|

































| |
|
رأي - منير شفيق |
أهمية السياسة في
مرحلة شبه التوازن الاستراتيجي
منير شفيق
لو وضعنا جانباً كل الهراء الذي وَرَد على لسان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش
في مديح الحرية والديمقراطية (هراء لأنه يستخدمه للابتزاز أو كغطاء وليس جاداً
فيه)، ولو لاحظنا نقاط تركيزه الحقيقية، لوجدنا حالة أمريكية مرتبكة بين
التراجع والهجوم الاحتيالي، أو بين فقدان الثقة بالانتصار السهل في تحقيق
أهدافها في فلسطين والعراق والمنطقة العربية والإسلامية والعالم من جهة ومحاولة
إنقاذ ماء الوجه واستعادة المبادرة من جهة أخرى. مع ملاحظة أن الانتخابات
الرئاسية ستزيد من هذه الحالة الرجراجة المرتبكة. لأنها أصبحت معياراً للسياسة
الخارجية بمعنى أن تكون السياسة الخارجية في خدمة الحملة الانتخابية لبوش.
على أن السبب الرئيس وراء هذا الارتباك جاء من جهة ما واجهه الاحتلال الأمريكي
للعراق من مقاومة وممانعة كانت محصلتهما الفشل الذي كان ملاحقاً لكل خطوة من
خطواته. وقد رافق ذلك فشل الاستراتيجية العسكرية التي اتفق عليها بوش وشارون في
فلسطين، مما وضعها في مأزق موازٍ للمأزق العراقي أي عدم القدرة على تحقيق الهدف
وعدم القدرة على التراجع الذي يبدو مخيفاً بنظرهما.
الفشل الأمريكي في العراق وفلسطين، وإن لم يصبح كاملاً؛ إذ ما زالت محاولات
استرداد المبادرة مستمرة، أدى إلى فشل أوسع على نطاق المنطقة من حول العراق
وفلسطين، ولو اتسمت المواقف بسلبية إزاء مماشاة أمريكا في خططها، وهذا يتضمن
بالضرورة درجة من الصمود والممانعة أو عدم تلبية قائمة الطلبات الأمريكية إلا
جزئياً وبشكل لم يساعد السياسة الأمريكية في الخلاص من مأزقها في العراق
وفلسطين، وفي تجنيد الدول لمساعدتها وإنقاذها مما تواجهه من فشل.
ولهذا، من الخطأ التسليم أو الترويج للمقولة التي تعتبر أمريكا قد تمكّنت من
الوضع العربي – الإيراني أو أن الجميع سائر باتجاه الاستسلام لطلباتها كاملة.
فإذا كانت أكثر الدول تميل إلى تجنب مصادمتها وتحاول أن تراوغها فهذا لا يعني
أن الوضع طوع بنانها. صحيح أن عدم قيام تضامن عربي وبروز سياسات معارضة
للسياسات الأمريكية بدرجة من القوة أو سياسات تصرّ على دعم الشعب الفلسطيني
يسمح بترويج تلك المقولة. ولكن درجة الممانعة القائمة ولو بشكلها السلبي، يجب
أن تُقرأ في غير مصلحة أمريكا في التحليل النهائي لأنها تبقيها في عزلة من نقد
تلك السياسات باتجاه مطالبتها بالتضامن ورفع سقف دعم الشعبين في فلسطين والعراق
لإنزال الهزيمة بسياسات بوش وشارون.
حتى الحالة الليبية التي بدت منهارة أمام الضغوط الأمريكية ما زالت دون تلبية
المطلب الأمريكي الرئيسي وهو التسليم للمشروع الصهيوني، أو قُلْ بداية الاعتراف
والتطبيع. فكل ما حظيت به القيادة الليبية الآن من تشجيع بسبب تراجعاتها لا يصل
إلى حدّ القبول ما دامت الخطوة باتجاه (إسرائيل) لم تؤخذ بعد. وأما الجانب
الآخر المربك للسياسة الأمريكية فيتعلق بانفضاح شعارات الديمقراطية والحرية لأن
هذه الشعارات غابت عن الموضوع الليبي، ولم يعد هنالك إشكال من هذه الزاوية عدا
بعض الرتوش التي لا تغيّر من واقع النظام جوهرياً باتجاه الحرية والديمقراطية
للشعب الليبي. بكلمة، نتائج السياسة الأمريكية إزاء ليبيا ستكون وخيمة عليها في
المحصلة.
وبكلمة، يخطئ من يتصوّر أن إدارة بوش في موقع الهجوم أو أن مواصلة العنجهية
والتهديد يعبّر عن قدرات بمستواهما بل يمكن القول إنها في حالة مراوحة في
المكان، وتشبُّث حتى لا تفشل فشلاً ذريعاً، ولم تصل بعد إلى حد يسمح لها
بالانتصار هنا أو هناك. وهو ما يسمى في علم الاستراتيجية العسكرية حالة ((شبه
التوازن الاستراتيجي)) حيث يحتاج كل طرف إلى تجميع قواه ليشنّ ((الهجوم العام))
على الطرف المقابل. وهذه من أشدّ حالات الحرب خطورة على الطرفين، حيث تلعب
السياسة وجمع الحلفاء وتجنّب العزلة دوراً حاسماً في تقرير مجرى الصراع
العسكري. ولهذا ثمّة أهمية عالية للمناورات السياسية (بالمعنى العلمي للكلمة)
في هذه المرحلة فلسطينياً وعراقياً كما على بقية الجبهات. وبكلمة، الإدارة
السياسية للصراع في هذه المرحلة أهم من أية مرحلة أخرى.
فمن جهة دخل الوضع الفلسطيني مرحلة حساسة جداً من ناحية سياسية بالنسبة إلى
حماس والجهاد والشعبية وفتح وسائر فصائل الانتفاضة والمقاومة وم.ت.ف. وهذا ما
راحت تعبّر عنه الحوارات على مختلف المستويات، وما راح يطرح من مبادرات ومشاريع
واتفاقيات. ولعل من إيجابيات الوضع أن سياسات شارون – بوش إزاء القيادة الرسمية
الفلسطينية، وعلى التحديد بالنسبة إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لا تسمح
بحدوث صدع داخلي خطير كما حدث في اتفاق أوسلو وتداعياته إلى ما قبل اندلاع
انتفاضة الأقصى، الأمر الذي يُسهّل حسن إدارة الصراع.
أما بالنسبة إلى جبهة العراق فقد برزت أهمية المناورة السياسية وخطورتها في
حالة ((شبه التوازن الاستراتيجي)) من خلال المشروع الجديد الذي جاء به بول
بريمر الحاكم السياسي باسم قوات الاحتلال بعد زيارته المفاجئة إلى واشنطن. وقد
حملت تلك المناورة اسم ((مشروع تسليم السلطة للعراقيين)) في مدى أقصاه شهر
حزيران/يونيو 2004. وذلك من خلال إيجاد صيغة تمثيلية يمكن فبركتها لإخراج حكومة
مؤقتة تحلّ محلّ مجلس الحكم وتعقد اتفاقيات أمنية مع قوات التحالف بحيث تحوّلها
(اسمياً طبعاً) من قوات احتلال إلى قوات أجنبية موجودة في العراق.
لقد لخّص الشيخ غازي اليادر، عضو مجلس الحكم ممثلاً للعشائر فيه وهو شيخ عشائر
شمّر بالقول: ((إن أعضاء المجلس يعون أن توقيع الاتفاقيات الأمنية مع
الأمريكيين والبريطانيين باعتبارهم قوات أجنبية سيرفع عنهم المسؤولية كقوات
احتلال مما يعطيهم حقوقاً من دون واجبات. وستبقى المسؤولية علينا نحن، وهم
يبقون محتلين باعتبارهم قوات موجودة. وهذا ما لا نريده)) (الحياة 22/11/2003).
ولكن الرد الأهم جاء من آية الله السيستاني وقد مهدّ بالدعوة إلى التظاهر.
أما الشيخ الشاب مقتدى الصدر فجوابه ((نطالب بوضع القرار بيد العراقيين وأن
تكون الانتخابات العراقية بعيدة عن أيدي الاحتلال وأن تقدّم أمريكا الضمانات
الكافية لخروج قواتها من العراق)) (المصدر نفسه). وبالمناسبة أشار إلى أن
القوات الأمريكية أصدرت تعليمات لأئمة المساجد بعدم التعرض لها، أو مهاجمة
الاحتلال، تحت حجّة أن ذلك يشجّع ((الإرهاب)). أي أن المطلوب تكميم الأفواه
باعتباره شرطاً من شروط تحويل العراق إلى ((نموذج للديمقراطية)) وهكذا سرعان ما
تعرّت دعوة بوش للديمقراطية (يعني عراق مُؤَمرك مُصَهْيَن).
ومن هنا فإن رد قوى المقاومة المسلحة والسلمية في العراق على هذه المناورة
(مشروع بريمر الجديد) سيلعب دوراً حاسماً في إدارة الصراع ضد الاحتلال بحيث
تكشف أوراقه ولا يسمح له بتحييد بعض الأطراف، أو عزل المقاومة، أو التخفيف من
تشدّد الذين يطالبون برحيله. ولعل من أهم ما يجب أن تتنبّه له المقاومة هو عدم
دخولها في معارك جانبية مع قوى عراقية، بما في ذلك القوى المدانة سياستها أو ما
يتشكل من قوات عراقية. أي ضرورة اتباع سياسة التركيز على قوات الاحتلال وتحريم
الانتقال إلى اقتتال داخلي، كما ضربت التجربة الفلسطينية مثلاً ناجحاً ورائعاً
على ذلك، بعد اتفاق أوسلو وتداعياته.
((مشروع بريمر الجديد)) وإن بدا مدروساً إلا أنه في حقيقته يتّسم بالارتجالية
والتراجع الضروري بدليل فجائيته واضطرابه في تحديد الطريقة التي يُراد من
خلالها اختيار الحكومة المؤقتة تحت أشكال انتقائية مفبركة غير واضحة المعالم
حتى الآن. والأهم انفضاح خباياه بالإعلان عن أنه لا يعني انسحاب القوات من
العراق، أو خروجها منه وإنما تغيير اسمها وحالتها، من حيث الشكل ونقاط تواجدها
ومدى تدخّلها في الجانب الأمني. ولهذا فإن إمكانية إفشاله عالية جداً من حيث
حشد أوسع القوى العراقية ضدّه. فالعمل السياسي ضد الاحتلال ولا سيما من جهة
عزله لا تقل أهميته عن المقاومة المسلحة خصوصاً في المرحلة الحالية التي يقف
فيها الاحتلال الأمريكي على مفترق طرق مهدَّداً بالانهيار والهزيمة، إن لم ينقذ
نفسه من خلال الخداع السياسي، وترحيل مأزقه إلى صراع عراقي – عراقي. علماً أن
احتماله للضربات العسكرية من وزن ما حدث في شهر رمضان الفضيل أخذ ينفد، وسينفد
تماماً إذا ما فشل، سياسياً، مشروع بريمر وافتضحت أهدافه، وهو في الطريق إلى
ذلك إن شاء الله.
وإذا كان لا بدّ من نظرة سريعة إلى الوضع الدولي لاكتمال الصورة، فإن الاتجاه
العام يقسم بمزيد من العزلة الأمريكية وتفاقم الخلافات بينها وبين كل من فرنسا
وروسيا والصين وألمانيا. فضلاً عن تعمّق الأزمة الداخلية لإدارة بوش في
الولايات المتحدة نفسها. وقد جاءت التظاهرات الكبرى التي اندلعت تندد بزيارة
بوش الرسمية إلى بريطانيا لتؤكد على أن الرأي العام الغربي معارض بأغلبيته
للسياسات الأمريكية، ويكفي ما دلل الاستطلاع الأوروبي عليه: 59% يعتبرون الدولة
العبرية أخطر من يهدد السلام العالمي وبعدها تأتي إدارة بوش.
والسؤال من كان يتصور أن الأوضاع ستتطور ضد الإدارة الأمريكية وحكومة شارون إلى
هذا المستوى قبل أن يبدأ عام 2004 شهوره وأيامه، بل خلال بضعة أشهر فقط؟
|
|
|
|