياسي يفرز محورين
على مدار جلستي اليوم الأول، ناقش رؤساء الوفود الوضع السياسي، وبرز خلال
النقاش محوران:
الأول: تمثّله حركة فتح ومعها الديمقراطية، النضال الشعبي –جناح سمير غوشة-،
جبهة التحرير الفلسطينية –جناح أبو العباس-، حزب فدا، حزب الشعب، الجبهة
العربية الفلسطينية. ويطالب هذا المحور بالإعلان عن ((هدنة)) ووقف إطلاق النار
من قبل الفصائل الفلسطينية على أن تكون تبادلية، بمعنى أن يلتزم بها العدو
الصهيوني، على أن لا تكون ((هدنة مجانية))، وإنما وفق اشتراطات يتم تحديدها
مثل: وقف بناء الجدار، وقف الاستيطان، وقف الاغتيالات، العودة إلى ما كان عليه
الوضع قبل 28 أيلول/سبتمبر 2000م، رفع الحصار عن ياسر عرفات، الإفراج عن الأسرى
والمعتقلين الفلسطينيين. ولا بد من الإشارة هنا إلى وجود تباينات في تفاصيل
الهدنة واشتراطاتها بين الفصائل المذكورة، ولكن هناك اتفاقاً على المبدأ، وهو
المبادرة بالإعلان عن الهدنة أو وقف إطلاق النار، وإذا لم يتم إعلانها، فيتم
إبلاغها إلى السلطة والمصريين.
المحور الثاني: تمثّله حماس، الجهاد، القيادة العامة، الجبهة الشعبية والصاعقة.
ويرى أن هناك مبادرة بتعليق العمليات العسكرية تم الإعلان عنها في 29/6/2003،
وأن العدو الصهيوني تعامل معها بصلف وعنجهية، واستمر في عدوانه على الشعب
الفلسطيني. وأنه لا ينبغي الاستمرار في تقديم المبادرات بتعليق العمليات، في
الوقت الذي يستمر فيه العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، فالمطلوب الآن هو
أن يحدد العدو الصهيوني موقفه أولاً. وطرحت حماس استعدادها لتحييد المدنيين من
دائرة الصراع مقابل شروط يتم الاتفاق عليها.
ويلاحظ في جلسات نقاش الوضع السياسي، أن موضوع الهدنة أو وقف إطلاق النار
استهلك الجزء الأكبر من النقاش، رغم أن فصائل ((المحور الثاني)) تطرّقت إلى
وثيقة جنيف وخطورتها والمطالبة بإدانتها، ولكن القضية التي طغت على فصائل
المحور الأول (فتح وحلفاؤها) هي الهدنة، وهو ما أشار إليه د. زكريا الآغا رئيس
وفد فتح بوضوح في الجلسة المسائية عندما قال: نحن جئنا لهذا الموضوع، وانسحب
منفعلاً!
الوضع التنظيمي لم يناقش بجدية
لأن المطلوب هو اتخاذ قرار بالهدنة، كما قال د. زكريا الآغا، فإن الوضع
التنظيمي لم يناقَش بجدية، بل إن الجلستين الصباحية والمسائية –في اليوم
الثاني- المخصصتين لنقاش الوضع التنظيمي تحوّلتا إلى نقاش لموضوع ((الهدنة)).
فالجلسة الصباحية نوقش فيها الموضوع التنظيمي بشكل محدود، ولكن ممثلي فتح وحزب
الشعب وحزب فدا طرحوا موضوع وقف إطلاق النار خلال مداخلاتهم. في حين حاول ممثلو
حماس والقيادة العامة والشعبية التركيز على الوضع التنظيمي، وطرحوا ضرورة إعادة
بناء م.ت.ف وإجراء إصلاحات سياسية وإدارية وهيكلية فيها، وشاركهم ممثل الجبهة
الديمقراطية في ذلك، الذي أشار إلى تفرّد حركة فتح بالقرار واصفاً فتح
بـ((الإمبراطورية)) الكبيرة، التي تعاني من خلل التمدّد الزائد، وهو ما دفع د.
زكريا الآغا إلى الانفعال والاحتجاج قائلاً: هل هذه الجلسة لتشريح فتح؟!.. وقد
شهدت هذه الجلسة توتراً عندما ورد في حديث د. الآغا ما يُشتمّ منه تهديد
الفصائل الأخرى، حيث أشار إلى أنه ما لم تقبل بوقف إطلاق النار، فإن السلطة
ستتحرك في هذه الحالة، وقد سجّل زياد النخّالة (الجهاد) الذي كان يرأس الجلسة،
ود. ماهر الطاهر (الشعبية) احتجاجهم على تهديد د. الآغا، الذي سارع إلى
الاعتذار والتوضيح بأنه لا يقصد التهديد.
وأما الجلسة المسائية، فقد تحوّلت برمتها إلى نقاش وقف إطلاق النار، ودعا د.
طلال ناجي (القيادة العامة) إلى إصدار بيان ختامي يتضمّن الإشارة إلى تحييد
المدنيين، وشارك ممثلو حماس، الجهاد، الشعبية، الصاعقة. وقد تفاوتت المواقف
إزاء صدور بيان عن الحوار الوطني، حيث طرح ممثلو فتح، حزب فدا، الجبهة العربية
فكرة إصدار تصريح صحفي بديلاً عن البيان إذا لم يتم الاتفاق على الهدنة أو وقف
إطلاق النار.
وبعد نقاش مطوّل، ورغبة الغالبية في صدور بيان ختامي، تم الاتفاق على صياغة
بيان سياسي تقوم بصياغته لجنة الصياغة المكونة من اثني عشر شخصاً يمثّلون جميع
الفصائل.
لجنة الصياغة والمهمّة الشاقّة!
بدأت لجنة الصياغة عملها مساء اليوم الثاني برئاسة فضل شرورو (القيادة العامة).
وقد استمرت اللجنة في صياغة البيان حتى ساعات الفجر الأولى من يوم الأحد، حيث
كانت النقاشات ساخنة للغاية. وتم في النهاية الاتفاق على صيغة البيان الختامي،
والذي استبعد موضوع الهدنة أو وقف إطلاق النار نهائياً، وتم التوافق على
((تحييد المدنيين من الجانبين من دائرة الصراع بشروط)).
ولكن كانت المفاجأة خلال لقاء رؤساء الوفود صباح الأحد، حيث رفض د. الآغا صدور
بيان سياسي ما لم ينص على ((التفويض السياسي)). وعندما سئل عن المقصود من ذلك،
أوضح بأن المقصود هو تفويض السلطة بالتحرّك السياسي. كما اعترض د. الآغا على
كلمة ((بشروط)) الواردة في الصيغة التي تم التوافق عليها بخصوص تحييد المدنيين،
وطالب بحذفها. وقد أبدى د. موسى أبو مرزوق (حماس) استياءه من التراجع عن الصيغة
التي تم التوافق عليها بعد جهد مضن وكبير. ولكن كان هناك إصرار من قبل ((فتح))
على عدم صدور بيان ختامي، والاكتفاء بتصريح صحفي.
عمر سليمان وقريع يحاولان إنقاذ الموقف
تحوّلت الجلسة الختامية التي كان من المقرّر عقدها بحضور اللواء عمر سليمان
وأحمد قريع إلى جلسة مغلقة بمشاركة رؤساء الوفود فقط. وقد امتدت الجلسة إلى
ثلاث ساعات ونصف، حاول خلالها اللواء عمر سليمان وأحمد قريع إنقاذ الموقف عبر
طرح صيغ معيّنة لتضمينها البيان الختامي، ولكن الصيغة التي طرحت أثارت جدلاً
كبيراً، والصيغة المطروحة هي: (على قاعدة الالتزامات المتبادلة، تتيح الفصائل
للسلطة الفلسطينية التحرك في المجتمع الدولي لدفع عملية السلام على قاعدة إعادة
الحقوق المسلوبة). وقد اعترض رؤساء وفود حماس، الجهاد، القيادة العامة، الشعبية
على الصيغة المطروحة، وأنها تعني تفويض السلطة، وهو أمر غير ممكن في ظل التجربة
المريرة التي عاشتها الفصائل خلال العقود الثلاثة الماضية من غياب الديمقراطية
والشفافية فيها، وتعطيل مؤسسات المنظمة، وأنها ستدفع السلطة إلى التوقيع على
اتفاقات جديدة على شاكلة أوسلو.
وعندما وصل النقاش إلى طريق مسدود دعا اللواء عمر سليمان إلى رفع الجلسة
والذهاب إلى تناول الغداء، على أن تناقش الفصائل فيما بينها مساء الصيغ
المطروحة، ولكن كان واضحاً لدى الجميع، أن الأمور قد ((استوت)) ولا مجال للوصول
إلى تفاهم، وهكذا انفض سائر المجتمعين، وتوجّهوا إلى الغداء، الذي كان ((الغداء
الأخير))!
وهكذا أُسدل الستار على جولة الحوار الوطني الفلسطيني الثانية، في ظل تساؤل عن
إمكانية عقد جولة جديدة للحوار؟!