رئيس وزراء السلطة
طرح فكرة دولة ثنائية القومية:
مبادرة قريع تخبّط سياسي فلسطيني في مواجهة حكومة شارون؟
فلسطين/مها عبد الهادي
حفلت الساحة الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة بعشرات من المبادرات السياسية،
إسرائيلية وعربية وأمريكية وفلسطينية، تستهدف الخروج من الأزمة السياسية
الراهنة والتطورات الخطيرة التي تشهدها انتفاضة الأقصى المباركة في عامها
الرابع، حاول أصحاب تلك المبادرات أن يثبتوا كلٌ للآخر أنه هو من يمتلك الرؤية
الأكثر نضوجاً.
بعض من هذه المبادرات كان شاملاً وتناول القضايا الأساسية في مسألة الصراع،
والبعض الآخر تناول قضية واحدة وكانت سطحية، ومنها ما جاء كنوع من الاحتجاج
والاعتراض على مبادرات أخرى لقيت قبولاً على المستوى الإقليمي والدولي.
وكان آخر هذه المبادرات ما طلع به أحمد قريع (أبو العلاء) بعد وقت قصير من
التوقيع على ((مبادرة جنيف)) التي رافقها الوفد الفلسطيني من بدايتها، معتبراً
أنه شريك أساسي في صياغة أفكار هذه الوثيقة رغم أن يوسي بيلين خطف الأضواء كونه
حمل راية المبادرة منذ فشل مباحثات ((كامب ديفيد)) في العام 1999 ونجح في تزعم
الوفد المشترك الذي ضم فلسطينيين وإسرائيليين.
ويؤكد واقع توالد المبادرات من قبل القيادة الفلسطينية أن سلطة الحكم الذاتي
باتت تشعر بإحباط شديد من السياسة الإسرائيلية التي تعتمدها حكومة أرييل شارون
في التعامل مع الملف الفلسطيني، خاصة بعد أن وصلت خطة ((خارطة الطريق)) إلى
طريق مسدود، وبعد أن أعلن شارون عن مشروع الانفصال من جانب واحد، في حين يتواصل
بناء جدار الفصل العنصري الذي يعبر عن حدود الدولة العبرية كما يقول شارون
نفسه.
وعبر هذا الإحباط عن نفسه في مبادرة قريع الأخيرة، فرئيس الوزراء الفلسطيني
يطرح الدولة الموحدة ثنائية القومية كبديل للدولة الفلسطينية التي يجهضها شارون
بجداره الفاصل، وفي الوقت نفسه تعلن القيادة الفلسطينية في اجتماع موسع ضم قادة
الفصائل تمسك الفلسطينيين بخيار الدولة الفلسطينية المستقلة على المناطق
المحتلة منذ العام 67، فيما يبدو بأنه تناقض في المواقف السياسية الفلسطينية،
من جانب، وبأن الفلسطينيين ضاقوا ذرعاً بالوضع الحالي وهم على استعداد دائم
للتعاطي مع أي عرض سياسي من قِبل أطراف خارجية من جانب آخر.
مبادرة قريع: مأزق السياسة الفلسطينية
بغض النظر عن الخلفية التاريخية لنشوء فكرة ((الدولة ثنائية القومية))، فقد كان
سري نسيبة أول مبادر لطرحها في المجال السياسي (في أواخر الثمانينات). ثم
تبلورت هذه الفكرة ونضجت بفضل الأطروحات الأكاديمية الغنية التي قدمها كل من
أسعد غانم ونديم روحانا وكمال الخالدي وسعيد زيداني، ولكنها لم تأخذ مكانتها في
النقاش الفلسطيني، إلا بتبني عزمي بشارة وإدوارد سعيد لها، بحكم مكانتهما
السياسية والفكرية المتميزة في الساحتين الفلسطينية والعربية وعلى الصعيدين
الإسرائيلي والدولي، وتعاملهما مع وسائل الإعلام.
وبسبب التعقيدات الاجتماعية والقانونية والسياسية لهذا الطرح، وبسبب طبيعية
الثقافة السياسية في المنطقة، التي تركز على الحقوق القومية الجماعية في مقابل
طمس حقوق الأفراد، فقد بقي هذا الخيار حكراً على مجموعات من المثقفين، ولم يأخذ
طريقه إلى الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي، وحتى الآن لا يوجد فصيل واحد يعلن
عن تبنيه له، خصوصاً وأن الأحوال الراهنة لا تشجع أبداً على ذلك.
لذلك لم تعكس التصريحات الأخيرة بشأن الدولة ثنائية القومية ثم تأكيدها بعد أقل
من عشرين ساعة حقها في إقامة الدولة على حدود العام 67 شيئاً جديداً للجمهور
الفلسطيني، الذي تعود على ذلك منذ كانت الحكومة مصغرة ثم موسعة ثم طارئة ثم
عادية في أقل من شهر.
لكن أحداً لا يغفل بأنه كانت هناك خصوصية لأن يأتي هذا التصريح على لسان شخصية
سياسية مثل أحمد قريع، وربما أن الأسباب التي دفعت قريع إلى طرح هذا الخيار
حالياً تنحصر في الأسباب التالية:
1- اعتقاد قريع أن خيار الدولة الدولة الثنائية القومية قد يصبح الخيار الواقعي
الوحيد أمام الفلسطينيين والإسرائيليين إذا استمرت الأوضاع على ما تتجه نحوه.
فحينما يشعر الفلسطينيون بأنهم دفعوا إلى الزاوية ولم يتبقَّ أمامهم سوى القبول
بالخطة التي يسير نحوها شارون، فإنهم إما أن يقرروا التعامل مع الأمر الواقع
وهو أمر مستبعد، وإما أنهم سيعلنون التخلي عن جهود التسوية ويبادرون إلى فتح
الصراع على أوسع أبوابه، وحينها لن ينفع جدار شارون في خلق سلطة فلسطينية قادرة
أو مستعدة على تحمل المسؤولية عن الشعب الفلسطيني بما يريده الاحتلال.
2- وقد يكون التصريح مجرد إشارة إلى أن الفلسطينيين أيضاً لهم خياراتهم مقابل
الخيارات الإسرائيلية التي تعمل في وجهة مغايرة لخيار التخلص من الاحتلال
وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلتها في العام 1967.
3- وقد يكون هذا الخيار مجرد جرس إنذار قوي لكل من الإدارتين الأمريكية
والإسرائيلية مفاده أن استمرار الانحياز الأمريكي لخيار شارون القائم على فرض
تسوية من جانب واحد على أساس خطة الفصل التي طرحها مؤخراً ويعمل على الأرض من
أجلها.
ورغم أن التصريح قد أوصل الرسالة وحرك المياه الراكدة في مسيرة العملية
السياسية وخصوصاً لدى الإدارة الأمريكية، كما تبين من رد فعل وزير الخارجية
الأمريكية على التصريح وبذات اليوم، لكن هذا الرد وكما هو متوقع عكس مدى اهتمام
الإدارة الأمريكية ليس بالوصول لحلول بل بإدارة الصراع والحفاظ عليه من أن
يتجاوز الحدود المرسومة له، لكي لا يخرج عن نطاق السيطرة، مما يعني أن الولايات
المتحدة ليست راغبة في تعقيد الوضع في المنطقة؛ خصوصاً وأنها تخوض أكثر من
معركة وعلى أكثر من صعيد.
مخاطر الطرح
ويرى العديد من المحللين والمراقبين بأن تصريح رئيس حكومة سلطة الحكم الذاتي
بالرغم من أنه إن أُحسن استثماره، ربما يضفي ملامح جديدة على الصراع بين
الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث إنه قد يمهّد لتحول استراتيجي في الصراع
التفاوضي بين هذين الطرفين، من صراع على الأرض إلى صراع على البشر، وكونه يشتمل
أيضاً على تفكيك المشروع الصهيوني في (إسرائيل) ذاتها؛ وقد ينقل الفلسطينيين
إلى مرحلة سياسية مختلفة وربما إلى وضعية الهجوم السياسي، خصوصاً في ضوء
التراجع في مكانة (إسرائيل) على الصعيد العالمي، في ظل بناء ((سور برلين)) أو
نظام أبارثايد جديد وفي ظل الجرائم التي ترتكبها بحق الفلسطينيين إلا أن هذا
الطرح وفي توقيته ينطوي على مخاطر جمّة:
1-في ظل المعطيات الحالية، يتطلب هذا الطرح من الفلسطينيين التخلي عن مطلبهم
الخاص في الاستقلال، والقبول أيضاً بالتضحية المتمثلة بالخضوع لقانون المحتل
الإسرائيلي، القائم على القوة والتمييز العنصري ضد أهل الأرض الأصليين، ولعل
تلك هي واحدة من أهم إشكاليات هذا الخيار.
2- أما الأمر الثاني المهم فهو أن تصريح رئيس الوزراء الفلسطيني بإمكان توجه
الفلسطينيين نحو مطلب البقاء في دولة واحدة ((ثنائية القومية))، والتخلي عن
مطلب الدولة المستقلة بمثابة تهديد لـ(إسرائيل)، على استمرارها في انتهاج سياسة
التقتيل والتدمير ضد الشعب الفلسطيني وقيامها ببناء جدار الفصل العنصري
وتعزيزها الاستيطان وتملصها من استحقاقات عملية التسوية، المتمثلة بقيام دولة
فلسطينية مستقلة، في الضفة والقطاع المحتلين في وقت لا يبدو بأن السلطة قادرة
على الدخول فيه.
فالفلسطينيين لن يكونوا قادرين على تنفيذ مثل هذا الخيار الذي لن يتحقق فقط
بالقوة ويحتاج أيضاً إلى قناعة إسرائيلية به، وثانياً لأن الإعلان أتى هكذا
بدون سابق إنذار ودون أي تحضير ولو من حيث الشكل والتكتيك.
3- والأمر الثالث أن هذا الطرح يحوي نقاط ضعف متعددة المستويات:
1- فهو جاء أولاً كردة فعل شخصية على السياسة المتعنتة والإرهابية التي تنتهجها
(إسرائيل) ضد الشعب الفلسطيني، أي أنه ليس نتاج إطار تشريعي فلسطيني.
2- كما أن خيار الدولة ثنائية القومية لم يجرِ تبنيه في أية استراتيجية سياسية
رسمية للفلسطينيين.
3- والأهم من هذا وذاك أن هذا الخيار يأتي قبل نيل الشعب الفلسطيني لحقه في
تقرير المصير.
وملخص القول إن الفلسطينيين سيخسرون بخيار الدولة ثنائية القومية -على أية حال-
حلمهم ومطلبهم بالدولة المستقلة المفترضة.
(إسرائيل) ترفض
وقد أثارت تصريحات قريع ردود فعل غاضبة في الدولة العبرية. فالفكرة التي طرحها
قريع مخيفة بالنسبة لـ(إسرائيل)؛ وهي التي تحذر منذ فترة ليست بالقليلة من خطر
القنبلة الديمغرافية، ويسعى الكثيرون فيها من أجل الحصول على دولة يهودية نقية.
والدولة العبرية تميل وفق تصريحات ساستها إلى خيار الدولتين وإن كانت هذه
الدولة تفقد أساسيات وجودها بالشكل الذي يريدها به شارون، لأن خيار الدولتين
يضمن لهم تحقيق الميزات التالية:
أولاً، التخلّص من الخطر الديمغرافي، والحفاظ على الطابع اليهودي لـ(إسرائيل).
ثانياً، التحرر من العبء الأمني والسياسي والاقتصادي والأخلاقي، الذي أنتجه
واقع الاحتلال وواقع صمود الفلسطينيين ومقاومتهم العنيدة له.
ثالثاً، تحسين صورة (إسرائيل) على الصعيد الدولي، بعد أن باتت تظهر كدولة
مستعمرة تمارس التمييز العنصري والقوة ضد أهل الأرض الأصليين.
رابعاً، التساوق مع الأطروحات الأمريكية المتعلقة بالترتيبات الشرق أوسطية.
على ذلك فإن خيار الدولة ثنائية القومية، بدوره، يستدعي الفلسطينيين للانخراط
في صراع طويل ومضنٍ ومعقد من أجل فرضه.
لا يتجاوز زمنه
هذه الأبعاد المهمة لخيار الدولة ثنائية القومية يؤكد بأن تصريح قريع لا يتجاوز
حدود الزمن الذي صدر فيه، ذلك أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عقدت
اجتماعاً بعد صدور التصريح أكدت بعده التزامها بالعملية السياسية وبالتمسك
بخيار الدولة المستقلة على الأراضي المحتلة منذ العام 67 وعاصمتها القدس.
والمهم أن تصريح قريع وبيان اللجنة التنفيذية يؤشران إلى طبيعة الخطر القادم
وينطويان على تقييم للأوضاع والمتغيرات، كان من المفروض أن يتم بصورة شاملة
وجماعية ونتيجة حوار وطني فلسطيني تتكامل فيه الأدوار ويؤدي إلى تغييرات حقيقة
في بنية العمل الوطني الفلسطيني استعداداً للمرحلة الصعبة القادمة.
فشرط الخروج من الأزمة يكمن أولاً في فهمها وفي الإقرار بوجودها ومن ثم في
تشخيص الأسباب التي أدت إليها، ومن ثم فهم أدوار جميع اللاعبين الأساسيين
والثانويين في هذا الصراع، وهذا جهد يحتاج إلى أن تقوم به جميع فصائل العمل
الوطني والإسلامي والعناصر الأخرى المؤثرة في هذا الصراع.