من العمل الفدائي إلى خطّ التسوية
محمد عبد الرحمن عبد الرؤوف القدوة الحسيني،
هو الاسم الحقيقي لياسر عرفات الذي اتخذ اسم (ياسر) وكنية (أبو عمار)، أثناء
دراسته في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، إحياءً لذكرى مناضل فلسطيني قتل وهو
يكافح الانتداب البريطاني.
ولد عرفات في مدينة القاهرة يوم 24 آب/أغسطس 1929، وبدأ حياته السياسية في مطلع
حقبة الخمسينيات من القرن الماضي حينما شارك في تأسيس اتحاد طلبة فلسطين في
مصر، أثناء دراسته بالقاهرة قبل أن يذهب للعمل في الكويت.
التحق بالخدمة العسكرية في الجيش المصري ليحصل في عام 1956 على رتبة ملازم في
الجيش، حيث شارك في التصدي للعدوان الثلاثي الإسرائيلي الفرنسي البريطاني على
مصر في العام نفسه.
في العام 1958 عرفات يعمل مهندساً في الكويت، ويشارك مع مجموعة من الفلسطينيين
في الكويت في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين في تأسيس حركة التحرير الوطني
الفلسطيني (فتح).
في العام 1964 جرى إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية تحت رعاية مصرية. وفي
العام 1965 نفّذت فتح أول عملياتها ضدّ (إسرائيل).
في العام 1968 خاضت قوات فلسطينية بمؤازرة الجيش الأردني أول معركة رئيسة مع
الجيش الصهيوني في الكرامة، وفي العام 1969 انتخب عرفات رئيساً لمنظمة التحرير
الفلسطينية.
في العام 1970 وقعت اشتباكات بين قوات المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني
أسفرت عن سقوط ضحايا من كلا الجانبين عرفت بأحداث ((أيلول الأسود))، وبعد
وساطات عربية قررت المقاومة الفلسطينية في العام التالي الخروج من الأردن
والانتقال إلى لبنان بعد أن نجحت مصر في إنقاذ عرفات وتهريبه سراً إلى القاهرة،
حيث حضر القمة العربية في أيلول/سبتمبر 1970، فكانت أول قمة عربية تسلط فيها
الأضواء عليه بقوة.
في العام 1971 عُين عرفات قائداً أعلى للقوات الثورية الفلسطينية.
في العام 1973 تسلم عرفات رئاسة القسم السياسي في منظمة التحرير الفلسطينية،
وبدأ في أعقاب ذلك صب جهود أكبر في الاتجاهات السياسية والابتعاد شيئاً فشيئاً
عن الكفاح المسلح.
أولى إرهاصات توجّه عرفات نحو التسوية ظهرت في خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية
العامة للأمم المتحدة يوم 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1974، والذي قال فيه: ((إنني
جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.. الحرب
تندلع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين)).
في العام 1982 فرضت (إسرائيل) حصاراً على بيروت لمدة عشرة أسابيع بهدف طرد
المقاومة الفلسطينية. وافق عرفات على الخروج من بيروت تحت الحماية الدولية ومن
ثم الانتقال إلى طرابلس في شمال لبنان.
في العام 1983 قاد عدة ضباط في فتح حركة معارضة مسلحة اعتراضاً على نهج عرفات،
ممّا اضطر عرفات للسفر إلى تونس التي شكلت المعقل الأخير لمنظمة التحرير
الفلسطينية حتى عام 1994.
في تشرين الثاني/نوفمبر 1988 تلا عرفات إعلان استقلال الدولة الفلسطينية في
الضفة الغربية وقطاع غزة، وأعلن نبذه لكل أشكال (الإرهاب) استجابة لشروط
أميركية للحوار.
وفي نيسان/أبريل 1989 كلف المجلس المركزي الفلسطيني عرفات برئاسة الدولة
الفلسطينية. في العام 1991 عُقد مؤتمر مدريد للتسوية في الشرق الأوسط تحت رعاية
الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق.
تزوج عرفات في العام 1991 من سهى الطويل، وأنجب منها ابنته الوحيدة زهوة.
في العام 1992 عرفات ينجو بأعجوبة بعد سقوط طائرته في الصحراء الليبية ومقتل
ثلاثة من طاقمها.
وفي أيلول/سبتمبر من العام 1993 وقّع عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق
إسحق رابين اتفاق أوسلو أو ما أطلق عليه ((سلام الشجعان))، وذلك في مراسم
احتفالية في البيت الأبيض.
في العام 1994 عاد عرفات إلى غزة ليتولّى رئاسة السلطة الفلسطينية، وفي نفس
السنة حاز جائزة نوبل للسلام بالمشاركة مع إسحق رابين وشمعون بيريز.
وفور وصوله إلى غزة، شرع عرفات في تأسيس السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية
المختلفة، وعمل على إعادة تأهيل بعض المؤسسات وتدريب أفراد من الشرطة.
وفي 20 كانون الثاني/يناير 1996 انتخب عرفات رئيساً للسلطة الفلسطينية. وفي
العام 1996 بدأ الاصطدام بين أحلام السلطة الفلسطينية في التسوية والمواقف
الإسرائيلية المتعنتة وهو ما أدى إلى انحسار التأييد الشعبي لمشروع السلطة
الفلسطينية، وساهم في ذلك الانحسار قيام السلطة الفلسطينية بملاحقة نشطاء فصائل
المقاومة خاصة الإسلامية منها تنفيذاً لاستحقاقات الاتفاقيات التي وقّعتها مع
(إسرائيل).
شهد منتجع كامب ديفيد في تموز/يوليو 2000، حيث شارك عرفات في قمة ثلاثية جمعته
مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك والرئيس الأمريكي السابق بيل
كلينتون، شهد وصول عملية التسوية إلى طريقها المسدود. ثم كان التطور الأبرز
انطلاق انتفاضة الأقصى في 28 أيلول/سبتمبر عام 2000.
وجسّدت انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر 2000 انطلاقة كتائب شهداء الأقصى من رحم
حركة فتح، ولكن بدون تأييد ظاهر من ياسر عرفات.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2001، بدأت (إسرائيل) في فرض حصارها على مقر عرفات في
رام الله، بعد أن اتهمته، بمساندة أمريكية، بدعم أنشطة المقاومة وبعرقلة عملية
التسوية.
في العام 2003 عين عرفات أمين سر منظمة التحرير محمود عباس (أبو مازن) رئيساً
للوزراء تحت ضغوط دولية للتنازل عن بعض سلطاته، لكنه رفض التنازل عن الكثير من
صلاحياته وخصوصاً التخلي عن سيطرته على القوى الأمنية ممّا أرغم أبو مازن على
الاستقالة.
في شهر آب/أغسطس العام 2004 واجه عرفات اضطرابات داخلية لم يسبق لها مثيل
بقيادة محمد دحلان.
في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2004 نُقل عرفات إلى مستشفى بيرسي العسكري فرنسا
للعلاج من المرض الذي لم يشخّص حتى إعلان وفاته في الحادي العشر من شهر تشرين
الثاني/نوفمبر 2004.
محطّات من الرحلة الأخيرة
- 27/10/2004: تدهورت صحة رئيس السلطة
الوطنية ياسر عرفات، وفرق طبية من مصر والأردن وتونس تصل إلى مقرّ المقاطعة في
رام الله لمعاينته.
- 29/10/2004: بعد وساطات عديدة، نقل عرفات إلى مستشفى عسكري في باريس، وليلى
شهيد، ممثّلة السلطة الفلسطينية في فرنسا، تعلن أن التقرير الطبي لعرفات سيصدر
خلال أيام.
- 31/10/2004: نبيل أبو ردينة مستشار الرئيس عرفات يقول: ((إن الوضع الصحي
مطمئن، وحالته مستقرة))، ومساعد آخر لعرفات يتّهم (إسرائيل) بتسميمه.
- 2/11/2004: التقرير الطبي الفرنسي الرسمي الأول يؤكّد عدم إصابة عرفات بسرطان
الدم (اللوكيميا)، وحدوث تحسن في حالته الصحية العامة.
- 4/11/2004: مصدر طبي فرنسي يؤكّد أن عرفات ((في حالة موت دماغي))، وهو غارق
((في غيبوبة عميقة (كوما) من المستوى الرابع)). ونبيل أبو ردينة ينفي الغيبوبة
ويؤكّد وضعه الحرج.
- 5/11/2004: اللجنة العليا للفصائل الفلسطينية تعقد اجتماعاً طارئاً في مقر
المجلس التشريعي في غزة لبحث الوضع على ضوء تدهور صحة عرفات. وحماس تدعو لتشكيل
قيادة فلسطينية موحدة.
- 6/11/2004: رئيس وزراء السلطة أحمد قريع لا يستبعد احتمال تعرض عرفات للتسمم.
- 8/11/2004: الخلافات بين سهى الطويل، زوجة عرفات، والسلطة الفلسطينية تظهر
على الملأ، مع اتهام الطويل لأركان السلطة بأنهم يريدون دفن عرفات حياً.
- 9/11/2004: وفد رسمي فلسطيني يتكوّن من أحمد قريع، محمود عباس، نبيل شعث
وروحي فتوح تمكّنوا من زيارة عرفات في باريس. والناطق باسم الجهاز الطبي في
الجيش الفرنسي الطبيب العام كريستيان إستريبو يقول ((أن حالة الرئيس عرفات
الصحية ازدادت خطورة في الليل وأصبح في غيبوبة أعمق)). ونبيل شعث يؤكّد تدهور
حالته بشدّة.
- 10/11/2004: اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تقرّر أن يتولى روحي فتوح رئاسة
السلطة الفلسطينية 60 يوماً.
- 11/11/2004: الإعلان رسمياً عن وفاة عرفات، وحماس تتّهم (إسرائيل) بتسميمه.
وفي اليوم نفسه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تنتخب محمود عباس
رئيساً لها، واللجنة المركزية لحركة فتح تنتخب فاروق القدومي رئيساً لها.
شبهات.. حتى إشعار آخر!!
عكست الأزمة الصحية التي مرّ بها رئيس
السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ومن ثمّ وفاته الخلافات الحادة داخل قيادة السلطة
وأظهرت الانقسامات الكبيرة والمتشعّبة في المستويات القيادية، وبيّنت استعداد
أصحاب كل محور للانقضاض على المحور الآخر، في محاولة للاستئثار بالقرار
ولانتزاع الصلاحيات ولتقاسم المهام حتى قبل إعلان وفاة عرفات.
الحالة المتردية هذه طرحت أكثر من سؤال حول ظروف وملابسات وأبعاد ما جرى،
لاسيّما حول أسباب تردّي الوضع الصحي لرئيس السلطة إلى هذا المستوى، وأثارت
الكثير من علامات الاستفهام حول ظروف مرض عرفات ونقله إلى العاصمة الفرنسية،
وما جرى قبل وأثناء وبعد ذلك.
ومن هذه الأسئلة:
1. لماذا تُرك عرفات يعاني من المرض إلى الحدّ الذي جعله يغيب عن الوعي في رام
الله؟
2. لماذا تأخر إرسال الوفود الطبية إلى رام الله كل هذا الوقت؟
3. لماذا لم يُسمح للدكتور أشرف الكردي بمرافقة ياسر عرفات إلى باريس وهو
المشرف على علاجه منذ أكثر من عشرين عاماً، ويعرف تفاصيل حاله والأوضاع الصحية
له بالكامل؟
4. لماذا لم يُسمح للأطباء الفلسطينيين والأردنيين والمصرييين والتونسيين الذي
عاينوا عرفات في رام الله والذين أوصوا بنقله إلى الخارج للمعاينة والذين
شخّصوا حالته منذ بدايتها بمرافقته إلى المستشفى العسكري الفرنسي؟
5. لماذا لم يقم أي مسؤول فلسطيني كبير من قيادة السلطة تحديداً بمرافقة ياسر
عرفات واقتصرت مرافقته على موظفين في السلطة؟
6. لماذا سُمح بالانضمام للوفد المرافق لعرفات لأشخاص هم في حالة صراع معه،
وحاولوا قبل فترة الانقلاب عليه؟ فمحمد دحلان خاض مواجهة مسلحة مع جماعة عرفات
وهو من هدّد عرفات ((بالتنحّي وإلا..)). ومحمد رشيد اختفى لفترة طويلة مع
أمواله، وكان أحد أعضاء الفرقة الانقلابية للإطاحة بعرفات. فمن جمع هؤلاء فجأة
في مكان واحد، ومن سهّل لهم وحدهم المغادرة على طائرة عرفات، ولماذا مُنع أشخاص
من المغادرة وهم حلفاء عرفات التاريخيين؟
7. ما هو السرّ وراء وصول أبو مازن بسرعة إلى رام الله ليلة الإعلان عن مرض
عرفات ودخوله في غيبوبة؟ ولماذا تراجع أبو مازن عن موقفه بعدم استعداده لشغل أي
منصب رسمي؟ وما هي أسباب اندفاع أبو مازن المفاجئة نحو عرفات وقت دخوله في
المرض بينما رفض في السابق كل محاولات مصالحته مع عرفات؟ ولماذا صالح عرفات في
وقت متأخر وبشكل سريع؟ ولماذا وصل أبو مازن إلى مقر عرفات في رام الله حاملاً
معه ورقة يقرّ فيها عرفات بالتنازل عن صلاحياته، وهي الورقة التي قبِلَ بها أبو
علاء وعارضها عرفات بشدة؟
8. في الحوارات الصحفية يعلن أشرف الكردي الطبيب الخاص لعرفات أنه لا يعلم
شيئاً عن حالة عرفات وهو في العاصمة الفرنسية. فلماذا لم يقم الأطباء الفرنسيون
بالتواصل مع الكردي أو باستشارته؟ صحيح أن الطبّ في فرنسا متقدّم وأن المختبرات
متطورة، لكن القاعدة الطبية تقوم على استقاء المعلومات من ملفات المريض ومن
حياته الصحية. والدكتور الكردي هو الأخبر بها؟
9. لماذا تحيل السلطة الفلسطينية مسألة نشر مستشفى بيرسي تقريراً طبياً عن مرض
عرفات إلى سهى الطويل وحدها، وتصرّ السلطة في الوقت نفسه على إبعادها عن أية
قضية أخرى؟
10. لماذا دخلت السلطة الفلسطينية في تسويات مع سهى الطويل حول مختلف القضايا
المتنازع عليها بينهما، ومنها أموال عرفات في البنوك، ولم تشمل هذه التسوية
إذاعة تقرير طبي عن أسباب الوفاة؟
11. لماذا كان أول من ادّعى من الجانب الفلسطيني عدم تسمّم عرفات هو نبيل شعث،
أحد أركان السلطة المحسوبين على السلطة القادمة؛ أي أبو مازن؟
إن كل هذه الأسئلة ستظل مشروعة حتى يتوفر الجواب عليها وحتى يحصل الشعب
الفلسطيني على إجابة واضحة وصريحة وفق أدلة موضوعية ونزيهة تؤكد أن عرفات لم
يُقتل بل مات موتاً طبيعياً؟
تابع موضوع الغلاف هنا