|
شهادة ريم الرياشي ((وسام)) عزّ
وفخار لطفليها
((.. من حقّنا أن نتساءل أيضاً عن سبب دفع حماس لأمّ طفلين لتنفيذ عملية. فرغم
أن حماس ليست السبّاقة في هذا الشأن، إلا أن بقية الفصائل توقفت عن إقحام
النساء في مثل هذه العمليات..)). هذا الاقتباس، هو جزء من مقالة كتبها رئيس
تحرير صحيفة ((الحياة الجديدة))، التي تصدر في الأراضي الفلسطينية بتمويل ودعم
من السلطة. والعملية المقصودة في المقالة، هي العملية البطولية التي نفّذتها
الاستشهادية (ريم الرياشي) على حاجز ((إيريز)) في قطاع غزة، وجندلت فيها أربعة
جنود صهاينة، وجرحت آخرين.
وإذا كانت الصحيفة المذكورة تتساءل عن السبب في دفع حماس لأمّ طفلين لتنفيذ
عملية، فإننا بدورنا نتساءل: أين هو موضع التحفّظ؟!.. هل هو تنفيذ امرأة لعملية
استشهادية أم كون المرأة هي أمّ لطفلين؟!
إن ما يدعونا إلى التوقف لمناقشة هذا الموضوع، هو أن تلك المقالة كانت جزءاً من
موجة من المقالات التي نُشرت في صحف فلسطينية وعربية، تنضح بالإساءة إلى
الاستشهادية –رحمها الله-، أو إلى الحركة التي تنتمي إليها. وبالتدقيق في كافة
المقالات، يمكن ملاحظة أن معظم كاتبيها هم، إما ضدّ العمليات الاستشهادية
أساساً، أو أنهم مناوئون للقوى والفصائل الإسلامية عموماً، ولحركة حماس خصوصاً.
وهو ما يدفعهم إلى توجيه انتقاداتهم، وصبّ جام غضبهم على العمليات التي تنفّذها
حماس تحت عناوين مختلفة.
فتارة ينتقدون العمليات التي تصيب ما يسمّى بـ((المدنيين)) الصهاينة بدعوى أنها
غير أخلاقية، وأن ضحاياها هم من الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل، أو أنها
تثير المجتمع الدولي وتؤلّبه على القضية الفلسطينية على حدّ قولهم. وعندما تصيب
العمليات الجنود والمستوطنين، يبحثون عن سبب آخر، حيث ينتقدونها تارة بحجّة سوء
توقيتها السياسي، وتارة أخرى لأن المنفّذة امرأة، أو لأن المرأة المنفّذة هي
أمّ لطفلين –كما هو الحال بالنسبة للاستشهادية ريم..!.. وهكذا، نجد أن الانتقاد
والتحفّظ هو القاسم المشترك لسائر هؤلاء الكتّاب، الذين يريدون إقناع الشعب
الفلسطيني بطرق غير مباشرة طبعاً، أنه لا خيار أمامهم غير رفع الرايات البيضاء
في هذا الزمن الأمريكي – الصهيوني، وهي النتيجة الطبيعية لانتقاداتهم التي
يوجّهونها لكافة العمليات التي يتمّ تنفيذها بذرائع يتمّ تقديمها وتسويقها.
إن العملية البطولية التي تمّ تنفيذها هي ضد جنود، وتمّت في توقيت سياسي مناسب،
حيث يستمر العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، ويتواصل بناء الجدار العنصري
العازل، وأما المنفّذة فهي امرأة، وهو ما يفترض أن ينسجم مع ما يطرحه هؤلاء
الكتّاب عن ضرورة انخراط المرأة إلى جانب الرجل في كافة مناشط الحياة ومعاركها.
إذن أين هي المشكلة؟!.. هل لأنها تركت وراءها طفلين؟!.. إن هذه المرأة لم
تُقحَم في هذه العملية، وإنما هي التي اقتحمت هذا الميدان، شأنها شأن أخواتها
الاستشهاديات اللواتي سبقنها إلى الشهادة، بعد أن اخترن هذا الطريق بملء
إرادتهن. وكل من يتابع سير الاستشهاديين والاستشهاديات، يدرك أنه لا يمكن إجبار
أحد على سلوك هذا الطريق، إنما هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والقناعة
بعدالة القضية ومشروعية المقاومة.
وإذا كنا نفهم أحياناً عدم إدراك بعض العرب أو غيرهم للدوافع والخلفيات التي
تقف وراء تنامي ظاهرة الاستشهاديين والاستشهاديات، فإننا نستغرب ونستهجن أن
يصيب ذلك أبناء جلدتنا من الكتّاب والمثقّفين الفلسطينيين، الذين ينبغي أن
يكونوا الأكثر إدراكاً، والأقرب فهماً لها، وأن يكونوا في طليعة المدافعين عن
هذه الظاهرة، التي باتت تمثّل ثقافة شعبية عند كافة قطاعات المجتمع الفلسطيني.
وما يزيد من استغرابنا كذلك، استناد المقالة المذكورة إلى معلومات غير صحيحة،
رغم أنها باتت معروفة لأصغر طفل فلسطيني، حيث أشارت إلى أن بقية الفصائل توقفت
عن إقحام النساء في العمليات الاستشهادية، علماً بأن العمليات الاستشهادية
الستّ السابقة نفّذتها كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لفتح)، وسرايا القدس
(الجناح العسكري للجهاد)، ولم تعلن الحركتان عن توقفهما عن تجنيد النساء، أو
تنفيذها للعمليات الاستشهادية.
كما كان لافتاً تجاهل المقالة لدور كتائب شهداء الأقصى في العملية المذكورة
(محلّ الانتقاد)، حيث أعلنت كتائب شهداء الأقصى وكتائب عز الدين القسّام
مسؤوليتهما المشتركة عن العملية، وكون العملية نفّذتها استشهادية من القسّام،
فإن ذلك لا يعفي ((شهداء الأقصى)) من المسؤولية وتبعاتها عن العملية النوعية.
إننا نحمد الله سبحانه وتعالى، أن هؤلاء الكتّاب معزولون عن نبض جماهير شعبنا
وأمّتنا، وأن كتاباتهم لا تحظى إلا بتأييد وإطراء الدوائر الصهيونية
والأمريكية، إن حظيت بذلك فعلاً، وهن ينظّرون في أبراجهم العاجية، بعيداً عن
المزاج العام، والضمير الشعبي.
رحم الله الاستشهادية ريم الرياشي، وتقبّلها في علييين مع النبيين والصديقين
والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، وطوبى لطفليها، اللذين سيدركان مع بواكير وعيهما،
الشرف الكبير الذي خلّفته لهما والدتهما الشهيدة، حيث ستكون شهادتها ((وسام))
عزّ وفخار لهما طيلة حياتهما بإذن الله. وأما افتقادهما لوالدتهما وحنان الأم،
فسيعوّضهما الله بحنان وعطف كل نساء فلسطين.
التحرير
|