الشاعر الفلسطيني محمد عبد الرازق
أبو مصطفى:
صورة الدم الفلسطيني المسفوح أبلغ من ألف قصيدة
المشروع الثقافي الفلسطيني لم يرتق إلى مستوى فعل المقاومة
صنعاء/علي الرشيد
لعيون القدس الحبيبة ما فتئ يغنى أحلى قصائده، يجتاح حناياه التي توزعتها
المنافي لهيب هوى وشوق مجنون لا يهدأ توهجه، لذا لا غرو أن تكون باكورة إنتاجه
الشعري المطبوع التي صدرت هذا العام ديوان بعنوان (يا قدس إنا قادمون).
هذي عيون القدس تلقانا على
وضح النهار وفي دجى الليل العميق
في كل متسع وضيق
وإذا نفرّ إلى طريق
تطوي لنا سفر الطريق
الذي يقول أيضا متشببا بلحاظ عينيها:
نشر في الصحف والمجلات العربية والإسلامية نحو 70 قصيدة مصبوغة بلون الدم
الفلسطيني ومسكونة بوجعه ومحلقة في عوالم الشهادة النقية الشفافة.. إنه الشاعر
محمد عبد الرازق أبو مصطفى.
الحوار التالي يعرّف ببعض آفاق تجربة الشاعر ورأيه في العديد من القضايا التي
نطرحها عليه عن أدب المقاومة والانتفاضة بعد دخولها عامها الخامس:
- هل تعتقدون أن أدوات المشروع الثقافي الفلسطيني عموماً
ارتقت إلى مستوى الفعل المقاوم الذي يتضمن صمود الأهل، والذود عن المقدسات،
والعمليات الاستشهادية والتطلع للعودة إلى الديار وبيارات البرتقال.. أم أنها
ما تزال كريشة فنان لم تستطع نقل الصورة بكل تفاصيلها أو سبر كافة أغوارها؟
• المشروع الثقافي الفلسطيني لم يكتمل من جميع جوانبه ومتطلباته الأساسية التي
تظهره كرافد أساسي من روافد المقاومة، وبالتالي فمن الصعب أن يرتقي إلى مستوى
تجذر الأهل وتمسكهم بأرض وطنهم حتى الموت، أو مستوى آلاف الصدور العارية التي
تواجه الرصاص والقذائف، وتفجير الأجسام الطاهرة للنيل من الغاصبين المعتدين..
الفجوة مازالت كبيرة جداً لعمق هذه المدلولات في الإنسان الفلسطيني وعدم إحاطة
أي شكل من أشكال الأدب والثقافة بحقيقتها، ومن ثم فإن الصورة قاصرة حتى الآن
-كما أرى- عن الوصول إلى أعماق تلك التفاصيل وتداعياتها.
- أين تكمن الإشكالية برأيكم؟
• تكمن في عدة نقاط:
عدم وجود مصب مشترك لهذه الأدوات لكي يكون للمشروع الثقافي الفلسطيني تأثيره
وثقله، الشتات الفلسطيني القاتل الذي يشكل عاملاً أساسياً (من وجهة نظري) في
عدم الارتباط الوثيق بين ثقافة الإنسان الفلسطيني ومقاومته، الإعلام العربي
المقصّر جداً في هذا الجانب، والذي يكتفي بنقل الأخبار، وأحياناً بدون تفاصيل
وربما يخفي بعض الحقائق في أحايين كثيرة، وهناك أصوات أدبية لا تأخذ أدنى نصيب
لها في كثير من الدول العربية لكي تصل تلك الأصوات إلى العمق الفلسطيني المقاوم
وتتفاعل معه.
- كيف تصفون العلاقة بين الشعر والمقاومة بمعنى من يترك
أثراً في الآخر، هل يلهب الشعر مشاعر المنافحين عن فلسطين ويؤجج جذوة الجهاد في
نفوسهم؟ أم يكتفي بالانفعال بمشاهد المقاومة ونظم صور من مشاهدها المؤثرة في
قصيدة؟
• المنافحون عن فلسطين كل منظر أمامهم يُغْني عن ألف قصيدة، فهم يرون صور الدم
الفلسطيني المسفوح كل يوم وقتل النساء والأطفال والشيوخ، وهدم المنازل على
ساكنيها، وتجريف الأراضي..، أي قصيدة يمكن أن تلهب مشاعر المجاهدين والمقاومين
أكثر من ذلك؟! ولكننا نعرف أيضاً أن كثيراً من المجاهدين يتغنون ويحفظون كثيراً
من الأبيات والقصائد الشعرية والأناشيد الحماسية -من القديم والجديد-، فكلاهما
له علاقة وطيدة بالآخر ولا غنى له عنه.
-كيف أثرت انتفاضة الأقصى التي نعيش ذكرى انطلاقتها
الرابعة في شعركم؟
• فرضت انتفاضة الأقصى نفسها على أشعاري بقوة وسيطرت عليها سيطرة شبه تامة بحيث
يمكنكم العودة إلى ديواني الذي صدر خلال هذا العام (يا قدس إنا قادمون ) لتروا
أن النصيب الأوفر فيه هو للانتفاضة: أحداثها، أبطالها، شهداؤها، وصور صمود
شعبنا رغم معاناته وعذاباته.
- أي أوجه الانتفاضة احتل المساحة الأوسع في قصائدكم؛
الأوجه البطولية للمقاومين، أم الجوانب الإنسانية لشعبنا في الأراضي المحتلة؟
• يمكن القول أن جميع جوانب مشهد الانتفاضة حاضرة في أشعاري مع اختلاف النسب،
كتبت للشعب والأرض والبحر وللمقاومين.. ومع ذلك يمكن القول إن القدس والمسجد
الأقصى والعمليات الاستشهادية وأبطالها وقادتها، وخصوصاُ حركة حماس كل ذلك احتل
المساحة الأكبر وحظي بالسهم الأوفر.
- ما أثر الاغتراب عن فلسطين على شعر محمد عبد الرازق
أبو مصطفى وفي أي الاتجاهات؟
• اغترابي عن فلسطين الحبيبة صقل وجوهاً متعددة من كتاباتي الشعرية، وجعلني
أشارك كل المسلمين هموم محنتهم أينما وُجدوا، من الجزائر حتى أفغانستان ومن
كشمير حتى أرض البلقان.. وكثيراً ما ربطت قضية فلسطين ومأساتها بالقضايا
الإسلامية الأخرى، وكم أتمنى وأدعو الله أن يكرمني بالشهادة كما رزق الذين
يضحون بأنفسهم في فلسطين.
وهناك مساحة أمل واسعة طبعت قصائدي بوعد الله بالنصر لشعبنا البطل الذي يبذل
أغلى ما يملكه في سبيل الله وثقة بذلك واطمئنان إليه.
-في البدايات الأولى لنكبة فلسطين ونكسة حزيران/يونيو..
كان للشعر الفلسطيني مذاق خاص وحضور طاغ -عربياً وإسلامياً- وكان له رموزه
المتميزين، أما الآن فيبدو أن الصورة قد اختلفت.. هل يتعلق الأمر بتقادم الأمد
على القضية الفلسطينية وتبلد الإحساس العربي تجاهها، أم بفقدان الأمل بجدوى
الشعر والكلمة عموماً، أم بغياب الرموز التي خلّفت شعراً مؤثراً؟
• لا يتعلق الأمر بتقادم القضية الفلسطينية مطلقاً فهي ما زالت نبضاً حياً في
قلب كل عربي ومسلم، ولا بتبلد الاحساس تجاهها أبداً، ولكن أعتقد أن هناك
تعتيماً مقصوداً على قدسية القضية الفلسطينية لإبعادها عن الهمّ الإسلامي
الأصيل لكيلا تأخذ بعداً دينياً محضاً.
بالنسبة لجدوى الشعر والكلمة الحرة فلو كانت ساحة الجهاد مفتوحة من كل نواحيها
لكان للكلمة تأثيرها الفعال والمجدي، أما غياب الرموز الصادقة فهذا يعتبر
عاملاً واضحاً جداً لأن شعراء فلسطين الأوائل كانوا قد خرجوا من معمعة المعارك
الحقيقية بين الشعب الفلسطيني وأعدائه الصهاينة.
روح الأسير
مِن أينَ نعبُر كي نُهديكُمُ القُبَلا
أنتم شموسُ بلادي فاصنَعوا الأمَلا
أنتم غياثُ ثرى الأوطانِ والسحبُ
ترعى عيونكم البُستانَ والجَبلا
بين البروق تراءى زهو طلعتكم
كي يلثمَ الروضَ والأزهارَ والطللا
ويحضنَ الطَيرَ بالأشواق يسكِنُها
دفءَ الحنايا وقد ذابَت بها خَجَلاً
في وارفِ الظلّ والزيتونُ ينشرها
نسائمُ الروح مسكٌ يرسم الظُللا
واللوزُ يزهرُ في أجفانِكم فرحاً
شعراً يطاولُ في ألوانِه الغَزَلا
والبرتقالُ أريجٌ عانقَ القِمما
وأيقظَ القمري والحسّون والحجَلا
بلابلُ القلبِ في ألحانها طربٌ
من همسِ أعينكم صاغَ المدى حُلَلا
وأرسلَ القمرُ الوضاء لوحَته
بحراً أضاءَ به الساحاتِ والسُّبلا
والموجُ يشدو على أوتارهِ نغماً
أمسى به النجمُ في أفلاكِه جَذِلا
فمن يقيّد في الأفلاكِ أنجمها
ومن يكفّن بحراً بالردى اكتَحلا
ومن يعيق براكينَ اللهيبِ إذا
ثارت حميّتها تستوقدُ الشعلا
ومن يعرقلُ في الآفاقِ غضبَتها
إذا طوى البرقُ فجّاً صُبّ أو هَطَلا
روح الأسيرَ تعاني في سلاسِلها
تعانقُ الشمس شوقاًَ باللظى غُسِلا
لا ترتضي بقيودِ الذلّ تنهشها
حتّى ولو قَيّدت من حولها دولا
لا ترتضي بجبالِ الأرض من ذَهبٍ
كبعض أثمانِ حُرّياتها بَدلا
روحُ الأسيرِ إباءٌ صادقٌ وهوى
يحيى النجومَ إذا ما ليلُها انسَدلا
ويصدُقُ الوطنُ المعطاءَ يرقبُه
بِحبّهِ القلب إن صَلّى أو ابتَهلا
يطوفُ فوقََ ربى الأوطانِ يلثمُها
يتوِّج الزهرَ (من دمعٍ) نَدى خَضِلا
حتّى إذا أقبلَ الإصباح يرشُفُه
يُعطِّر الجوَّ يغدو هائماً ثَمِلا
يَستلُّ سيفَ هواه في وداعَتِه
ليكسرَ القيدَ والسجانِ قد قُتِلا
حتّى يحطّم أصناماً ويدفِنها
مَناةُ تندبُ قبرَ الّلاتِ أو هُبَلا
عفواً أحبّة قلبي إن يكُن قَلمي
أعيَتْهُ أعينُكم أو قاربَ الزَللا
فلترشُفوا سكراتِ السجنِ في ألَقٍ
كي ترشفوا الخمرَ في الجنّاتِ والعَسَلا
مهما تَثاقلَ ليلُ الظلم ِفي كمَدٍ
حَتماً سنعبرُ كي نُهدِيكُم القُبَلا
البطاقة الشخصية
- محمد عبد الرازق أبو مصطفى.
- من مواليد خان يونس / غزة 1958.
- بكالوريوس في العلوم الفيزيائية عام 1986.
- مقيم في اليمن ويعمل في سلك التربية والتعليم منذ نحو عشرين عاماً.
- عضو الرابطة العالمية للأدب الإسلامي.
- له ديوان شعر مطبوع بعنوان (يا قدس إنا قادمون)، ولديه مجموعتان شعريتان
مخطوطتان.
- نشر نحو 70 قصيدة من أشعاره في صحف ومجلات يمنية وعربية وإسلامية.