محطّات من سيرة الشهيد عدنان الغول
ما كاد يبلغ الشهيد عدنان الغول الثانية
والعشرين حتى التحق بأول سرية جهادية للحركة الإسلامية وحول هذا تقول زوجته
وابنة عمه (أم بلال): عرف عدنان في شبابه بقوة التزامه وسمو أخلاقه وتميز بذلك
عن جميع أقرانه، حيث لعب سفره إلى مصر دوراً كبيراً في زيادة تمسكه بالحركة
الإسلامية. وكان مفتول العضلات، يجيد رياضة كمال الأجسام، والسباحة. تضيف أم
بلال: ((تزوجني في عام 1981 ودفع مهراً لا بأس به، وكنت قد اشتريت بمعظمه
مصاغاً لي، ولكن قبل أن يمر أسبوع واحد على زواجنا أخذ يحدثني عن ضرورة الجهاد
ومقاومة أعداء الله الصهاينة وأنه يتمنى لو يملك سلاحاً يجاهد به. وأخذ يقنعني
شيئاً فشيئاً ويزين لي أهمية الجهاد، وعندما رأيت به هذا الحماس وأنه صادق في
الدفاع عن أرض الوطن، دفعت إليه بمصاغي كاملاً ليشتري به سلاحاً، وكانت هذه أول
مرة يملك فيها عدنان سلاحاً خاصاً ليدافع به عن وطنه)).
ومن ثم شكل سرية كاملة للحركة الإسلامية تتكون من قرابة ثلاثين شاباً من خيرة
الشباب الملتزم، وبدأ يدربهم على السلاح وكيفية مطاردة واصطياد أعداء الله
الصهاينة.
وكثيراً ما كان يطربه صوت الانفجارات وأزيز الرصاص، وأجمل أيامه يوم يعلم انه
استطاع قتل جنود الاحتلال. وتذكر السيدة (أم بلال) كيف كان يلاحق جيش الاحتلال
في منطقة المغراقة ومعسكر النصيرات، فقالت ((جاءني يوماً وقد تهللت أساريره،
وعلت وجهه ابتسامة عريضة، وطلب مني أن أعد له كوباً من الشاي وبعض المكسرات
لنجلس نتسامر تحت الشجرة، فعجبت من طلبه فقال تعالي اجلسي واسمعي معي عزف رصاص
المقاومة، وما هي إلا لحظات حتى سمعنا دوي انفجارات متلاحقة حيث كان قد نصب
كمين لقافلة سيارات عسكرية كانت تمر بجوار مستوطنة نتساريم)).
وما أوشك العام 1987 على الانتهاء حتى تمكنت قوات الاحتلال من القضاء على جزء
كبير من شباب المجموعة العسكرية التي كان يديرها عدنان، فاستشهد منها ما يزيد
عن ثمانية شباب، وأُسر الباقون ولم يبق من هذه المجموعة المكونة من ثلاثين
شاباً سوى قائد المجموعة عدنان وشقيقه عمر وصديقه ناهض الوحيدي، الذين أصبحوا
مطاردين لقوات الاحتلال بعد أن اعترف بعض أفراد المجموعة على أن عدنان الغول هو
قائدهم وهو الذي جندهم. وتقول السيدة (أم بلال) ((بعد شهر كامل من المطاردة
وغيابه عن المنزل هو وعمر وناهض بين أغصان الشجر حيث كانوا ينامون ويختبئون بين
شجر بيارتنا في المغراقة، وفي أحد الأيام أصر شقيقه عمر أن ينام في منزله لأنه
أصبح يعاني من آلام شديدة في بطنه نتيجة البرد الشديد حيث كان الجو عاصف شديد
البرودة، ولكن عدنان نصحه ألا يعود إلى المنزل ولكنه لم ينجح، فأوصاه إن تم
القبض عليه ألا يعترف بشيء، وأن يقول أن عدنان هو المسؤول وحده عن هذه الخلية
لأنه، أي عدنان، لن يسلم نفسه أبداً فإما أن يلقى ربه شهيداً وإما أن ينجح في
الخروج من القطاع)).
كان يعتقد الشهيد القائد عدنان أن وجود السلطة الفلسطينية في مدينة غزة سيخفف
عنه ملاحقة جنود الاحتلال له ولكن ما إن علمت المخابرات الصهيونية بعودته إلى
القطاع حتى طالبت بإلقاء القبض عليه وتسليمه لها.
ولكن أنى لها أن تفلح في ذلك، فلجأت إلى محاولة اغتياله عدة مرات حيث أرسلت
للقائد عدنان أحد عملائها، الذي ادعى أنه مزارع من مدينة طولكرم ويرغب في إقامة
عدة مشاريع زراعية مع القائد عدنان في بيارة عائلته، وأهدى له هذا العميل جهاز
هاتف نقال، وجهازاً طبياً للضغط حيث كان يعاني عدنان من الروماتيزم منذ صغره.
وتضيف السيدة (أم بلال): في العام 1995 بينما كان الشهيد القائد يحيى عياش
وزوجته يختبئان في منزلنا جاءنا هذا العميل، ولكنه لم يستطع أن يخدع زوجي حيث
كان حرص هذا العميل على استخدام القائد عدنان هذه الأجهزة والاتصال به واضح،
فأخذت الأجهزة التي أهداها إياه وأعطيتهم للقائد عياش ليفحصهم ويتأكد من
سلامتهم، وبالفعل لقد صدق حدسنا حيث كان كلا من جهاز الضغط والهاتف النقال
يحتوي على قنابل شديدة الانفجار، فأرشدنا عياش إلى أن نقوم بإشعال نار كبيرة
داخل حاوية القمامة الرئيسية في المنطقة، وإلقاء هذين الجهازين بهما، وإذ بهم
يحدثوا انفجاراً ضخماً يهز المغراقة بأكملها.
أضافت: ((تنقلنا للعيش في تسعة عشر منزلاً منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، لا نختلط
بأحد من الجيران، ولا نزور أحد، أحبس أطفالي الصغار الأربعة داخل المنزل حتى لا
يسمع صوت ضجيجهم الجيران، وألحقت جميع أبنائي في مدراس خاصة حتى لا اضطر لنقلهم
من مدرسة إلى أخرى لكثرة ترحالنا وتنقلنا، كما عرفوا جميعهم بين أصحابهم في
المدرسة بأسماء مستعارة وأكملت: أما زوجي فقد كان يأتي إلى المنزل متنكراً في
ساعات متأخرة من الليل حتى لا يراه أحد، فتارة يأتي على شكل رجل كبير السن يلبس
عباءة وكوفية، وتارة أخرى بلحية وشارب، وهكذا..
وبعد صلاة قيام ليلة الثامن من رمضان جلس القائد عدنان الغول مع زوجته وأبنائه
الصغار وزوجي ابنتيه، وبعد أن أفطر معهما وصلى بصحبتهما صلاة العشاء وصلاة
التراويح عشرين ركعة، جلس ينتظر حتى تغادر الطائرات الصهيونية سماء المنطقة
ليخرج لمواصلة جهاده، ولكن صوت طائرة الاستطلاع الزنانة كان يرتفع أكثر فأكثر،
فطلب من زوجي ابنتيه ألا يغادرا المنزل بسيارتهما الخاصة حتى لا يتعرضا
للاغتيال. وتكمل زوجته أم بلال: جلس بجواري وكان يرمقني بنظرات غريبة لم أره
ينظرها إلي من قبل طوال فترة زواجنا التي استمرت 23 عاماً، فسألته: لماذا تنظر
إلي هكذا؟ فرد علي قائلاً: دعيني انظر إليك فربما.. وسكت قليلا ثم أكمل: لقد
مللت الحياة واشتقت للشهادة، لقد طالت حياة المطاردة، ولم يبق لي صاحب، فجميع
من كان معي سبقني إلى الشهادة حتى بلال ومحمد، أريد أن ألحق بهم..
ثم غادر المنزل وأنا أرجوه ألا يغادر فالسماء ملبدة بطائرات الاستطلاع ولكنه
أصرّ على أن يخرج حتى يكمل ما عليه من أعمال عسكرية، خاصة أنه لم يتمكن من
الخروج من المنزل منذ يومين.. ولكن ما هي إلا دقائق معدودة وكان الشهيد عدنان
الغول قد التحق بكوكبة الشهداء وحقق الله له أمنيته ليلحق بقائديه الشيخ أحمد
ياسين وصلاح شحادة وولديه محمد وبلال بعد حياة مسطرة بنور الجهاد لأكثر من 23
عاماً.